
حسن البصري
رغم أن المحجوب بن الصديق من مواليد مكناس وكان عاشقا لفريق السككيين، باعتباره نقابيا في قطاع السكك الحديدية، وفي قلبه نصيب من الحب للنادي المكناسي، إلا أنه أحب الرجاء البيضاوي وجعل النقابة في خدمة فريق يسيطر على قلوب شخصيات في محيط زعيم نقابة الاتحاد المغربي للشغل، رغم أن مقرها يوجد في تراب معقل الوداد.
في مثل هذا الشهر من سنة 1970، رفع لاعبو الوداد البيضاوي كأس العرش، بعد الفوز على نهضة سطات، وهم يرددون اسم مدربهم عبد الحق القدميري الذي مات قبل النهائي، بل إنهم أصروا، في اليوم الموالي، على التوجه إلى مقبرة الشهداء بالدار البيضاء وهم يحملون كأس العرش ليضعوها على قبر الفقيد في مشهد مؤثر.
تقاسم اللاعبون فرحة اللقب مع مدرب ينام في قبره، فاختلط الفرح بالدموع.
بعد أربع سنوات، سيفوز الرجاء البيضاوي بأول لقب لكأس العرش في تاريخه، وسيقرر مسؤولوه إهداء الكأس إلى الزعيم النقابي المحجوب بن الصديق، الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، وهو في زنزانته داخل سجن «اغبيلة»، في إشارة إلى ارتباط النادي بهذه النقابة العريقة، التي كانت تعتبر الفريق الأخضر ذراعها الرياضية.
وحين غادر المحجوب المعتقل، أقام نادي الرجاء حفلا على شرف الزعيم المفرج عنه، علما أن النقابة ساعدت الرجاء في تدبير الكثير من الأزمات، وساهمت في تشغيل اللاعبين في القطاعات التي كانت تسيطر عليها نقابيا.
وظل ملعب الرجاء بالوازيس يحتضن نهائيات الكؤوس العمالية، المنظمة من طرف التنظيم النقابي، فضلا عن وجود العديد من المسيرين الذين شغلوا مهام قيادية في نقابة بن الصديق، آخرهم مصطفى دهنان.
لكن في الضفة الودادية كانت هناك وجوه نقابية من «ليمتي»، أبرزها عبد القادر السملالي، أحد قيادات نقابة الكهربائيين، ومؤسس بطولة النقابة، إلا أن هذا الأخير لم يخترق مكتب الوداد الذي كان محصنا من طرف زعماء أحزاب.
في المكتب الوطني للكهرباء، الذي تحكمت فيه نقابة «ليمتي»، ذابت متلازمة «ودادي رجاوي»، إذ كان الوداديون عبد القادر السملالي وبوغابة وبنهيمة والرجاوي الأبيض، يشغلون اللاعبين دون إخضاعهم لتحليلات الدم لمعرفة نسبة تاراجاويت أو تاوداديت.
لهذا كان الفريق المهني للكهربائيين أشبه بمنتخب بيضاوي مصغر، أو ائتلافي يجمع لاعبي الوداد والرجاء و«الطاس».
كانت الفرق المهنية بمثابة الحظ الثاني للاعبين اكتشفوا أنهم في حالة شرود مادي، بعد أن زحف نحوهم تيار الاعتزال، فأصبحوا مهددين بـ«تعليق السباط».
في منتصف الثمانينيات، كنا نستمتع ببطولة الفرق المهنية، في ملعب الفداء والطاس وفيليب وسيدي عثمان، ولطالما سخرت وأنا شاب يافع من مباريات جمعت المتناقضات.
حين تجمع مباراة فريق «لوقيد» مع فريق غاز البوتان، أو عندما يلتقي في مباراة مصيرية فريق كوسيمار مع نادي الشاي، أو فريق التيرسي مع نادي المعلمين الذين ينهون التلاميذ عن القمار.
أما مباريات فريق عصير البرتقال «سان سوس» فكنا نتطوع لمساندته، مقابل علبة عصير برتقال، بالحماس نفسه نساند فريق «أيتكو ليفر» لأعود إلى أمي بعلبة «أومو»، يوزعها علينا مسؤول الفريق.
اليوم وأمام تناسل النقابات، ضاعت البطولة المهنية ولم يعد لها نصيب من الفرجة في ملاعب مختنقة بالمواعد الكروية.
ضاعت بطولة المهنيين حين أصبح أرباب العمل يبحثون عن عنصر منتج، عن بضاعة مربحة، لا عن لاعب يصنع الفرجة للجمهور.
ضاعت بطولة «طرافيوز» حين فهمت «الباطرونا» أن لوحة إشهارية في جنبات الملعب تُغْنِي عن توظيف لاعبين يرددون: «آه يا خوفي من آخر المشوار».
عشنا وشفنا لاعبين يقاتلون وينتحرون في الملعب، من أجل إقناع «الباطرون» وهو في المنصة.
من هنا جاء القول المأثور:
«مالك لاعب على خدمة».





