
الكل تابع كيف ظلت بعض الأحزاب السياسية تدافع باستماتة عن قياداتها وتؤكد في كل اللقاءات والاجتماعات نظافة يدها، كما كلفت نفسها عناء الرد على كل المقالات الصحفية ببيانات التوضيح والتكذيب في موضوع شبهات الفساد، لكن باستمرار بحث لجان التفتيش التابعة لمصالح ووزارة الداخلية ومجلس الحسابات والتحقيقات الإدارية والقضائية والنبش في الخروقات والتجاوزات، انتهت الأمور بانكشاف عورة بعض الوجوه السياسية المشهورة وإصدار المحاكم عقوبات حبسية في حق المعنيين، على خلفية متابعتهم في قضايا التزوير والاستيلاء على أملاك الغير وفساد الصفقات العمومية، واستغلال سلطة التوقيع لتحصيل ثروات ضخمة.
هناك العديد من القيادات الحزبية التي يثير تسييرها لمجالس انتخابية جدلا واسعا، وذلك بسبب التورط في خروقات تعميرية وتراخيص انفرادية، واستغلال آليات ومعدات وموظفي وعمال الجماعات الترابية في الحملات الانتخابية، فضلا عن استغلال المال العام في ترضية الخواطر وترقيع القواعد الانتخابية، لكن بالرغم من كل ما سبق ذكره تجد الأمانات العامة للأحزاب المعنية تعيد تزكية نفس الوجوه وتدافع عنها، حتى في الملفات التي تتعلق بمقاضاتها من قبل عمال الأقاليم.
ولا يخفى على أي متتبع للشأن العام المحلي، الثراء الفاحش الذي ظهر على منتخبين ومسؤولين عند تحملهم المسؤولية، خاصة من يملكون سلطة التوقيع والأمر بالصرف، حيث تحول رؤساء جماعات لا يعرفون القراءة ولا الكتابة إلى رجال أعمال كبار بعدما كانوا يمارسون بعض المهن البسيطة، فضلا عن تسجيل البعض لأملاك وعقارات وفيلات وضيعات ضخمة في أسماء الزوجات والأقارب، لتفادي سؤال من أين لك هذا؟ أو خروج قانون الإثراء غير المشروع إلى الوجود.
إن وجود العديد من البرلمانيين ورؤساء الجماعات الترابية وممثلي بعض الجمعيات التي استفادت من المال العام خلف القضبان، أو في مراحل التحقيق، بسبب ملفات نهب المال العام والتلاعب في الصفقات العمومية، يجب أن يكون مضرب المثل بالنسبة إلى جميع المنتخبين، ودرسا مهما للأحزاب في اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة في التزكيات، واختيار الوجوه التي يمكنها أن تشكل قيمة مضافة للمشهد السياسي، وليس تكرار نفس الأخطاء الكارثية وانتظار نتائج مغايرة، لأن ذلك لن يتحقق أبدا.
وعندما نتحدث عن تكوين بعض المنتخبين ثروات ضخمة، فإنه لا يجب أن يفهم من الكلام التعميم، ولا تخويف رجال الأعمال من الاقتراب من السياسة، لأهمية مشاركتهم والاستفادة من تجاربهم في تحمل مسؤولية تسيير الشأن العام، بل المطلوب هو تحيين التشريعات القانونية بما يواكب المستجدات الخاصة بصرف المال العام، والقطع مع استغلال سلطة التوقيع خارج الصالح العام، مع عدم المس بقرينة البراءة كذلك، وعدم الاستغراق في التبريرات الواهية، لتصبح مانعا لتطبيق القانون واختباء البعض خلف شعارات مزيفة للتهرب من تبرير الثروات، التي ظهرت على مسؤولين ومنتخبين يعرف الجميع كيفية تسلقهم للوصول إلى الطبقة البورجوازية، واستعمالهم الفساد في الاستمرار بالمناصب لسنوات طويلة، دون مؤشرات إيجابية في التسيير أو التنمية، والفشل في المساهمة في التشغيل وتجويد الخدمات العمومية.
وتعاني عدد من المجالس المنتخبة، أيضا، من استغلال بعض القيادات الحزبية للمنصب في تحقيق الثروة، من خلال تسهيل إجراءات بحجة الصالح العام وتعقيد أخرى، لأنها لا تتوافق والأهواء أو يرفض أصحابها الخضوع لأجندات خاصة، ناهيك عن إعدام مبدأ تكافؤ الفرص الدستوري، وابتزاز شركات ومقاولات ومستثمرين للدخول معهم في الأرباح بطرق غير مباشرة، وخلط المنصب السياسي بالمشاريع الشخصية في وضح النهار.
يجب أن تخجل بعض الأحزاب السياسية من تورط قياداتها في الفساد واستغلال المنصب وسلطة التوقيع في تشكيل ثروات ضخمة، وليس محاولة الدفاع عنها والتغطية على الخروقات والتجاوزات، كما أن المملكة الشريفة مقبلة على تحقيق نقلة اقتصادية مهمة خلال 2030، وهو الشيء الذي يجب استحضاره من قبل الجميع، لتقدير المرحلة والمساهمة في محاربة الفساد كل من موقعه، وتفعيل دور جيوش من المنتخبين بالمجالس لخدمة الصالح العام، عوض تفريخ الفئران الذين يأتون على محصول الميزانية العامة، ويدمرون الثقة بين المواطن ومؤسساته بتصرفات صبيانية غير مسؤولة، أبرزها تمييع العمل السياسي وتنفير الشباب منه، وتلك مصيبة كبرى.





