
كرة القدم في إفريقيا ليست مجرد لعبة تعتمد على المهارة واللياقة والتكتيك، بل هي مرآة ثقافية وروحية تعكس قناعات الشعوب وعمق معتقداتها. على مستوى المنتخبات، كثيرا ما تمتزج المباريات مع طقوس وممارسات تحمل دلالات تتجاوز الرياضة، وتُظهر كيف يرتبط النجاح في الملاعب بفكرة الحظ، الروح، والتواصل مع القوى الخفية.
إعداد: سفيان أندجار
في قارة غنية بالتنوع الثقافي والاعتقادات الروحية، تميل بعض المنتخبات والجماهير إلى ممارسة طقوس، قبل ذهابها إلى المباريات، أو حتى أثناء الحملات في البطولات الكبرى مثل كأس أمم إفريقيا لكرة القدم، هذه الطقوس قد تكون ضمن إطار ديني أو ثقافي أو سياسي، أو حتى اعتقادات شعبية متوارثة.
المشجع التمثال
في قلب المدرجات المزدحمة لمباريات كأس أمم إفريقيا لكرة القدم 2025 بالمغرب، برز مشجع فريد من نوعه جذب أنظار الجماهير ووسائل الإعلام على حد سواء، إنه ميشيل نكوكا مبولادينغا، المعروف باسم «تمثال لومومبا». ليس لشهرة رياضية أو مهارة فنية على أرض الملعب، بل لسلوكه الغريب والرمزي في المدرجات. مبولادينغا، الذي ينحدر من جمهورية الكونغو الديمقراطية، قرر أن يحضر مباريات منتخب بلاده بطريقة غير معتادة: يقف ثابتا طوال المباراة، بلا حراك، مقلدا وضعية تمثال الزعيم الوطني الإفريقي الراحل باتريس لومومبا، رمز التحرر والاستقلال في الكونغو. هذا السلوك الفريد جعل منه أيقونة افتراضية في البطولة، وأثار فضول كل من شاهد المباريات، أو تصفح منصات التواصل الاجتماعي.
كل من رآه في المدرجات شعر بمزيج من الدهشة والاحترام؛ ففي كل مباراة، كان يرفع ذراعه اليمنى طوال التسعين دقيقة، بينما تتنقل الكاميرات بين اللاعبين والجماهير، ويصادف عدسات المصورين دائما هذا المشجع الصامت الذي يبدو وكأنه جزء من نصب تذكاري حي. حضور مبولادينغا لم يكن مجرد طرافة أو غرابة، بل رسالة ثقافية وتاريخية عميقة، تقديرا لذكرى أحد أعظم قادة القارة، وإحياء للرموز الوطنية التي شكلت هوية جمهورية الكونغو الديمقراطية.
عندما خرج منتخب الكونغو من البطولة، بعد مواجهة الجزائر في ربع نهائي بطولة أمم إفريقيا، كانت لحظة خروج مبولادينغا مؤثرة للغاية. صمت طويل وانكسار واضح، ثم بكى المشجع المعروف بـ«تمثال لومومبا» بطريقة أعادت إلى الأذهان احترام الجماهير لتاريخهم وهويتهم، وأظهرت جانبا إنسانيا نادرا في عالم كرة القدم. هذه اللحظة تحولت بسرعة إلى حديث مواقع التواصل، حيث تناقل المغردون مقاطع الفيديو والصور مع تعليقات عن وفاء المشجع والتزامه الصامت، ما جعل قصته تصل إلى ما هو أبعد من مجرد متابعة مباريات كرة القدم، لتصبح رمزا للثقافة والتراث والروح الجماعية.
إلى جانب ذلك، أثار حضور مبولادينغا تساؤلات حول دور الجماهير في صناعة الحدث الرياضي. لقد أثبت أن تأثير المشجع لا يقاس فقط بالصياح والتشجيع الصاخب، بل يمكن أن يكون أيضا صامتا، رمزيا، وعاطفيا بطريقة تترك أثرا طويل المدى في الإعلام والمتابعين. أصبح ميشيل مبولادينغا شخصية محورية على الإنترنت، ونموذجا فريدا في كرة القدم الإفريقية، حيث مزج بين الفن، التراث، والانتماء الوطني في كل لحظة يقف فيها كتمثال حي، يذكر الجميع أن كرة القدم ليست مجرد مباراة، بل مساحة للتعبير عن الهوية، التاريخ، والانتماء.
القط «نيمبوس» الأشهر في «الكان»
عاد القط الشهير «نيمبوس» إلى دائرة الأضواء مجددا، هذه المرة لتوقع نتيجة نصف نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 بين مصر والسينغال، بعد أن أصبح رمزا فريدا لتوقعات المباريات في البطولة المقامة بالمغرب.
وإذا كان نيمبوس قد أخفق في التنبؤ بنتيجة مباراة مصر وكوت ديفوار في ربع النهائي، حين توقع فوز الإيفواريين قبل أن يحقق الفراعنة الفوز بنتيجة 3-2، فإن جماهير الكرة الإفريقية تنتظر بفارغ الصبر تنبؤه الجديد، الذي نشره الحساب الرسمي للقط على «إنستغرام».
في الفيديو الجديد، يظهر نيمبوس أمام أقمصة الفريقين، قبل أن يختار «أسود التيرانغا» السينغاليين كفريق متأهل إلى النهائي، واختار المغرب على حساب نيجيريا، في لحظة أثارت موجة من التعليقات الطريفة على منصات التواصل، حيث علق حساب المنتخب المصري على «إكس» قائلا: «قطنا يكسب… القط أصلا فرعوني!»، في إشارة مرحة إلى الطابع الفرعوني للفراعنة.
ومنذ انطلاق البطولة، أصبح نيمبوس أو«Oracle Nimbus» كما يُعرف بين متابعيه، أحد أكثر النجوم إثارة للجدل، فقد توقع نتائج ست مباريات من ثمن النهائي بنجاح، محققا نسب متابعة عالية بين الجماهير التي تعتبره بمثابة «العراف المحبوب» لكأس أمم إفريقيا.
مع اقتراب نصف النهائي، يترقب عشاق البطولة لحظة مواجهة التوقع مع الواقع، وسواء أفلح نيمبوس هذه المرة، أم لا، فإن القط العراف أثبت أنه ليس مجرد حيوان أليف، بل رمز التوقعات الطريفة واللافتة للانتباه في عالم كرة القدم الإفريقية.
الجزائري ولقب نذير الشؤم
في كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب، برز المشجع الجزائري المعروف باسم عادل كظاهرة غريبة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح يُنظر إليه على أنه نذير شؤم لكل منتخب يشجعه. لاحظ المتابعون أن الفرق التي يظهر عادل وهو يرتدي ألوانها أو يشجعها غالبا ما تخرج مبكرا من البطولة، ما حوله إلى شخصية شبه أسطورية افتراضية. خلال مباراة الجزائر ضد الكونغو، اختار ارتداء قميص الكونغو، وفي مواجهة مالي والسينغال ارتدى قميص مالي، مع أن الهدف الحقيقي، بحسب متابعيه، كان رؤية الفرق تخسر.
تحولت تصرفاته الصغيرة إلى طقوس طريفة على الإنترنت، ووسائل للتفاعل بين الجماهير، إذ أطلقت عليه لقب «المشجع المنحوس»، وشاركت ميمات ساخرة ونصائح فكاهية حول ألوان القمصان التي يرتديها. القصة تعكس جانبا ثقافيا واجتماعيا في كرة القدم الإفريقية، حيث يمتزج الحب للرياضة مع المزاح والخرافات الشعبية، ليصبح كل حدث خارج الملعب مادة للمرح والمشاركة الجماعية. رغم أن القصة ليست مؤكدة رسميا، فإن عادل أصبح رمزا افتراضيا يضيف بعدا طريفا للبطولة، ويجعل متابعة المباريات تجربة ممتعة تتجاوز حدود الملعب.
تاريخ كرة القدم الإفريقية يزخر بحكايات عن السحر والشعوذة، أثناء كؤوس إفريقيا.
قصة الجزائر مع التطير لم تكن وليدة «كان المغرب»، بل سبق في إحدى المباريات خارج «الكان» أن تداولت وسائل التواصل مشهدا يزعم أن فريقا في الجزائر استعان بـ«راق» لإبطال تأثير سحر وُضع في ملعب الخصم، في واقعة رمزية تُظهر كيف تدخل الاعتقادات الخارجية في عالم الرياضة.
ليست كل الطقوس في كرة القدم الإفريقية مفرطة، أو ترتبط بالخوارق، هناك جانب احتفالي ثقافي غني يتجلى في الجماهير والمنتخبات.
عندما تتجاوز البطولة حدود الرياضة
تؤمن عدد كبير من المنتخبات بأهمية البركة الروحية، قبل المباريات المصيرية. في بعض الحملات، تُلاحظ لاعبين ومدربين يقومون بطقوس، قبل السفر إلى أرض المنافس، أو قبل الدخول إلى الملعب مباشرة. هذه الممارسات ليست غريبة في عالم الرياضة العالمية، لكنها تحمل صبغة خاصة في إفريقيا، حيث يمتزج الدين التقليدي بالإسلام والمسيحية في سياق واحد.
هناك تقارير تاريخية وأحداث عديدة تشير إلى أن بعض المنتخبات في مراحل مختلفة من تاريخ كأس الأمم الإفريقية لجأت -أو وُصفت بأنها لجأت- إلى أفراد يُعرفون بالمشعوذين أو المستشارين الروحيين، أملا في جلب «الطاقة الإيجابية»، أو التأثير على نتيجة المباراة. وغالبا ما ترتبط هذه الممارسات بمعتقدات محلية ترتبط بالسحر أو التعاويذ.
على سبيل المثال، في بعض مباريات سابقة يُقال إن تعويذات أو تمائم وضعت بالقرب من مرامي الخصوم قبل النزالات، مما دفع بعض أطقم الفرق المنافسة إلى إزالتها بسرعة، أو تقديم شكاوى رسمية.





