حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

شوف تشوف

ما تولف عادة ما تقطع عادة

هذه السنة خرج تلامذة العلوم بكالوريا، وخاصة مسلكي العلوم الفيزيائية وعلوم الحياة والأرض، غاضبين وساخطين بسبب اختبار الرياضيات الذي «طاح مشنشط هاد العام»، ومن الطبيعي أن ينقسم الرأي العام إلى معسكرين، معسكر يقوده بعض مفتشي وأساتذة الرياضيات يرون بأن اختبارات هذه السنة فيها «الرياضيات د بالصح»، لكونها تستهدف قياس مستوى الذكاء الرياضي عند التلاميذ، ومعسكر آخر فيه أيضا بعض المنتسبين لتدريس المادة يعترفون هم أيضا بوجود تغيير في أسلوب وضع هذا الاختبار غير أنهم متحفظون على توقيت اعتماد هذا التغيير، خصوصا أن الظرف الاستثنائي الذي مرت فيه امتحانات هذه السنة، يفترض إعطاء الأولوية للسلامة الصحية وأيضا محاربة الظواهر التي يمكن أن تمس بمصداقية هذه الشهادة.
فكلا المعسكرين يتفقان، إذن، أن اختبارات هذه السنة تضمنت تغييرا، لكن يختلفون في تقييم هذا التغيير.
فمنذ 2003 جرت عادة واضعي الامتحانات أن يتم توزيع «التشنشيط» بين الدروس التي يتم وضعها في الاختبارات، وهي دروس بعضها في متناول الجميع، وبعضها قد يتضمن تعقيدات لا يقدر على فكها والتعامل معها إلا الراسخون في الجبر والهندسة.
وهذه السنة، وبسبب توقف الدراسة حضوريا في 14 مارس، فإن الدروس الرئيسية المعنية بالامتحانات هي «المتتاليات العددية» و«الأعداد العقدية» و«الدوال»، أي أن التلاميذ معفيون من درسين آخرين مهمين جرت العادة أن يتم وضعهما هما أيضا إلى جانب هذه الدروس الثلاثة سابقة الذكر.
لذلك كان التلاميذ والأساتذة ينتظرون، ولنركز هنا على «ينتظرون»، أن يتم توزيع التعقيد على الدروس الثلاثة، بحيث يكون أحدها أكثر تعقيدا، وهو موجه للمتميزين، نزولا إلى الأسهل ويكون موجها لأصحاب المستويات الرياضية العادية. وإذا أضفنا إلى هذه ظروف الحجر الصحي والظروف التي تم فيها اجتياز امتحانات هذه السنة، فإن الجميع كان ينتظر على الأقل أن يكون اختبار الرياضيات على منوال اختبارات السنوات الماضية.
لكن الذي حدث هذه السنة هو أن أفق الانتظار هذا تم «خرقه»، حيث تم وضع تمارين «مشنشطة» في الدروس الثلاثة كلها.
لقد اعتاد التلاميذ أن تكون تمارين أحد هذه الدروس صعبة موجهة للمتميزين فقط، في حين أن الدرسين المتبقيين تكون في متناول كل من اشتغل كثيرا على امتحانات السنوات الماضية، لكونه سيجد أن التغيير الوحيد الحاصل سيقتصر فقط بتغيير رقم 9 مثلا برقم 3 لا أكثر، ليترسخ على مدى 17 سنة ما يمكن اعتباره مكسبًا، وهذا المكسب هو ما بين 12 و15 نقطة يمكن الحصول عليها فقط بحفظ تمارين تم وضعها طوال 17 سنة والتدرب على حلها، وهذا ما يصنعه أساتذة الدروس الخصوصية مع تلامذتهم عادة.
على أن الوصول لنقطة 20/20 محصور فقط للمتميزين. وبعض الأساتذة والمفتشين رسخوا هذه المنهجية على أنها قاعدة، وخصوصا في دروس الدعم المؤدى عنها، والتي استمرت «عن بعد» رغم إجراءات التباعد الاجتماعي. بل إن بعض الأساتذة رسخوا عند تلامذتهم أن امتحانات هذه السنة ستشبه امتحانات 2004، ولذلك سارع التلاميذ إلى حفظ التمارين التي وضعت وحفظوها وذهبوا صبيحة الامتحانات مطمئنين بأن اختبارات 2020 لن تكون إلا نسخا معدلة قليلا عن اختبارات تم وضعها سابقًا مع تغيير طفيف في الأرقام. لكن خابت آمال أغلبيتهم لأن واضعي الامتحانات ارتأوا أن تكون التمارين الموضوعة خاصة بالرياضيات وليس للمحفوظات.
ومن بين الدروس التي تسببت في هذا الكم الهائل من الاحتجاجات، نجد تمارين درس الدالة. فإذا عدنا إلى امتحانات 17 سنة الأخيرة سنجد أن واضعي الامتحان رسخوا عُرفا وهو أنه يتم توزيع صنفين من الدوال على الدورتين العادية والاستدراكية، بحيث يستطيع التلاميذ توقع نوع الدالة التي سيتم وضعها كل سنة، فإذا تم وضع تمارين الدالة اللوغاريتمية في الدورة العادية للباكلوريا فإنه «حتما» سيتم وضع الدالة الأسية في الاستدراكية، وفي السنة الموالية سيتم وضع الدوال الأسية على أن ترجع الدالة اللوغاريتمية الاستدراكية وهكذا دواليك، أي أن واضعي الامتحانات وضعوا كما قلنا «عرفا»، وهو اعتماد التناوب بين هذين النوعين من الدوال، و«الصادم» هذه السنة هو أن اختبار الرياضيات تضمن النوعين معا.
فإذا عدنا إلى الأطر المرجعية التي تعتمدها امتحانات الباكلوريا في مادة الرياضيات منذ 17 سنة، سنجد بصفة عامة أن 10 في المائة من التمارين والأسئلة تكون موجهة للمتميزين، و40 في المائة لاستظهار قواعد لا تحتاج ذكاء خارقًا بقدر ما تحتاج لذاكرة قوية، وهي متاحة للجميع. والبقية توضع على شكل تمارين تتغير فيها فقط المعطيات، ويكفي أن يشتغل التلميذ على الامتحانات السابقة ليحصل على نقطة جيدة، والذي حدث هذه السنة أنه تم خرق هذا العرف.
مع الإشارة هنا إلى أن المشكل نفسه حدث في شعبة الآداب مع مادة الاجتماعيات هذه السنة، إذ رسخ واضعو اختبارات هذه المادة عُرفا وهو أن السنة التي يوضع فيها كتابة نص مقالي في تخصص التاريخ ستليها السنة التي يتم فيها وضع نص مقالي في مادة الجغرافيا. وهذه السنة تم وضع الجغرافيا علما أنها وضعت السنة الماضية أيضا، مما جعل التلاميذ الذين يستعدون للامتحانات بعقلية «ربحة ولا ذبحة» يكتفون بكتابة أسمائهم والخروج دون كتابة سطر واحد.
الأمر شبيه بما حصل في أواخر التسعينات عندما جرت العادة بالحي الجامعي السويسي 2 أن يقدم وجبة غداء عبارة عن ربع دجاجة كل أربعاء، وأصبح العديد من الطلبة يتهافتون على هذه الوجبة خلافا لوجبات الأيام الأخرى. إلى أن حدث، لسبب من الأسباب، أن تم تقديم وجبة ديك رومي في أحد أيام الأربعاء بدل الوجبة المعتادة لتندلع الاحتجاجات. فالأمر يتعلق بالعادة والتكرار الذي هو أصل «القانون» كما يقول علماء الفيزياء. وهو ما لخصه المثل المغربي الذي يقول «ما تولف عادة ما تقطع عادة عليها تعادى».
فقد جرت العادة أن يتم وضع امتحانات الرياضيات على منوال معين، وأصبحت هذه العادة حقا راسخا. بل وأصبح بعض الأساتذة يتعاملون مع هذه العادة على أنها قانون مثلها مثل قانون الجاذبية، وبدل أن يعملوا على تنمية الذكاء الرياضي لدى التلاميذ أصبحوا يشجعونهم على الحفظ، حتى أن منهم من يعتقد يقينا أنه قادر على ضمان نقطة 14/20 لأي تلميذ مهما كان مستواه، لأنه يعلم علم اليقين أن الذاكرة وليس العقل الرياضي هي سبيل الحصول على معدل في هذه المادة. وهذه أكبر جريمة ترتكب في المغرب في حق مادة حيوية وأساسية للمستقبل كالرياضيات. فبدون الرياضيات لا يمكن الحديث عن البحث العلمي والتطور التكنولوجي، فالرياضيات هي أساس كل تقدم وكل نهضة.
إذن، هل خرق واضعو الامتحانات ما يسميه المتخصصون بـ«التعاقد البيداغوجي»، ووضعوا امتحانات خارج المتفق حوله بين التلاميذ والوزارة؟ الجواب هو لا لكون الدروس التي كانت موضوع الامتحانات سبق لها أن صدرت في ما يسمى بـ«الإطار المرجعي» لهذه السنة، وتوصل بها كل التلاميذ بدون استثناء عبر إيميلاتهم الخاصة قبل حوالي شهرين من موعد الامتحانات. لكن في المقابل هل تضمن اختبار هذه السنة تغييرات خرقت أعرافا ترسخت منذ 2003؟ الجواب طبعا هو نعم.
كلا السؤالين يحيلان في الحقيقة إلى مشكلات أكثر تعقيدا، وهي مشكلات يتحملها الجميع بدون استثناء، أي يتحمل مسؤوليتها الآباء الذين يفرضون على أبنائهم التوجه للشعب العلمية قسريا، ويتحمل مسؤوليتها المسؤولون الذين يتنافسون في رفع نسب التلاميذ المنتسبين للشعب العلمية والتقنية بأي ثمن، ويتحمل مسؤوليتها الموجهون الذين يقبلون أن يتم قبول رغبة تلميذ للتوجه إلى الشعب العلمية رغم أن نقطة الرياضيات عنده لا تتجاوز 5/20. ويتحمل مسؤوليتها واضعو الامتحانات والذين رسخوا أعرافا حولت الرياضيات إلى محفوظات. ويتحمل مسؤوليتها بعض أساتذة الساعات الإضافية الذين يستقطبون «الزبناء» بناء على «أعراف» السنوات الماضية وليس بناء على تطوير مهاراتهم الرياضية في التعامل مع الوضعيات.
نظام الامتحانات عندنا يحتاج لإصلاح حقيقي، وهذا بات في حكم البديهيات. والجميع يقر بأن النظام المعمول به حاليا فقد مبررات وجوده، وما حديث القانون الإطار عن إصلاح هذا النظام إلا دليل على أن التغيير حتمي إن أردنا فعلا إصلاح التعليم، ولكن هذا الإصلاح لن يكون إلا بإصلاحات موازية للمجالات الأخرى، كالمناهج والبرامج وكذا التوجيه المدرسي وطرق التدريس.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى