
لم يسكت المغرب قط عن قضية الحدود مع الجزائر، وقبل الاستقلال بسنوات كان الذين وضعوا اللبنة الأولى لجيش التحرير الجزائري، من مغاربة وجزائريين، وإن أحببت الدقة فهُم: علال الفاسي وعبد الكبير الفاسي عن المغرب وابن بلة وبوضياف عن الجزائر
يونس جنوحي
إذا كان اشتغال محمد التازي إلى جانب وزراء الخارجية المتعاقبين طوال الفترة التي اشتغل خلالها في السلك الدبلوماسي، ما بين سنة 1958 و1994، مكنه من التعرف عن قرب على إكراهات التعامل الدبلوماسي بين الرباط والعواصم العربية التي اشتغل فيها، فإن علاقته بالصحافة، المهنة التي مارسها منذ أربعينيات القرن الماضي، لم تقطعها واجباته الدبلوماسية.
وقبل اختتام هذه الحلقات، نفتح مع التازي مساحة «منسية» من أرشيفه الشخصي، تتعلق بالرسائل مع مثقفين عرب ومغاربة. وأقوى الكواليس، التي سجلها السفير في هذا الملف، رسالة رد كان عبد الكريم غلاب، رئيس تحرير صحيفة «العلم» وزميل التازي في الصحافة لأكثر من نصف قرن، وجهها إلى أحد المثقفين الجزائريين الكبار، ليس بقصد النشر وإنما ردا على ما كان نُشر بخصوص القضية المغربية في صحيفة عربية واسعة الانتشار.
يقول:
«وأنا أفتح ملفاتي لتوثيق ما أكتب، وجدت رسالة مهمة كتبها الصديق الأستاذ عبد الكريم غلاب إلى الصديق المشترك بيننا الأستاذ ياسر هواري عام 1963. وكان ياسر وقتها رئيس تحرير مجلة «الأسبوع العربي» في بيروت. ردا ليس للنشر، كما طلب الأستاذ غلاب في رسالته، على مقال نشره فيها صديقنا الصحافي مروان الجابري عن العلاقات المغربية- الجزائرية، استند في كتابته على معلومات استقاها مما نشرته صحف بعض الدول التي تؤيد الأطروحة الجزائرية في الوضع بمنطقة المغرب العربي. ولعل الصديق الأستاذ غلاب نفسه ليس عنده نسخة منها. ولأهميتها الأدبية والتاريخية، استأذنته في أن يكون نشرها خاتمة موضوعات «نحن والجزائر» لأنها تضيف معلومات قيمة وتاريخية لما كتبتُه.
تقول رسالة الأستاذ عبد الكريم غلاب، المؤرخة بالخامس من شهر نونبر عام 1963، بعد مقدمة عن العلاقة الخاصة التي تربطه بياسر هواري ومروان الجابري:
«فاجأتني حقا في مقال الصديق مروان، الذي أعتز بصداقته، ثلاث أفكار قد تكون مبعثها فكرة واحدة، أولاها أن مناطق المغرب المغتصبة من فرنسا وإسبانيا في الصحراء الجنوبية مسكوت عنها، وثانيها أن قضية الحدود مع الجزائر ثانوية، وثانوية جدا وغير جديرة بأن تتخذ سببا في أزمة ولا حجة لفتور أو برود، وثالثها البحث عما قد يكمن وراء «إثارة المغرب» لقضية الحدود مع الجزائر من أهداف اقتصادية أو أهداف استعمارية آتية من الخارج عن طريق المغرب.
والحق أن مروان كان بارعا جدا حينما لخص كل ما قيل ويقال عن هذا الموضوع في مقال قصير لا يعدو ثلاثة أضلاع من «الأسبوع العربي»، في حين أن صحفا ومجلات أراقت بحارا من المداد وملأت مئات الصفحات لتردد هذه «الحقائق». وليس المهم ما يقال وإنما المهم الحقيقة. وسأحاول أن ألخصها في كلمات: لم يسكت المغرب قط عن قضية الحدود مع الجزائر، وقبل الاستقلال بسنوات كان الذين وضعوا اللبنة الأولى لجيش التحرير الجزائري من مغاربة وجزائريين، وإن أحببت الدقة فهُم: علال الفاسي وعبد الكبير الفاسي عن المغرب وابن بلة وبوضياف عن الجزائر، في القاهرة. كانوا يتفقون في كل شيء، وكان المغاربة يواجهون الجزائريين بالخريطة الحقيقية للمغرب الذي شوهه الاستعمار الفرنسي. وكان الجزائريون لا يعارضون، ولكنهم لا يتحمسون لوجهة النظر المغربية».
هذا مقتطف فقط من الرسالة التي تضمنت رد إحدى القامات الصحفية المغربية التي عاصرت كواليس انفجار مشكلة الحدود مع الجزائر. وكان هذا الرد «معركة» انبرى بعض الجزائريين ليس للرد عليها، وإنما لقطع الطريق أمام الأقلام المغربية، لترد على محاولات التضليل بخصوص حقيقة النزاع في الصحراء ومفاوضات ترسيم الحدود الشرقية مع الجزائر.





