
حسن البصري
في ذروة صخب كأس أمم إفريقيا، استيقظنا على خبر اعتقال مادورو، رئيس فنزويلا، من غرفة نومه رفقة زوجته، من طرف قوة أمنية أمريكية خاصة.
في تسعين دقيقة، وهو زمن مباراة في كرة القدم، سقط «نظام» فنزويلا، وتعطلت خطط الدفاع وكل أشكال المقاومة، وصمتت صواريخ الدفاع الجوي.
حين عاد الناس إلى «الفار» اكتشفوا أن المهاجمين الأمريكيين لم يكونوا في حالة تسلل، وأن الهدف لم يكن موضع شك.
كما يحصل في دورة «الكان»، ناقش محللو السياسة الهجوم من أطرافه، كشفوا عن الاختلالات الحاصلة في الدفاع، استغربوا لسهولة بلوغ الهدف ولبطء الظهيرين وغياب الحارس، وانخراط البدلاء في نوم عميق.
بلغة معلقي الفضائيات الرياضية: «هجوم خاطف، سيطرة ميدانية وهدف أنطولوجي».
ذكرتني غارة كاراكاس، بغارة عشت تفاصيلها حين كنت ضمن بعثة من الاختصاصيين الاجتماعيين في مدينة طرابلس الليبية.
في منتصف شهر أبريل 1986، بلغ الخلاف بين معمر القذافي ورونالد ريغان حد التراشق بالخطب والتصريحات.
أيقنت أمريكا أن للقذافي يدا في الإرهاب الدولي، وأيقن الزعيم الليبي أن ريغان دركي الكون، فتبادلا الوعد والوعيد.
كنا نقطن في حي الهضبة الخضراء في سكن وظيفي للضمان الاجتماعي، وكنا نتابع أخبار الصراع الليبي الأمريكي عبر إعلام «الجماهيرية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى»، المحشو ببهارات من الكتاب الأخضر.
كانت ملامح الغارة بادية على شوارع طرابلس، حيث انتشرت الحواجز الأمنية، ورابطت سيارات الإسعاف في كل مكان، بينما كانت خطب العقيد تفعل مفعولها في وجدان الليبيين كمنشط يجعلهم يؤمنون بقدرتهم على هزم أمريكا، ولو من غرفة قيادة في خيمة.
قبل الغارة بساعات قليلة، زارنا زملاؤنا المغاربة، انصب حديثنا حول عملية «إلدورادو كانيون» التي توعد بها الرئيس الأمريكي.
قال ريغان إن الهجوم على ليبيا سينطلق في منتصف الليل، تناولنا وجبة العشاء وشرعنا في خوض «طرح لكارطة»، وفي أحاديثنا عتاب للرئيس الأمريكي الذي لم يف بوعده، بعد أن تعانقت عقارب الساعة عند منتصف الليل ولم نتعرض للغارة.
قال صديقنا الحسناوي:
«هاد ريغان ما عندو كلمة».
سخرنا من ساعة الرئيس الأمريكي وقلنا ربما بها عطل، بعد أن تجاوزنا منتصف الليل بأزيد من ساعة ونصف الساعة.
في منتصف الليل حسب توقيت غرينيتش، وليس توقيت طرابلس، انهالت على المدينة أكوام من الصواريخ، هرع الناس إلى خارج مساكنهم بنفس السرعة ونفس الرعب والارتباك.
في ساحة بجانب مستشفى الهضبة الخضراء، كنا نحن معشر الهاربين من الغارة نتمدد على بطوننا وننصت لتعليمات الحماية المدنية الليبية، التي لا تملك سوى نصيحة يتيمة: «تمددوا وانفخوا أوداجكم»، وبين الفينة والأخرى تصفنا بالأشاوس.
أطفئت أنوار طرابلس وغادر الناس مساكنهم تحت جنح الظلام، إلى الحدائق ومواقف السيارات، بينما فضل كثير من الليبيين مغادرة المدينة المستهدفة، هربا من القنابل التي كانت تتساقط غير بعيد عنا، بعد أن اختارت باب العزيزية، حيث مسكن القذافي، هدفا لها.
تركنا شقتنا وركضنا بعيدا عن التجمع السكني، بينما كانت القذائف تنهال على المدينة كحبات البرد، فيما تواصل الحماية المدنية تعليماتها:
«رجاء انبطحوا لا تشعلوا السجائر».
قضينا الليلة في غابة صغيرة غير بعيد عن مسكننا، وفي اليوم الموالي نقل التلفزيون الليبي مشاهد الغارة، وتبين أن القذافي لازال حيا يرزق.
لن أصدع رؤوسكم ورأسي بأسئلة أين الأمم المتحدة ومجلس الأمن والقانون الدولي والحلفاء؟ أين الرادارات؟
بعد أسبوع عادت المياه إلى صنابيرها، وحين طرد الليبيون كوابيسهم قرروا الاحتفال بالانتصار على أمريكا، وأصبح الرابع عشر من أبريل عيدا للنصر.
حين ضاقت الأحوال بالقذافي عرضت عليه فنزويلا لجوءا إنسانيا، فرفض القرب من أمريكا.





