
بالعودة إلى مهمتي على رأس وفد الحجاج الصحراويين، أقر بأنني لم أكن أتوقع تقلدي هذه المهمة، خاصة في عام مبكر (1973)، إذ لم يتم إشعاري بهذا التعيين إلا قبل رحلة السفر إلى الديار المقدسة بحوالي 24 ساعة، بقرار من الملك الحسن الثاني رحمه الله.
أذكر أنني تلقيت دعوة استعجالية للالتحاق بالقصر الملكي، حيث استقبلني الداي ولد سيدي بابا، مدير الديوان الملكي، رحمه الله، وأشعرني بالبشرى التي تلقيتها بمشاعر متباينة بين الفرحة بالتكليف المولوي والقلق من السفر جوا.
كنت سعيدا بالمهمة التي ستمنحني فرصة أداء فريضة الحج أولا، وهي الأولى في حياتي، وفي الوقت نفسه كنت متوجسا من مضاعفات الرحلة الجوية الطويلة التي سأقطعها من المغرب إلى المملكة العربية السعودية، وأنا أستحضر معاناتي مع الرحلة الجوية على متن طائرة عسكرية، حين كنت في مهمة وظيفية بمدينة سيدي إفني يوم استرجاعها صيف 1969.
مرت الرحلة الجوية بين الرباط وجدة، على متن الطائرة، في ظروف جيدة، لم أشعر أبدا بطول المسافة الرابطة بين البلدين، وأنا في جوف الطائرة، التي ما أن حطت في مطار جدة الدولي حتى بدأ فصل جديد من المتاعب.
مباشرة بعد وصول البعثة إلى المطار، توجهت إلى أحد الأبناك في البهو، وأنا أسعى لاستخلاص مبالغ مالية من شيكين يحملان توقيع ملك البلاد الحسن الثاني.
المبلغ الإجمالي للشيكين محدد في أربعة ملايين درهم، وهو مبلغ مخصص من جلالته لتغطية نفقات إقامة بعثة الحجاج الصحراويين في الديار المقدسة، ومبلغ مالي رصد مساعدات لحوالي مائتي مغربي من المحتاجين للدعم والذين حكمت عليهم الأقدار بالعيش في المملكة السعودية بين جدة والمدينة.
كان الداي ولد سيدي بابا، مدير الديوان الملكي، هو من هيأ لائحة المستفيدين من هذه المساعدة الملكية، وهو من أشرف على تسليمي شيكين باسم ملك البلاد الحسن الثاني رحمه الله.
ما أن تسلمت المبالغ المالية بالعملة السعودية، حتى وضعتها في حقيبة خاصة، وركبت سيارة أجرة حملتني إلى أحد فنادق مدينة جدة، وأنا أتأبط الحقيبة وأفكر في كيفية توزيع المبالغ المالية في الجوانب المتعلقة بإقامة وتنقلات الوفد الصحراوي وفق ما اتفق عليه.
في برنامجي، قضاء ليلة في أحد فنادق مدينة جدة، على أن أشد الرحال، صباح اليوم الموالي، صوب المدينة المنورة، رفقة أفراد بعثة الحجاج الصحراويين، علما أن المسافة بين جدة والمدينة تتجاوز 400 كيلو متر.
ما أن دخلت غرفتي بالفندق حتى استلقيت على السرير من شدة التعب، لكن المفاجأة التي صدمتني هي وجود حقيبة واحدة في الغرفة تضم أغراضي الشخصية، بينما اختفت عن الأنظار الحقيبة التي وضعت فيها المبالغ المالية المتحصل عليها من البنك السعودي.
انتابني رعب كبير وبدون تفكير فتحت باب الغرفة وهرولت في اتجاه المصعد، لكنني لم أنتظر قدومه، فركضت بسرعة في اتجاه بهو الفندق دون أن أعرف وقع خطواتي، وأنا أطوي الدرج من الطابق السابع إلى البهو.
وأنا أتصبب عرقا، سألت موظف الاستقبال:
هل دخلت الفندق وأنا أحمل حقيبتين أم حقيبة واحدة؟
رد الموظف، بنبرة الواثق:
سيدي، لقد دخلت الفندق وأنت تحمل حقيبة واحدة.
ارتبكت من هول الجواب، وطلبت منه أن يدلني على محطة سيارات الأجرة، لعلني أعثر على السائق الذي أخذني إلى الفندق. فدلني على وجهتي..
حين وصلت إلى محطة سيارات الأجرة، صادفت السائق الذي أقلني من المطار إلى الفندق، حملت له السؤال نفسه، فأكد لي نزولي من سيارته وأنا أحمل حقيبتين.
يا إلهي! كان الرد صادما، غير أنني قررت أن أكمل بحثي عن الحقيبة التي تتوقف عليها الرحلة، توجهت إلى أقرب مخفر للشرطة من أجل التبليغ عن حقيبتي المفقودة. عند مدخل المركز لفت نظري شرطي وهو يحمل حقيبتي دون مبالاة.
وضعها رهن إشارة أحد المسؤولين، انفرجت أسارير نفسي وتنفست الصعداء، قبل أن أكشف له أنني صاحب الحقيبة، لم يبال كثيرا باستعجالي ولهفتي لاسترجاع ما ضاع مني.
سألني بهدوء عن محتويات الحقيبة وحين أخبرته بالمبلغ المالي الذي تحتويه، لم يبد أي رد فعل، واكتفى بفتحها وعد المبالغ المالية بالهدوء نفسه، لم يكلف ذاته عناء السؤال حول مصدرها، وحين تأكد من بياناتي وأقوالي أعادها إلي دون أن يدون محضرا أو يطلب مني توقيع استلام.
عدت بسرعة إلى الفندق، وعلى الفور عقدت اجتماعا مع الحجاج الصحراويين، ووزعت على كل فرد منهم مصروف الجيب، ولم أحتفظ سوى بمصروفي.





