
من الطبيعي أنه في كل مرة تضرب الكوارث الطبيعية أو الأزمات الطارئة، يبرز على الهامش وجه مظلم يتمثل في ما بات يعرف بـ«تجار الأزمات». هم أولئك الذين لا يرون في مآسي المواطنين سوى فرصة سانحة من أجل خبطة العمر والاغتناء السريع، عبر استغلال ارتباك التموين، وندرة المواد الأساسية والاستغلال البشع لحالة الخوف وعدم اليقين التي تسود في مثل هذه الظروف الاستثنائية.
وخلال الأعاصير والفيضانات التي تشهدها مدن الشمال عامة والقصر الكبير والغرب بشكل خاص، تنبهت السلطات العمومية، من خلال خلايا اليقظة والتتبع، إلى خطورة هذه السلوكيات الانتهازية، فبادرت إلى اعتماد مقاربة استباقية تقوم على أساس المراقبة الصارمة للأسواق، وردع كل أشكال الاحتكار والمضاربة، مع تقديم المخالفين والمتورطين في التلاعب بالأسعار أو تخزين المواد الأساسية إلى القضاء، حماية للقدرة الشرائية للمواطنين وصونا لكرامتهم في هذه اللحظات العصيبة.
وقد شكلت التعليمات الملكية السامية، الرامية إلى توفير خدمات الإيواء والإطعام والنقل للمتضررين، سدا منيعا أمام لوبيات الاتجار في الأزمات، التي اعتادت استغلال الطلب الصاروخي لفرض زيادات غير مشروعة في الأسعار الخاصة بخدمات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها في الظروف العادية فكيف بظروف استثنائية تستدعي مجهودات جبارة لتجاوزها بأقل الخسائر الممكنة.
وهنا تظهر إيجابية تدخل مؤسسات الدولة بقوة وبحزم وفق السرعة والنجاعة المطلوبتين، وتكفلها بالحاجيات الأساسية للسكان المتضررين، وقطعها الطريق أمام كل محاولات الابتزاز الاقتصادي، حيث يتراجع منطق الجشع ويحل محله منطق احترام القانون والتضامن وروح المسؤولية.
ولم يقتصر تنزيل التعليمات الملكية السامية على الجوانب الاجتماعية والإنسانية فقط، بل شمل أيضا تأمين كافة الأحياء المهددة بالفيضانات التي تم إخلاؤها وفق أعلى درجات الصرامة، مع فرض حظر التجوال الليلي ومشاركة فرق من القوات المسلحة الملكية في عمليات الحراسة والتأمين، وهي إجراءات لقيت ارتياحا واسعا لدى السكان الذين تم ترحيلهم مؤقتا، بعدما اطمأنوا على سلامة ممتلكاتهم، وتأكدوا من جدية الدولة وصرامتها في الوقاية من الأخطار ومنع أي أعمال تخريب أو سرقة في المناطق المتضررة.
وضمنت الدولة، كذلك، استمرارية وسلاسة التموين بالمناطق المنكوبة، عبر تعبئة مختلف المتدخلين، وتأمين وصول المواد الغذائية والضروريات الأساسية دون انقطاع، ما حال دون تسجيل اختلالات كبيرة في الأسواق، وقطع الطريق أمام أي محاولة للمضاربة أو الرفع غير المبرر للأسعار، في رسالة واضحة مفادها أن الأزمات لا يمكن أن تكون مجالا للفوضى أو للاستغلال غير الأخلاقي.
وفي مقابل هذه السلوكات الانتهازية المعزولة، برز الوجه المشرق للمجتمع المغربي من خلال موجة التضامن الشعبي الواسع، التي عكست عمق تماسك الأمة وقوة الروابط الاجتماعية بين أبنائها. تضامن نابع من قيم راسخة ومتوارثة أباً عن جد، تؤكد أن المغاربة، في أوقات الشدة، يتحدون حول مبادئ التكافل والتآزر، في انسجام تام مع شعار المملكة الخالد الله – الوطن – الملك.
إن محاربة تجار الأزمات ليست لحظية وليست مسؤولية قانونية أو أمنية فقط، بل معركة أخلاقية وقيمية بامتياز، تتطلب استمرار اليقظة، وتفعيل المحاسبة واستثمار روح التضامن الشعبي في ترسيخ ثقافة المواطنة والمسؤولية، حتى تظل الأزمات امتحانا للإنسانية وتقديرا لقيمة القيم لا فرصة للمتاجرة في آلام الآخرين. وعند الشدائد تظهر معادن الرجال الأحرار في جميع المجالات.





