
ليس كل ضغط واحدا. هناك ضغط الجماهير، وضغط الأدوار الإقصائية، وضغط مواجهة منتخب بحجم فرنسا. لكن هناك ضغط آخر، أكثر هدوءا وأعمق أثرا وذلك الذي يدخل به الفريق المباراة مقتنعا، ولو في اللاوعي، بأن خصمه أكبر منه. وهنا ربما خسر المغرب جزءا مهما من معركته ضد فرنسا، وسبب خروجه من المونديال.
المفارقة أن المنتخب الفرنسي الذي بدا أمام المغرب حصنا يصعب اختراقه، ظهر أمام إسبانيا منتخبا عاديا قابلا للضغط، ومنافسا يمكن عزله عن مناطقه المفضلة وإجباره على الأخطاء. لم يكن الفارق في جودة اللاعبين فقط، بل في الفكرة التي دخل بها كل منتخب إلى المباراة.
لعب المغرب باحترام كبير لفرنسا، وربما أكبر مما ينبغي. أما إسبانيا فلعبت ضد فرنسا، لا ضد اسم فرنسا، وبالتالي هذا فارق يصنعه الذهن قبل أن تصنعه الأقدام.
في مباراة بين المغرب وفرنسا، ظهرت لحظات بدا فيها “الديكة” قابلين للضغط والاختناق، لكن “الأسود” لم يجرؤوا على الهجوم، وفضلوا الانتظار على المبادرة. وحين تلعب أمام منتخب بهذه الجودة، فإن كل دقيقة تمنحه إياها تتحول إلى فرصة ضده.
في المقابل، قدمت إسبانيا درسا في كرة القدم الحديثة ضغطت عاليا، واستحوذت بشجاعة، ونقلت اللعب إلى نصف ملعب فرنسا، كأنها تقول إن أفضل دفاع هو حرمان الخصم من الكرة. لم تنتظر ما ستفعله فرنسا، بل فرضت عليها ما يجب أن تفعله.
لقد أصاب الناخب الوطني محمد وهبي جوهر المشكلة، حين تحدث عن غياب عدد كاف من اللاعبين الذين يمارسون في أعلى المستويات. هذه ليست ملاحظة عابرة، بل اعتراف بأن كرة القدم المغربية ما زالت تعاني فجوة بين طموح المنتخب ومستوى البيئة التي تنتج لاعبيه.
فالمنتخب لا يعيش في فراغ. هو انعكاس لمنظومة كاملة تبدأ من الأكاديميات، وتمر عبر بطولة وطنية قوية، وتنتهي بلاعبين اعتادوا اللعب أسبوعيا تحت أعلى درجات الضغط والإيقاع.
لا يمكن لبطولة محلية ضعيفة الإيقاع أن تنتج باستمرار لاعبين قادرين على التحكم في نسق مباريات من هذا الحجم. ولا يمكن بناء منتخب ينافس على كأس العالم بالاعتماد على استثناءات فردية فقط، مهما بلغت موهبتها.
وحين قال لامين يامال إن الضغط الحقيقي ليس لعب النهائي أو نصف النهائي، وإنما ما عاشته والدته التي أنجبته في السادسة عشرة، وما عاشه والده وهو يكافح لتوفير لقمة العيش، قدم تعريفا مختلفا للضغط. اللاعب الذي يفهم الحياة بهذه الطريقة لا يرهبه اسم الخصم، لأن معاييره في الخوف مختلفة.
والمنتخبات الكبيرة تتعامل مع الضغط بنفس العقلية ولا تحول المنافس إلى أسطورة، ولا تصنع له هالة قبل صافرة البداية. تنظر إليه كفريق يمكن هزيمته، ثم تذهب لإثبات ذلك على أرض الملعب، هذه ربما الخطوة التالية التي يحتاجها المنتخب المغربي.
لقد تجاوز عقدة المشاركة، وتجاوز عقدة الوصول إلى الأدوار المتقدمة، لكنه ما زال مطالبا بالتخلص من عقدة «الأسماء الكبيرة». فبين احترام المنافس والإيمان بإمكانية هزيمته مساحة هي التي تصنع الأبطال.
الخسارة أمام فرنسا ليست نهاية المشروع، بل تذكير بأن كرة القدم لا تكافئ دائما الفريق الأفضل على الورق، وإنما الفريق الذي يمتلك في «اليوم الموعود» الشجاعة الكافية ليلعب بشخصيته كاملة.





