حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريررياضة

مجاهد..وفاة بطل إفريقيا الذي صنع التاريخ دون أن يطلب الأضواء

أحد صناع ملحمة 1976 يغادر إلى دار البقاء تزامنا مع تنظيم المغرب لـ«الكان»

لم يكن أحمد مجاهد لاعبا يبحث عن الأضواء، ولا اسما يتصدر العناوين الصاخبة، لكنه كان واحدا من أولئك الذين يُصنع بهم التاريخ في صمت. مدافع صلب، هادئ، من جيل آمن بأن قميص المنتخب الوطني مسؤولية، وبأن الانتصارات الكبرى لا تحتاج دائما إلى نجومية فردية، بقدر ما تحتاج إلى رجال يؤدون أدوارهم بإخلاص. برحيله، أول أمس السبت، يودع المغرب أحد أبطال ملحمته الكروية الخالدة، كأس أمم إفريقيا لكرة القدم 1976، بعد صراعه مع المرض.

 

النشأة الأولى.. كرة القدم من أحياء البساطة

 

وُلد مجاهد في زمن كانت فيه كرة القدم المغربية تُبنى من الأزقة والملاعب الترابية، حيث الشغف يسبق الإمكانيات. منذ خطواته الأولى، أظهر ميولا دفاعية واضحة، قوة في الالتحام، تمركزا ذكيا، وشخصية تميل إلى الانضباط أكثر من الاستعراض. تلك الصفات قادته مبكرا إلى أحضان نادي الوداد الرياضي، حيث نضج مجاهد كلاعب ورجل. لم يكن أسرع المدافعين، لكنه كان من أذكاهم. يقرأ اللعب قبل حدوثه، ويعوض أي نقص بدني بحسن التمركز ورباطة الجأش. في سبعينيات القرن الماضي، كان الوداد أحد أعمدة الكرة المغربية، ومجاهد جزءا من هذا البناء الصلب. حمل القميص الأحمر بتفان، وشارك في تحقيق نتائج وألقاب محلية، واضعا نفسه ضمن أفضل المدافعين في البطولة الوطنية.

 

طريق المنتخب.. من المحلي إلى القاري

 

استدعاء أحمد مجاهد إلى المنتخب المغربي لم يكن مفاجئا. في تلك المرحلة، كان المنتخب يعتمد بشكل كبير على لاعبي البطولة المحلية، وكانت المنافسة شرسة على كل مركز. وجد مجاهد نفسه وسط جيل استثنائي يضم أسماء ستصبح لاحقا أسطورية، وعلى رأسها القائد أحمد فرس. دوره لم يكن تسجيل الأهداف، أو خطف العناوين، بل حماية الخلف، وفرض التوازن، وبناء الثقة من الدفاع.

تبقى كأس أمم إفريقيا 1976 بإثيوبيا المحطة الأبرز في مسيرة أحمد مجاهد، بل في تاريخ الكرة المغربية بأكمله. بطولة بنظام فريد، دون مباراة نهائية، بل بدور نهائي مصغر جمع أربعة منتخبات. المغرب دخل المنافسة دون ضجيج، لكنه خرج بذهب القارة.

في تلك البطولة، لعب مجاهد دورا محوريا في الصلابة الدفاعية التي ميزت «أسود الأطلس». كان المنتخب الوطني يعرف كيف يسجل، لكنه – قبل ذلك- يعرف كيف لا يستقبل. الانضباط التكتيكي، التركيز العالي، واللعب الجماعي، كلها عناصر كان مجاهد أحد رموزها داخل المستطيل الأخضر.

 

 

بعد التتويج.. مجد بلا مقابل

بعد نهاية مشواره الكروي، اختار أحمد مجاهد الابتعاد عن الأضواء. لم يسعَ إلى مناصب، ولم يطرق أبواب الإعلام. عاش بهدوء، محتفظا بعلاقته بكرة القدم من موقع المتفرج المحب، لا الباحث عن الاعتراف. كان يؤمن أن ما قُدِّم داخل الملعب يكفي، وأن التاريخ وإن تأخر لا ينسى رجاله.

في شهادات متفرقة بعد الاعتزال، تحدث أحمد مجاهد عن تلك المجموعة بروح الوفاء. لم تكن الظروف مثالية، ولا الإمكانيات متوفرة، لكن الرغبة في تمثيل المغرب كانت أقوى من كل شيء. اللاعبون عاشوا البطولة كمعسكر وطني، بعيدا عن الحسابات الفردية. كان مجاهد من أكثر اللاعبين التزاما، صوتا هادئا في غرفة الملابس، وحضورا مطمئنا داخل الملعب.

رغم التتويج القاري التاريخي، لم ينل جيل 1976 ما يستحقه من تكريم واحتفاء. أحمد مجاهد عبر في أكثر من مناسبة عن أسفه، لأن هذا الإنجاز لم يُستثمر كما يجب، لا رياضيا ولا إنسانيا. عاد اللاعبون إلى أنديتهم، واستمرت الحياة، وكأن اللقب مجرد ذكرى. ومع ذلك، لم يحمل مجاهد أي مرارة، بل ظل فخورا بأنه كان جزءا من اللحظة الوحيدة التي اعتلى فيها المغرب عرش إفريقيا.

 

جنازة.. دموع المطر تنهال على جثمانه

 

في أجواء يخيم عليها الحزن والأسى، شُيعت بعد صلاة العصر أول أمس السبت، جنازة مجاهد، أحد أبطال ملحمة التتويج بكأس أمم إفريقيا لكرة القدم سنة 1976، وذلك من مسجد الرحمة بمدينة الدار البيضاء، بحضور أفراد أسرته وأقاربه وعدد من محبيه.

رحل مجاهد بصمت، كما عاش معظم مسيرته الكروية، تاركا خلفه ذكرى لاعب خدم قميص المنتخب الوطني بإخلاص، وكان جزءا من الجيل الذهبي الذي منح المغرب لقبه الإفريقي الوحيد، في إنجاز لا يزال محفورا في الذاكرة الجماعية للمغاربة.

وعبرت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ونادي الوداد الرياضي عن تعازيهما الحارة في وفاة أحمد مجاهد، مشيدين بمسيرته وبما قدمه للكرة الوطنية، في وقت أعاد فيه خبر رحيله إلى الأذهان قيمة ذلك الجيل الذي صنع المجد القاري للمغرب.

 

 

الرحيل.. وعودة الأسئلة القديمة

 

جاء خبر وفاة أحمد مجاهد ليعيد اسمه إلى الواجهة، ويوقظ ذاكرة جيل كامل. عادت صور 1976، وعادت الأسئلة المؤجلة: هل أنصفت الكرة أبطالها؟ هل حفظت ذاكرتهم الرياضية كما يجب؟ في بيانات النعي، حضرت كلمات التقدير، لكن ظل الشعور بأن الراحلين من ذلك الجيل يستحقون أكثر من مجرد وداع.

أحمد مجاهد لم يكن أسطورة جماهيرية، لكنه أسطورة وظيفة ودور. يمثل نموذج اللاعب الذي يُبنى به الفريق، وتُصان به البطولات. اسمه سيظل محفورا في سجل التتويج الإفريقي الوحيد للمغرب، وفي ذاكرة كل من يؤمن أن كرة القدم ليست فقط أهدافا، بل أيضا تضحيات صامتة.

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى