حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقاريرسياسية

كيف دمّر أيت منا الوداد في موسم واحد؟

ملايين مهدرة وتعاقدات بالجملة وتصريحات مثيرة  وخلافات بالجملة

إعداد: سفيان أندجار

مقالات ذات صلة

يعتبر نادي الوداد الرياضي واحدا من أعمدة كرة القدم المغربية والإفريقية، ليس فقط بفضل سجله الحافل بالألقاب المحلية والقارية، بل أيضا بفضل هويته الكروية الراسخة التي تشكلت عبر عقود، وهو الفريق الذي ارتبط اسمه بالبطولات الكبرى وباللحظات التاريخية التي صنعت مجد الكرة المغربية، ويجد نفسه اليوم أمام واحدة من أعقد وأقسى الفترات في تاريخه الحديث. لم يكن مجرد موسم عادي، بل تحول إلى ما يشبه «النكسة» أو «الموسم الصفري»، بعدما تراجع الأداء بشكل غير مسبوق، وتوالت الإخفاقات، وتعمقت أزمة الثقة بين الإدارة والقاعدة الجماهيرية منذ تولي هشام أيت منا، الرئيس السابق لشباب المحمدية، قيادة النادي في يوليوز 2024، ارتفعت التطلعات نحو مشروع احترافي يعيد الوداد إلى منصات التتويج، ويضمن استقرارا ماليا وتقنيا طويل الأمد. غير أن الواقع جاء مغايرا تماما، فالفريق تكبد سلسلة من الإخفاقات الرياضية، خروج مذل من ربع نهائي كأس الكونفدرالية الإفريقية، تعاقدات بالجملة بلا مردود، نزيف مالي متواصل، تصريحات مثيرة للجدل، خلافات داخلية حادة، وغياب رؤية رياضية واضحة. كل هذه العوامل جعلت الكثيرين يحمّلون الرئيس المسؤولية المباشرة عن التراجع، معتبرين أن تركيزه على الجوانب التجارية والمالية جاء على حساب البناء الرياضي والتنافسي.

هذه الملف لـ«الأخبار» نفتح الباب لتحليل معمق للنقاط الرئيسية التي صنعت هذه الأزمة، في عهد أيت منا.

 

 

الوداد تحول إلى «سوبر ماركت اللاعبين»

من أبرز سمات عهد هشام أيت منا على رأس الوداد الرياضي النشاط المفرط في سوق الانتقالات، حيث تحول النادي إلى ما يشبه «سوبر ماركت اللاعبين». خلال فترة قصيرة، أبرم الفريق ما يقارب 55 صفقة جديدة، شملت لاعبين محليين وأجانب من مستويات مختلفة، في محاولة معلنة لتعزيز جميع الخطوط، وبناء فريق قادر على المنافسة محليا وقاريا. غير أن هذه السياسة التي بدت في البداية طموحة، تحولت سريعا إلى عبء ثقيل على النادي، بعدما فشل معظم هؤلاء اللاعبين في تقديم أي إضافة ملموسة داخل المستطيل الأخضر.

وأبرزت هذه السياسة أن الكم الهائل من التعاقدات كان عشوائيا وغير مبني على رؤية تقنية واضحة. فكثير من اللاعبين لم يتأقلموا مع أسلوب لعب الفريق، فيما عانى آخرون من إصابات متكررة، أو ضعف في الجاهزية البدنية، بينما اصطدم البعض بصعوبة الانسجام مع المجموعة. النتيجة كانت فريقا مكتظا في بعض المراكز، يعاني من تذبذب في الأداء وعدم استقرار في التشكيلة الأساسية، وهو ما انعكس مباشرة على النتائج.

ويرى الكثيرون أن الاختيارات كانت في الغالب «اسمية» أو تسويقية، أكثر من كونها مدروسة تقنيا، وكأن الهدف كان إرضاء الجماهير بالأسماء الكبيرة بدل بناء مشروع رياضي متماسك.

هذا النهج أدى إلى فقدان الهوية الكروية التقليدية للوداد، التي كانت تقوم على الانسجام والروح القتالية. وبدلا من تعزيز الفريق، ساهمت هذه التعاقدات في تفكك المجموعة وتراجع الأداء، لتتحول إلى مثال صارخ عن غياب مدير رياضي محترف يشرف على التعاقدات بشكل علمي.

 

إنفاق عشوائي للملايين

 

إذا كانت كثرة التعاقدات قد أربكت التوازن التقني  داخل الوداد، فإن الجانب المالي لم يكن أقل خطورة، بل ربما أكثر إيلاما. فسياسة التعاقدات التي اتبعها هشام أيت منا ارتبطت بإنفاق ضخم شمل رواتب عالية، منح توقيع سخية، عمولات للوكلاء، وتكاليف إضافية أثقلت كاهل النادي. في تصريحات إعلامية، لم يتردد الرئيس في الحديث عن خسائر تصل إلى 20 مليار سنتيم سنويا، مؤكدا أن النادي «عايش بسبابي»، في إشارة إلى مجهوداته الشخصية في التسيير. لكن هذه التصريحات لم تقنع الجماهير ولا المنخرطين، الذين يرون أن الإدارة الحالية هي من ساهمت في تعميق الأزمة المالية عبر صفقات باهظة بلا مردود رياضي يبررها.

يُعتبر هذا الإنفاق العشوائي أحد أكبر الأخطاء في عهد أيت منا. فبدلا من الاستثمار الذكي في لاعبين يناسبون مشروعا رياضيا محددا، تم ضخ الأموال في صفقات فلكية لم تحقق أي إضافة، مما كشف سوء تدبير واضح للموارد.

ورغم الحديث عن الاحترافية عبر إطلاق الشركة الرياضية، ظل الضغط على الميزانية قائما، مع مخاوف جدية من تراكم الديون والمستحقات المتأخرة.

تركيز أيت منا كان على «الكم» بدل «الكيف»، وأن الإدارة انشغلت بالصفقات الاستعراضية أكثر من بناء فريق متماسك. هذا النهج جعل فريق الوداد الرياضي يبدو وكأنه يسعى وراء الأسماء الكبيرة لإرضاء الأنصار، أو تحقيق مكاسب تسويقية، دون اعتبار للجانب الرياضي. النتيجة كانت نزيفا ماليا يهدد استقرار النادي الأحمر على المدى الطويل، ويضعه أمام خطر فقدان القدرة على المنافسة إذا استمرت هذه السياسة.

 

كثرة الظهور الإعلامي جعله عرضة للانتقادات

من بين أكثر الجوانب التي أثارت الجدل في عهد هشام أيت منا على رأس الوداد الرياضي، حضوره الإعلامي المكثف وتصريحاته المتكررة التي تحولت إلى مادة دسمة للنقد والسخرية. منذ بداية ولايته، بدا الرئيس حريصا على الظهور في كل مناسبة، سواء عبر وسائل الإعلام، أو داخل غرف تبديل الملابس، أو حتى في افتتاح المتاجر، وكأنه يريد أن يكون في قلب المشهد بشكل دائم. في البداية، اعتبر البعض هذا التواصل مؤشرا إيجابيا على قربه من اللاعبين والجماهير، لكن سرعان ما انقلب الأمر إلى عكسه، بعدما اتضح أن تصريحاته وسلوكياته تفتقر إلى الحكمة وتزيد من حدة التوتر داخل النادي.

أحد أبرز الأمثلة كان تصريحه الشهير بأن «الوداد عايش بسبابي»، وهو تصريح اعتبره الكثيرون محاولة للتباهي وتقليل من جهود الرؤساء السابقين، ما أثار استياء واسعا بين المنخرطين والجماهير. كما أن حادثة سب منخرط ودادي، خلال افتتاح متجر النادي، شكلت صدمة كبيرة، إذ اعتُبرت إساءة مباشرة للمنخرطين وسمعة المؤسسة، وأظهرت جانبا من الانفعال غير المقبول في شخصية الرئيس. إلى جانب ذلك، لم يتردد أيت منا في انتقاد بعض اللاعبين علنا بعد المباريات، وهو ما زاد من الضغط النفسي عليهم وأضعف الثقة داخل المجموعة.

يمكن القول إن هذه التصريحات والسلوكيات أضرت بصورة الرئيس بشكل كبير، وحولته إلى «رئيس مثير للجدل» في نظر الرأي العام. وسائل التواصل الاجتماعي امتلأت بالسخرية والانتقادات، فيما اعتبر المراقبون أن غياب الحكمة في التواصل ساهم في تفاقم الأزمة النفسية للفريق، وزاد من الاحتقان داخل النادي. بدلا من أن يكون ظهوره الإعلامي وسيلة لتهدئة الأجواء وبث الثقة، تحول إلى عامل إضافي في الأزمة.

 

 

النادي تحول إلى «مؤسسة تجارية»

من بين أبرز الانتقادات التي وجهت إلى هشام أيت منا خلال فترة رئاسته للوداد، أسلوبه في التدبير الذي بدا وكأنه يضع الجانب التجاري والربحي فوق كل اعتبار رياضي. منذ توليه المسؤولية، ركز بشكل كبير على إطلاق الشركة الرياضية، افتتاح المتاجر، وتوسيع أنشطة التسويق، في محاولة لإضفاء طابع احترافي على النادي. لكن هذا التركيز المفرط على الجانب المالي جاء على حساب المشروع الرياضي، حيث غابت رؤية تقنية واضحة، وافتقر الفريق إلى خطة استراتيجية تضمن الاستقرار الفني والنتائج الإيجابية.

الجماهير والمنخرطون يرون أن النادي تحول في عهد أيت منا إلى مؤسسة تجارية أكثر من كونه فريقا تنافسيا. فبينما كان ينتظر أن يتم الاستثمار في البنية التحتية الرياضية، تكوين اللاعبين، وتطوير الأكاديمية، انشغلت الإدارة بصفقات تسويقية ومشاريع تجارية لا علاقة لها مباشرة بالأداء داخل الملعب. هذا النهج جعل الوداد يخرج خالي الوفاض من عدة منافسات متتالية، ويعاني من تذبذب الأداء في البطولة الوطنية، وفقدان الهوية الكروية التي طالما ميزت الفريق.

يمكن القول إن غياب التوازن بين الجانب المالي والرياضي كان أحد أكبر أسباب الأزمة الحالية، إذ إن أي ناد كبير يحتاج إلى موارد مالية قوية، لكن هذه الموارد يجب أن تُوظف لخدمة المشروع الرياضي أولا. في حالة الوداد، بدا أن القرارات تتخذ بشكل أحادي، دون تشاور مع المنخرطين، أو الخبراء، ودون وجود لجنة تقنية محايدة تضع الخطط وتحدد الأولويات. النتيجة كانت تدبيرا عشوائيا يفتقر إلى التبصر والرؤية الاستراتيجية، أدى إلى خسائر رياضية كبيرة وحالة من الغموض والاحتقان داخل النادي.

 

 

 

الاختيارات الخاطئة للمدربين

من بين أبرز مظاهر سوء التدبير في عهد هشام أيت منا على رأس الوداد الرياضي، سلسلة الاختيارات الفاشلة والمتكررة في ما يخص المدربين. منذ بداية ولايته، بدا وكأن النادي يعيش حالة من الارتجال في التعاقد مع الأطر التقنية، دون وجود رؤية واضحة، أو لجنة تقنية محايدة تحدد المعايير وتضع خطة طويلة الأمد. البداية كانت مع المدرب الجنوب إفريقي رولاني موكوينا، الذي لم ينجح في فرض أسلوب لعب مستقر، أو تحقيق نتائج مقنعة، ليغادر بعد موسم كارثي، تاركا وراءه فريقا مرتبكا. ثم جاء الدور على محمد أمين بنهاشم، الذي لم يختلف وضعه كثيرا، حيث استمر التذبذب والخروج المبكر من المنافسات القارية، وسط انتقادات واسعة من الجماهير التي رأت أن اختياره لم يكن مبنيا على أساس فني قوي.

وفي مارس 2026، جاء التعاقد مع الفرنسي باتريس كارتيرون، المدرب المعروف بتجاربه الإفريقية مع الأهلي والزمالك المصريين والرجاء الرياضي. لكن حتى هذا الاسم لم ينجح في كسر سلسلة الإخفاقات، إذ واجه صعوبات فورية في تحقيق الانتصارات، لتستمر «لعنة المدربين الفرنسيين» مع الوداد. الجماهير والمنخرطون اعتبروا أن التعاقد مع كارتيرون كان محاولة يائسة لإنقاذ الموسم، لكنه لم يكن مبنيا على دراسة دقيقة لاحتياجات الفريق، أو انسجامه مع أسلوب اللعب.

يمكن القول إن هذه التغييرات المتكررة في الطاقم التقني عكست غياب رؤية استراتيجية واضحة، وأدت إلى حالة من عدم الاستقرار الفني داخل الفريق. اللاعبون وجدوا أنفسهم أمام تعليمات وأساليب مختلفة في وقت قصير، مما زاد من ارتباكهم وأضعف انسجامهم. كما أن إهدار الوقت والموارد في هذه التغييرات المتكررة ساهم بشكل مباشر في الإخفاقات المتتالية، وأفقد النادي القدرة على بناء مشروع رياضي.

 

خلافات مع «برلمان» الوداد

إذا كانت الإخفاقات الرياضية والمالية قد هزت صورة الوداد في عهد هشام أيت منا، فإن الخلافات مع المنخرطين مثلت القشة التي قصمت ظهر البعير. منذ الأشهر الأولى لتوليه المسؤولية، بدأت بوادر التوتر تظهر بين الرئيس و«برلمان الوداد»، حيث اتهمه كثيرون بانتهاج أسلوب أحادي في اتخاذ القرارات، بعيدا عن التشاور والشفافية. ومع تراكم الإخفاقات، تصاعدت حدة الخلافات لتصل إلى مطالب علنية بعقد جمع عام استثنائي ورحيل الرئيس.

ودعا أيت منا إلى لقاء تواصلي بمركب محمد بنجلون في الرابع من ماي الجاري، لكن الدعوة قوبلت بالمقاطعة من طرف عدد من المنخرطين الذين اعتبروا أن الحوار لم يعد مجديا، وأن الحل الوحيد هو التغيير الجذري في القيادة. مجموعات وازنة مثل «الوينرز»، وجمعية قدماء اللاعبين حملت الرئيس المسؤولية الكاملة عن الوضع الكارثي، وطالبت بمحاسبة شاملة ومراجعة السياسة الحالية. هذا الموقف يعكس فقدان الثقة التام بين الإدارة والقاعدة الشعبية، وهو أمر خطير بالنسبة إلى ناد بحجم الوداد، حيث يشكل المنخرطون والجماهير العمود الفقري لشرعيته واستمراره.

يمكن القول إن هذه الخلافات لم تكن مجرد اختلافات في وجهات النظر، بل نتيجة مباشرة لغياب الشفافية المالية، التعاقدات غير المدروسة، والإخفاقات المتكررة. المنخرطون شعروا بأنهم مهمشون، وأن القرارات تُتخذ بشكل فردي دون إشراكهم، وهو ما يتعارض مع تقاليد النادي العريق. كما أن تصريحات الرئيس المثيرة للجدل زادت من حدة الاحتقان، وجعلت العلاقة بين الطرفين تصل إلى مرحلة الانفجار.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى