حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الدوليةالرئيسيةتقاريرسياسية

فرنسا على حافة الانفجار.. من يحرك الشارع ومن المستفيد من اتساع الفوضى؟

صراع على قيادة الشارع واستثمار للاضطرابات لإضعاف السلطة

لا تتحرك الاحتجاجات في فرنسا بدافع الغضب الاجتماعي وحده، بل تتقاطع فيها مطالب المواطنين مع حسابات قوى سياسية، ترى في اتساع الاضطرابات فرصة لإرباك السلطة، وإعادة رسم موازين النفوذ. وبين من يحتج دفاعا عن مطالبه، ومن يسعى إلى توظيف الغضب لإضعاف خصومه، يبرز صراع على قيادة الشارع الفرنسي، حيث لا تقتصر القضية على أسباب الاحتجاج، بل تشمل الجهات التي تستثمر تداعياته والمكاسب التي يمكن أن تحققها.

 

إعداد: سهيلة التاور

 

 

لا يمكن اختزال الاحتجاجات الفرنسية في جهة واحدة تحرك الشارع من خلف الستار، كما لا يمكن اعتبارها انفجارا عفويا منفصلا عن الصراع السياسي. فهي تجمع بين مظالم اجتماعية متراكمة، ومنافسة بين قوى سياسية تسعى إلى تحويل الغضب الشعبي إلى مكاسب انتخابية.

في قلب المشهد، تقف فئات تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب مشكلات التعليم والخدمات العامة، ومخاوف تراجع الحماية الاجتماعية. ومع اتساع هذه المظالم، تجد الأحزاب المعارضة فرصة لتوسيع نفوذها وتقديم نفسها بديلا عن الحكومة.

ويبرز التجمع الوطني بقيادة مارين لوبان ضمن القوى التي يمكن أن تستفيد من تراجع الثقة بالسلطة، عبر خطاب يركز على استعادة النظام، ومحاسبة النخب السياسية. وفي المقابل، يستثمر اليسار الراديكالي، ومن أبرز وجوهه جان لوك ميلانشون، الغضب الاجتماعي لانتقاد السياسات الاقتصادية والمالية، والدفاع عن تعزيز الإنفاق على الخدمات العامة.

لكن الاستفادة السياسية لا تعني أن الجهة المستفيدة هي التي أطلقت الاحتجاجات أو تديرها. فهناك فرق بين تنظيم المظاهرات واستثمار نتائجها والتورط المباشر في أعمال العنف. كما أن المحتجين لا يشكلون كتلة سياسية واحدة، بل تختلف مطالبهم وانتماءاتهم ومواقفهم من التصعيد.

أما الرئيس إيمانويل ماكرون والحكومة، فيواجهان تحديا مزدوجا يتمثل في استعادة النظام، ومعالجة الأسباب الاجتماعية للاحتجاج. فالإجراءات الأمنية قد تحد من الاضطرابات مؤقتا، لكنها لا تزيل أسباب الغضب، فيما تحتاج التنازلات المالية إلى مصادر تمويل واضحة.

وهكذا، لا يكمن السؤال في البحث عن طرف واحد يتحكم في الشارع، بل في فهم كيفية نشوء الاحتجاجات والجهات التي تحاول التأثير في مسارها والقوى التي قد تحصد مكاسب من نتائجها.

 

 من مطالب الطلاب إلى أزمة اجتماعية واسعة

تعكس الاحتجاجات مشكلات تتجاوز المؤسسات التعليمية إلى العلاقة بين المواطن والدولة. فنقص المدرسين، واكتظاظ الفصول، وتفاوت جودة المدارس، تثير قلق الأسر بشأن تكافؤ الفرص ومستقبل أبنائها.

وتتداخل هذه المشكلات مع ارتفاع نفقات السكن والطاقة والغذاء والنقل، ما يجعل المطالب التعليمية جزءا من أزمة معيشية أوسع. ومع تراكم الضغوط، يصبح الشارع وسيلة للتعبير عن شعور بأن المؤسسات لا تستجيب للمطالب بالسرعة والجدية المطلوبتين.

غير أن اتساع الحراك لا يعني وجود قيادة مركزية واحدة؛ فبعض المحتجين يركزون على إصلاح التعليم، فيما يعطي آخرون الأولوية للأجور والضرائب والحماية الاجتماعية. ويضع هذا التنوع الحكومة أمام ضرورة فتح قنوات تفاوض حقيقية، من دون تجاهل المطالب، أو تحميل جميع المتظاهرين مسؤولية أعمال التخريب.

 

 بين التظاهر السلمي والتخريب..

 

أعادت مشاهد العنف والتخريب والمواجهات مع قوات الأمن، إلى جانب الاعتقالات والإصابات، طرح السؤال بشأن الحدود الفاصلة بين الاحتجاج المشروع والإخلال بالنظام العام.

فوجود أعمال تخريب لا يعني أن جميع المتظاهرين يشاركون فيها، مثلما لا يمكن اعتبار كل مواجهة مع الشرطة دليلا على خروج الاحتجاجات برمتها عن طابعها السلمي. وقد تضم المظاهرات طلابا وعاملين ونقابيين وأسرا، إلى جانب مجموعات تستغل التجمعات لتنفيذ أعمال نهب أو اعتداء.

ولا تعالج أعمال التخريب نقص المدرسين، أو ارتفاع تكاليف المعيشة، بل تضيف خسائر يتحملها السكان والتجار، وقد تضعف التعاطف مع المطالب الاجتماعية. وفي المقابل، تتحمل السلطات مسؤولية ضمان تناسب استخدام القوة مع طبيعة التهديد واحترام القانون، مع إخضاع أي تجاوزات تثبتها التحقيقات للمساءلة.

ويتطلب احتواء الأزمة حماية التجمعات السلمية، ومحاسبة المسؤولين عن العنف، والتحقيق في الشكاوى الأمنية، وتجنب التعميم الذي يزيد الاستقطاب ويصعب الوصول إلى تسوية.

 

 هل تقف جهات خارجية وراء الاحتجاجات؟

مع اتساع الاضطرابات، ظهرت تفسيرات تربطها بأطراف متطرفة، أو جهات خارجية تسعى إلى إضعاف فرنسا. ولا يمكن استبعاد محاولات استثمار الأزمة دعائيا، خصوصا أن مشاهد العنف والانقسام توفر مادة يمكن استخدامها للتشكيك في قدرة المؤسسات على إدارة البلاد.

وقد تسهم الحسابات الرقمية في تضخيم أحداث معينة، أو إعادة نشر مقاطع خارج سياقها. غير أن وجود مصلحة لدى جهة ما في إضعاف الحكومة، لا يثبت أنها صنعت الاحتجاجات، أو وجهتها.

فالحديث عن تمويل خارجي، أو تنسيق مباشر لأعمال العنف، يحتاج إلى أدلة مستقلة قابلة للتحقق. ومن الضروري التمييز بين الاستفادة السياسية من الأزمة، ومحاولة تضخيمها إعلاميا، والتورط الفعلي في تنظيم أعمال العنف.

وتحتاج مواجهة التضليل إلى تحقيقات شفافة ومعلومات دقيقة، كما أن توجيه الاتهامات من دون أدلة قد يصرف الانتباه عن الأسباب الداخلية للأزمة، وفي مقدمتها الضغوط المعيشية، وتراجع الثقة بالمؤسسات.

 

 أزمة ماكرون.. تراجع الثقة وتقلص هامش المناورة

تواجه السلطة الفرنسية ضغوطا سياسية ومالية، تجعل الاستجابة للاحتجاجات أكثر تعقيدا. فالأزمة لا تتعلق باضطرابات أمنية فحسب، بل تشمل الانقسام حول الأولويات الاقتصادية، وصعوبة التوفيق بين الإنفاق الاجتماعي وضبط المالية العامة.

ويزداد المأزق عندما يشعر المواطنون بأن الأعباء توزع بصورة غير عادلة، أو أن القرارات تتخذ من دون حوار كاف مع الفئات المتضررة. وبالنسبة إلى ماكرون، لا يقتصر التحدي على احتواء الاضطرابات، بل يشمل إقناع المجتمع بأن المؤسسات قادرة على الاستماع إلى المطالب وتحويلها إلى نتائج ملموسة.

وتستفيد المعارضة من اتساع المسافة بين الحكومة وقطاعات من المجتمع، لكنها تواجه بدورها اختبار تقديم بدائل قابلة للتطبيق. فالدعوة إلى تحسين الخدمات وزيادة الإنفاق تحتاج إلى توضيح مصادر التمويل، وكيفية التوفيق بين الالتزامات الاجتماعية والقدرة المالية للدولة.

 

الدين العام والعجز.. جبهة مالية تضيق فيها الخيارات

تفرض الأوضاع المالية قيودا على قدرة الحكومة الفرنسية على تلبية المطالب الاجتماعية. فقد بلغ الدين العام، وفق الأرقام المتداولة خلال عام 2026، نحو 3.59 تريليونات يورو، بما يقارب 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما ظل العجز العام عند مستويات مرتفعة قُدرت بنحو 5.4 في المائة.

وتعني هذه المؤشرات أن الدولة تنفق أكثر مما تجمع من الإيرادات، وتحتاج إلى الاقتراض لتغطية جزء من التزاماتها. ومع تراكم الدين، يذهب جزء أكبر من الموارد العامة إلى خدمة الالتزامات المالية، ما يضيق المساحة المتاحة للاستثمار في المدارس والصحة والنقل والحماية الاجتماعية.

لكن خفض الإنفاق بسرعة كبيرة قد يؤدي بدوره إلى تدهور الخدمات العامة، وزيادة التوتر الاجتماعي. كما أن الزيادات الضريبية الواسعة وغير المدروسة، قد تؤثر في الاستهلاك والاستثمار والنمو.

وتثير النقاشات المرتبطة بميزانية عام 2027 أسئلة بشأن طبيعة التخفيضات ومصادر الإيرادات، وقدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام. لذلك، تحتاج فرنسا إلى خطة مالية موثوقة تحمي الخدمات الأساسية وتحد من العجز، مع توزيع الأعباء بصورة عادلة.

 

 التقاعد والضرائب.. معادلة صعبة

يظل التقاعد من أكثر الملفات حساسية في فرنسا، لارتباطه بسنوات العمل والدخل بعد التقاعد، واختلاف ظروف العاملين بين المهن. وتطرح بعض النقاشات رفع سن التقاعد من 62 إلى 65 عاما، باعتباره خيارا لتخفيف الضغط عن المالية العامة، لكنه قد يثير اعتراضات قوية، خصوصا لدى العاملين في المهن المرهقة، أو الذين يبدؤون العمل مبكرا.

أما زيادة الضرائب، فتثير خلافا بشأن توزيع الأعباء بين أصحاب الدخول والثروات الأعلى وبقية الفئات، وسط مخاوف من تأثير الزيادات غير المدروسة في الاستثمار والنشاط الاقتصادي.

وفي المقابل، لا يمكن توسيع الإنفاق الاجتماعي بلا حدود، لأن كل التزام مالي دائم يحتاج إلى مصدر تمويل مستدام. ولا يكمن الحل في التقشف المطلق أو الإنفاق غير المحدود، بل في تحديد الأولويات، ومراجعة أوجه الهدر، وتحسين كفاءة الإدارة العامة، وتوزيع الأعباء بصورة أكثر عدلا.

 

 استعادة الثقة ووضع خطة مالية قابلة للاستمرار

لا تستطيع الحكومة احتواء الأزمة بمجرد زيادة الانتشار الأمني، لأن التدابير الأمنية لا تعالج وحدها أسباب الغضب. وتبدأ المعالجة بفتح حوار جاد مع الطلاب والمعلمين والنقابات والأسر، ووضع التزامات قابلة للقياس تشمل معالجة نقص المدرسين، وتحسين المدارس، وتحديد جداول زمنية للإصلاحات.

كما تحتاج الحكومة إلى حماية القدرة الشرائية وتوجيه الدعم إلى الأسر الأكثر تضررا، بالتوازي مع خطة متوسطة الأجل لخفض العجز، ومكافحة الهدر والتهرب الضريبي، وتحسين كفاءة الإدارة، وحماية الاستثمارات الضرورية في التعليم والصحة والبنية التحتية.

ولا يقل دعم النمو أهمية عن ضبط النفقات؛ فتحسين التدريب وتوسيع فرص العمل المستقرة وتشجيع الاستثمار المنتج يساعد على زيادة الإيرادات العامة، وتقليل الاعتماد على الاقتراض.

وفي الوقت نفسه، يتعين حماية حق التظاهر السلمي، ومحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف، والتحقيق في التجاوزات الأمنية. فالفصل بين الاحتجاج المشروع والجريمة يحمي المواطنين والممتلكات، ويمنع استخدام العنف ذريعة لتقييد الحريات.

 

 من أزمة فرنسية إلى اختبار أوروبي

لا تقتصر أهمية الاضطرابات على فرنسا، إذ تتابع الدول الأوروبية قدرة باريس على التعامل مع التوتر الاجتماعي والضغوط المالية. ففرنسا دولة محورية داخل الاتحاد الأوروبي، وأي تدهور طويل في استقرارها السياسي، أو أوضاعها المالية، قد يؤثر في النقاشات المتعلقة بالإنفاق العام والانضباط المالي.

كما أن ارتفاع تكاليف المعيشة والضغط على الخدمات العامة، والخلاف بشأن تمويل التقاعد، وتراجع الثقة في الأحزاب التقليدية، كلها قضايا تظهر بدرجات متفاوتة في دول أوروبية أخرى.

وقد تستخدم الأحزاب الأوروبية مشاهد الاضطراب الفرنسية لدعم مواقفها، بشأن الضرائب، والإنفاق الاجتماعي ودور الدولة. لكن تشابه المشكلات لا يعني بالضرورة انتقال الاحتجاجات إلى البلدان الأخرى بالوتيرة نفسها، لاختلاف الظروف الاقتصادية والمؤسسات السياسية.

وتكشف الأزمة عن اختبار أوسع لقدرة الديمقراطيات الأوروبية على التوفيق بين المطالب الاجتماعية والانضباط المالي، وبين حماية الأمن واحترام الحريات.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى