
النعمان اليعلاوي
دخل فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، بشكل رسمي ومباشر إلى قلب المعترك السياسي، بعدما اختار حزب الأصالة والمعاصرة بوابة للانتقال من موقع المسؤول الإداري والحكومي إلى موقع الفاعل الحزبي، في خطوة جاءت قبل أسابيع قليلة من موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر. وفي حوار مطول مع مجلة «جون أفريك»، كشف لقجع خلفيات هذا القرار، رافضاً اختزاله في منطق «التعليمات» أو البحث عن موقع مستقبلي داخل الحزب، ومؤكداً أن اختياره «البام» جاء نتيجة مسار طويل من الاحتكاك بالعمل السياسي، وبحثاً عن فضاء يتيح له التعبير عن رؤيته بشكل أكثر «حرية وأفقية وشمولية».
ويأتي دخول لقجع إلى «البام» في سياق انتخابي شديد الحساسية، تتنافس فيه الأحزاب الكبرى على تصدر نتائج الاقتراع المقبل، بينما تحولت العلاقة بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار إلى واحدة من أبرز واجهات الصراع داخل الأغلبية الحكومية. ولم يخف لقجع أن اختياره الحزب يحمل رهانا سياسيا يتجاوز مجرد الترشح في دائرة انتخابية، إذ أكد أن الهدف المعلن للحزب هو تصدر انتخابات 23 شتنبر، معتبراً أن ذلك سيكون «مساراً طبيعياً وتطوراً منطقياً» بعد احتلال الحزب المرتبة الثانية في انتخابي 2016 و2021.
من تدبير المال العام إلى العمل الحزبي
يرفض لقجع تقديم دخوله إلى السياسة باعتباره انتقالاً مفاجئاً من عالم الإدارة والتدبير إلى عالم الأحزاب. وبالنسبة إليه، فإن ممارسة السياسة لم تبدأ يوم 25 يوليوز، تاريخ الإعلان عن انضمامه إلى الأصالة والمعاصرة، بل سبقتها سنوات من الحضور داخل الحكومة والبرلمان والتواصل المستمر مع الفاعلين السياسيين. ويقول إن وصف الخطوة بأنها دخول إلى «المعركة السياسية» ليس دقيقاً، مفضلاً الحديث عن «العمل السياسي»، الذي يؤكد أنه لم يكن يوماً بعيداً عنه.
ويقدم لقجع نفسه باعتباره شخصية راكمت خلال السنوات الماضية تجربة في تدبير ملفات اقتصادية ومالية كبرى، ما جعله، حسب روايته، يبحث عن فضاء سياسي يستطيع من خلاله التعبير عن رؤية «شاملة وأفقية»، وليس فقط مواصلة العمل من موقع إداري أو حكومي. ويضع هذه الخطوة ضمن مسار بدأ منذ أكثر من عشر سنوات، ويربطه بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المغرب، معتبراً أن المرحلة الحالية تتطلب، في نظره، الانتقال من تدبير الملفات إلى المشاركة المباشرة في صياغة الاختيارات السياسية.
ولذلك، فإن اختيار الأصالة والمعاصرة لم يكن بالنسبة إليه مجرد بحث عن حزب يوفر له غطاء انتخابياً. فقد شدد على أن «البام» راكم منذ تأسيسه تجربة في فتح المجال أمام أجيال جديدة، معتبراً أن الحزب شكل على مدى سنوات فضاء لدخول أسماء جديدة إلى الحياة السياسية. ومن هذه الزاوية، يقدم لقجع نفسه باعتباره امتداداً لهذه الدينامية، وليس وافداً يبحث عن موقع جاهز داخل التنظيم.
وحسم لقجع في لجهة التي تقف وراء قرار دخول لقجع إلى العمل الحزبي، خصوصاً أن توقيت الخطوة قبل أسابيع قليلة من الانتخابات، فتح الباب أمام قراءات سياسية متعددة. غير أن الوزير المنتدب المكلف بالميزانية نفى بشكل قاطع أن يكون اختياره نتيجة توجيه أو «وصفة جاهزة»، معتبراً أن مثل هذه التحليلات تنتمي إلى منطق سياسي تجاوزه المغرب.
وقال لقجع إن الانضمام إلى حزب سياسي لممارسة العمل السياسي «حق دستوري»، مؤكداً أن اختيار 25 يوليوز كان «اختياراً شخصياً ومنطقياً» جاء نتيجة تطور طبيعي لمسار مهني وإداري ظل قريباً من السياسة. وبحسب تصوره، فإن الانتقال إلى العمل الحزبي لم يكن بحثاً عن موقع بقدر ما كان رغبة في إيجاد فضاء سياسي يسمح له بالمشاركة بصورة أكثر مباشرة في النقاش العمومي.
هذه النقطة تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى الجدل الذي رافق دخول لقجع إلى «البام»، إذ ارتبط اسمه خلال الأسابيع الماضية بسيناريوهات متعددة حول مستقبله السياسي. لكن الرجل حرص على تقديم نفسه بعيداً عن منطق «التعيين» أو «الإعداد» لموقع سياسي معين، مشدداً على أن انضمامه للحزب هو قرار شخصي، وأن رهانه الحالي ينحصر في المساهمة في إنجاح الاستحقاق الانتخابي المقبل.
لقجع يتحدى ”الضربات الخفية”
لم يتجاهل لقجع طبيعة الحياة الحزبية وما يمكن أن تفرزه من صراعات وانتقادات وضربات سياسية، لكنه أكد أنه لا يدخل هذا المجال بسذاجة أو دون إدراك لمخاطره. وبحسب تصريحاته، فإن الانتقادات والضربات الخفية ليست جديدة عليه، بعدما واجهها خلال سنوات تدبيره لملفات كرة القدم وميزانية الدولة.
ويعتبر لقجع أن الشخصية العامة مطالبة بالقدرة على التعايش مع الجانب السلبي من العمل العام، دون أن يسمح للانتقادات بتحويله عن المسار الذي اختاره. فبالنسبة إليه، ما يبقى في الذاكرة الجماعية ليس بالضرورة ما يرافق الطريق من هزات، وإنما النتائج النهائية للسياسات العمومية والاستراتيجيات المعتمدة.
وبذلك، يبدو أن لقجع يراهن على نقل النموذج الذي بناه حول شخصيته المهنية إلى المجال السياسي، أي تقديم نفسه كرجل تدبير ونتائج أكثر من كونه رجل شعارات وسجالات. وهي صورة قد تكون سلاحاً انتخابياً بالنسبة إلى «البام»، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام اختبار مختلف، لأن السياسة الحزبية لا تقوم فقط على تدبير الملفات، بل كذلك على بناء التحالفات وإدارة الخلافات والصراعات داخل التنظيم وخارجه.
المنصوري ولقجع.. نفي مبكر لصراع القيادة
من بين أبرز الملفات التي حاول لقجع حسمها مبكراً، مسألة موقعه داخل قيادة الأصالة والمعاصرة. فقد طُرح منذ إعلان التحاقه بالحزب سؤال حول ما إذا كان دخوله يمثل خطوة أولى نحو تولي قيادة «البام»، خصوصاً في ظل الوضع التنظيمي للحزب والحديث عن مستقبله بعد الانتخابات.
لكن لقجع رفض الانخراط في هذا النقاش، معتبراً أن الحديث عن التموقع المستقبلي في هذه المرحلة «هدر للوقت». وأكد أن الأولوية هي المشاركة إلى جانب مناضلي الحزب ومناضلاته في إنجاح انتخابات 23 شتنبر، على أن يتم بعد ذلك تقييم النتائج ورسم خارطة الطريق المستقبلية.
واللافت في حديثه أنه حرص بشكل خاص على تبديد أي انطباع بوجود صراع مع فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للحزب، بعدما أثارت تصريحات سابقة لها حول «الانضباط» تأويلات بشأن طبيعة العلاقة مع الوافد السياسي الجديد. وذهب لقجع إلى وصف المنصوري بأنها «صديقة كبيرة وأخت»، موضحاً أنها كانت من بين من سعوا إلى إقناعه بالمضي قدماً في مشروع الانضمام إلى الحزب.
كما حاول أن ينزع عن هذه العلاقة أي طابع تنافسي، مؤكداً أن العمل داخل الحزب جماعي، وأنه لا يبحث عن منصب أو موقع بعينه. وبذلك، يبدو أن لقجع يسعى منذ البداية إلى تفادي فتح جبهة داخلية مع قيادة الحزب، والتركيز بدلاً من ذلك على الصورة الانتخابية التي يريد «البام» تقديمها خلال الأسابيع الأخيرة من الحملة.
عدم الترشح ببركان.. «لم أعلن قط أنني سأترشح»
ومن الملفات التي حظيت باهتمام كبير مسألة عدم ترشح لقجع في مسقط رأسه بركان. فبعد تداول اسمه باعتباره مرشحاً محتملاً بالدائرة، أثار غيابه عن اللوائح النهائية تساؤلات حول ما إذا كان قد تراجع عن قرار سابق.
لكن لقجع نفى ذلك، مؤكداً أنه «لم يعلن قط» أنه سيترشح في بركان، ومشدداً على أن علاقته بالإقليم ليست علاقة انتخابية أو تمثيلية، بل علاقة ممتدة ومبنية على روابط اجتماعية ورياضية وتنموية.
كما قدم سبباً تنظيمياً وعائلياً لعدم ترشحه، يتعلق بوجود زوجته ضمن القائمة الجهوية للشرق، معتبراً أنه من حيث المبدأ لا يؤيد وجود أفراد من العائلة نفسها ضمن القوائم الانتخابية. وبرأيه، فإن العمل السياسي والتمثيل الترابي يتطلبان تنوعاً في الكفاءات والبروفايلات.
ولم يخف لقجع أنه فضل ترك المجال لمحمد إبراهيمي، الذي يخوض ولايته الثالثة، معتبراً أنه لا يرى سبباً لمنافسته على رأس اللائحة. وبذلك، حاول أن يحول عدم ترشحه ببركان من نقطة ضعف أو تراجع إلى قرار سياسي محسوب، يؤكد من خلاله أن دخوله إلى «البام» لا يرتبط بدائرة انتخابية بعينها، وإنما بمشروع سياسي على المستوى الوطني.
«البام» في مرمى الأحرار.. لقجع يرفض السجالات الشخصية
غير أن دخول لقجع إلى الحياة الحزبية لم يمر دون أن يترك أثراً على العلاقة المتوترة أصلاً بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار. فقد جاء التحاق الوزير بـ«البام» في وقت تصاعد فيه التنافس بين الحزبين، قبل أن تتحول مسألة استقطاب المنتخبين والانتقال بين الأحزاب إلى واحدة من أبرز عناوين المواجهة الانتخابية.
وفي هذا السياق، سُئل لقجع عن تصريحات نسبت إلى رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب والقيادي في التجمع الوطني للأحرار، تضمنت انتقادات لاستقطاب المنتخبين، وإشارات إلى أن لقجع لن يكون وزيراً للاقتصاد والمالية إذا استمر الأحرار في قيادة الحكومة. غير أن لقجع اختار عدم الدخول في مواجهة مباشرة، مؤكداً أن تصريحات الأحزاب المنافسة «لا تهمه».
ورفض لقجع إقحام كرة القدم والاتحاد الدولي لكرة القدم في الصراع السياسي، معتبراً أن النقاش السياسي شيء، والمؤسسات الرياضية شيء آخر. كما شدد على أن الأولوية بالنسبة إليه هي العمل على البرنامج الانتخابي للحزب ومناقشة القضايا التي تهم المغاربة، بعيداً عن «السجالات الشخصية البحتة».
هذا الموقف يعكس رغبة واضحة في بناء صورة مختلفة عن الصراعات التقليدية بين قادة الأحزاب. فلقجع، الذي دخل السياسة حاملاً معه رصيداً من الحضور العمومي، يحاول أن يضع نفسه في موقع رجل المشاريع والنتائج، وليس في موقع السياسي الذي يستنزف حضوره في الرد على الخصوم.
«البام» يريد تصدر انتخابات 23 شتنبر
وفي مقابل تقليل لقجع من أهمية الصراعات الشخصية، كان واضحاً في حديثه أن هدف الأصالة والمعاصرة في الانتخابات المقبلة ليس الحصول على نتيجة عادية، وإنما تصدر الاقتراع. فقد اعتبر أن وصول الحزب إلى المرتبة الأولى سيكون نتيجة منطقية لمساره بعد احتلاله المرتبة الثانية في انتخابات 2016 و2021.
ويحاول «البام»، من خلال دخول شخصية بحجم لقجع إلى صفوفه، تقديم نفسه باعتباره حزباً قادراً على استقطاب كفاءات وأسماء ذات حضور وطني، وربط ذلك بخطاب التجديد والبحث عن نموذج مختلف في ممارسة السياسة. ويبدو أن الحزب يراهن على أن هذا الحضور الجديد يمكن أن يمنحه دفعة قوية في سباقه مع التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال وباقي القوى السياسية.
لكن الرهان لن يكون سهلاً، خصوصاً أن دخول لقجع جاء في مرحلة انتخابية قصيرة ومشحونة، وأن صورته كمسؤول حكومي ورجل تدبير ستخضع لاختبار سياسي جديد. فالمغاربة الذين اعتادوا رؤيته في ملفات الميزانية والتدبير والرياضة سيجدونه هذه المرة في مواجهة سؤال مختلف: هل يستطيع رجل النتائج والأرقام أن يتحول إلى رجل انتخاب وحزب وقواعد وصناديق اقتراع؟
«الدولة الاجتماعية» والبحث عن استعادة الثقة
ولم يقتصر حديث لقجع على الصراع الحزبي، بل حاول تقديم تصور سياسي للمرحلة المقبلة، خصوصاً في ما يتعلق بأزمة الثقة والمشاركة الانتخابية. فقد أقر بوجود تراجع في الثقة تجاه السياسة التقليدية، لكنه اعتبر أن الظاهرة لا تخص المغرب وحده، وإنما أصبحت اتجاهاً عالمياً.
وبالنسبة إليه، فإن تجاوز هذه الأزمة يمر عبر الانتقال من السياسة القائمة على الشعارات إلى «سياسة الإنجاز والمشاريع الملموسة». ولهذا ركز على القدرة الشرائية والخدمات الاجتماعية باعتبارها قضايا قادرة على إعادة ربط المواطن بالفعل السياسي، مشيراً إلى أن برنامج «البام» يحاول تقديم أجوبة عملية عن مشاكل المغاربة.
وفي خلفية هذا الخطاب تبرز معادلة أكثر تعقيداً: مغرب يحقق تحولات اقتصادية واستثمارات كبرى، مقابل استمرار الإحساس لدى فئات واسعة بأن ثمار النمو لا تصل إليها بالقدر الكافي. ويقر لقجع بوجود هذه المفارقة، داعياً إلى توسيع مفهوم الدولة الاجتماعية ليشمل، إلى جانب الدعم والحماية الاجتماعية، خدمات عمومية ذات جودة، خصوصاً في الصحة والتعليم، وإحساساً أكبر بالكرامة والإدماج الاجتماعي.





