
طنجة: محمد أبطاش
دق التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2024-2025 ناقوس الخطر، بخصوص وضعية التطهير السائل بجهة طنجة- تطوان- الحسيمة، كاشفا عن اختلالات بنيوية عميقة تحد من قدرة الجهة على مواجهة تحديات الإجهاد المائي وتثمين الموارد غير الاعتيادية، وعلى رأسها المياه العادمة المعالجة. وسجل التقرير ما وصفها بـ«مفارقة بنيوية» في السياسات العمومية للماء، إذ في الوقت الذي تراهن فيه المملكة على تنويع مصادر التزود المائي عبر التحلية وإعادة الاستعمال، ما زالت مدن كبرى بجهة الشمال مثل طنجة وتطوان، تعتمد على شبكات تطهير سائل ذات تصاميم هندسية متقادمة، صُممت أساسا للتصريف المباشر في البحر، دون مراعاة متطلبات المعالجة المتقدمة وإعادة الاستعمال.
وبحسب المعطيات التقنية التي أوردها التقرير، فإن مدنا ساحلية استراتيجية، من بينها طنجة وتطوان والحسيمة، تتوفر على شبكات تطهير سائل تعتمد المعالجة الأولية والمصبات البحرية فقط. وتبلغ القدرة الإجمالية لتصريف المياه العادمة بهذه المدن حوالي 2.3 مليون متر مكعب يوميا، أي ما يعادل 67 في المائة من القدرة الوطنية لتصريف المياه العادمة.
هذا النموذج، حسب قضاة المجلس، يَحُولُ دون استغلال هذه الكميات الكبيرة في سقي المساحات الخضراء، أو في الاستعمالات الصناعية والفلاحية، ويجعل أي تحول نحو المعالجة الثلاثية رهينا باستثمارات ثقيلة وتكاليف تشغيل مرتفعة لإعادة تهيئة الشبكات القائمة. ورغم إدراج إعادة استعمال المياه العادمة ضمن البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي (2020-2027)، إلا أن التقرير سجل فجوة واضحة بين الأهداف المعلنة والنتائج المحققة ميدانيا. فالبرنامج يهدف إلى بلوغ 100 مليون متر مكعب سنويا من المياه المعالجة بحلول سنة 2027، غير أن النسبة الحالية لا تتجاوز 13 في المائة من مجموع المياه العادمة الحضرية.
كما كشف التقرير أن 29 في المائة من التوصيات المرتبطة بالبرنامج الوطني للتطهير السائل المندمج لم يتم الشروع في تنفيذها بعد، فيما لا تزال نسبة مماثلة في طور الإنجاز، ما يعكس بطئا في التفعيل وضعفا في تتبع الالتزامات.
إلى جانب الاختلالات التقنية والمالية، أشار التقرير إلى عوائق قانونية ومؤسساتية تعمق الأزمة، أبرزها التأخر في إصدار النصوص التنظيمية للقانون المتعلق بالماء رقم 36.15، بعد مرور أكثر من ثماني سنوات على اعتماده. هذا التأخر يحول دون تحديد معايير جودة المياه المعالجة وشروط منح تراخيص إعادة استعمالها، ما يعرقل تنزيل المشاريع ويحد من انخراط الفاعلين.
وخلص قضاة المجلس الأعلى للحسابات إلى أن مدن جهة الشمال، وعلى رأسها طنجة وتطوان، مطالبة بشكل عاجل بمراجعة نموذج تدبير التطهير السائل، خاصة في ظل استعداد الجهة لاحتضان تظاهرات كبرى، وانتظار دخول محطة تحلية مياه البحر بطنجة حيز الخدمة بطاقة تصل إلى 150 مليون متر مكعب سنويا في أفق 2028. وحذر التقرير من أن استمرار الاعتماد على التصريف البحري دون معالجة ثلاثية لا يمثل فقط هدرا لمورد مائي ثمين، بل يشكل كلفة اقتصادية وبيئية باهظة تثقل كاهل الجماعات الترابية، في سياق وطني يتسم بندرة الموارد وتزايد الضغط على الماء.





