
مكنتني المهمة التي قمت بها إلى سيدي إفني صيف 1969، خلال فترة استرجاع هذا الربع من الوطن، من التعرف أكثر على المناطق الصحراوية، وسبر أغوارها والاستئناس بأنماط عيش ساكنتها، بل إنني حرصت على الحضور الدائم في أغلب الأنشطة والأحداث التي تعرفها المناطق الصحراوية التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياتي المهنية والإنسانية أيضا.
في هذا الإطار، كلفني الملك الحسن الثاني، رحمه الله، عام 1973، بمهمة روحية حين منحني شرف رئاسة وفد الحجاج من ممثلي الأقاليم الصحراوية، كانت مسؤوليتي تنحصر في مرافقة ومواكبة وتأطير حجاج الصحراء.
عرفت البعثة الصحراوية تمثيلية واسعة للأقاليم الجنوبية، انطلاقا من إفني إلى الداخلة، مرورا بكلميم وأسا والزاك وطانطان وبوجدور والسمارة وبوجدور، وكان الوفد يتكون من مئات الحجاج المنتمين لمختلف القبائل الصحراوية، والذين يجمعهم حب الوطن والولاء للعرش عبر البيعة.
كانت مهمتي في الأراضي المقدسة فرصة للاقتراب أكثر من الصحراويين المرتبطين بوشائج العرش، والتقرب من تقاليدهم وطبائعهم.
أذكر أنني، خلال تواجدي رفقة بعثة الحجاج في المدينة المنورة، وأنا بالقرب من قبر الرسول الأعظم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، امتدت إلي يد فأمسكت بي، التفتّ لأكتشف أن صاحبها هو الشيخ العبادلة ماء العينين.
كشف لي الشيخ التقي والمحامي ورجل القانون النبيه عن ارتباطه المتين بالعرش العلوي المجيد، وأقسم لي، ويدي تمسك بيده بالقرب من قبر الرسول محمد صلوات الله عليه، أن وطنيته لا تقبل المساومة، وأن إخلاصه للعرش المكين لا يتسلل إليه الشك، مؤكدا على أهمية البيعة في الصحراء المغربية كعهد سياسي وروحى يربط بين قبائل الصحراء والعرش العلوي، عقد رسمي للولاء والطاعة، يعبر من خلاله شيوخ وأعيان القبائل عن تشبثهم بوحدة البلاد، واستمرار سيادة ملوك المغرب على هذه الأقاليم.
انضم إلينا كل أفراد البعثة، حيث انخرطنا جميعا في الدعاء للملك الحسن الثاني وللأسرة الملكية ولبلدنا وأهله، كي يحفظه من كل مكروه وكل من يريد به سوءا.
كانت لحظات وجدانية قوية جسدت حجم التلاحم الإنساني القائم بين مكونات الشعب المغربي، في مكان مقدس بالمدينة المنورة.
هذه شهادة للتاريخ لا بد أن أستحضرها في هذا السرد، إنصافا للصحراويين المخلصين الذين يسكنهم حب الوطن، ولا يترددون في التعبير عن ولائهم للعرش المكين، وحرصهم على التمسك ببيعة تعكس عمق الروابط التاريخية والروحية التي تجمع قبائل الصحراء المغربية بالعرش العلوي، وتؤكد على استمرارية هذه العلاقة الفريدة والمتفردة.
قبل أن استكمل سرد حكاية أول زيارة للديار المقدسة ضمن وفد الحجاج الصحراوي، لابد أن أتوقف عند حدث لازال يسكن ذاكرتي، حدث مكتوب بحروف من ذهب في دواخلي، ويتعلق الأمر بشرف وجودي ضمن الوفد الذي كان يضم أطرا مدنية وعسكرية، ورافق ولي العهد آنذاك، الأمير سيدي محمد، في زيارة رسمية هامة إلى المملكة العربية السعودية في الفترة من 11 إلى 18 مارس 1986، في إطار المهام الدبلوماسية الرسمية التي كان يكلفه بها والده الملك الحسن الثاني، رحمه الله، لتعزيز العلاقات الثنائية والروابط الأخوية بين المملكتين المغربية والسعودية.
في هذه الزيارة، التي لازالت تسكنني ذكرياتها، أستحضر، في هذا الحكي، مجموعة من الأحداث التي كنت شاهدا عليها، أبرزها:
القيام بعمرة والصلاة في الكعبة الشريفة.
الصلاة في المدينة المنورة بجوار قبر الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام.
زيارة أماكن تاريخية استراتيجية، في ينبوع البحر على شاطئ البحر الأحمر، حيث قطاع الصناعات البترو كيماوية.
زيارة ينبوع النخيل مهد الدولة العلوية، ومسقط رأس حسن الداخل، الصالح الناسك العالم، جد الأسرة المالكة بالمغرب، والذي استلهم منه سجلماسة بركة أهل البيت.
لم يكن ببلاد سجلماسة أحد من آل البيت الكريم، فأجمع رأي أكابرهم وأعيانهم أن يأتوا بمن يتبركون به من آل ذلك النسب الشريف، في شخص الحسن الداخل.
ظل هذا السفر، الذي منحني الله فرصة الاستمتاع بتفاصيله، حاضرا بقوة في وجداني، خاصة وأنني تشرفت بأن أعيش تفاصيله في حضرة ولي العهد آنذاك، ملك البلاد حاليا محمد السادس، حفظه الله ورعاه.





