
للمرة الرابعة يخصص مجلس النواب جلسات الأسئلة الشفوية الشهرية حول السياسة العامة الموجهة لرئيس الحكومة، لموضوع التربية والتعليم، خلال الولاية الحكومية الحالية، ما يؤكد أن المدرسة العمومية مازالت تعاني من أزمة بنيوية تؤثر سلبا على جودة التكوين واستمرار ظاهرة الهدر المدرسي، رغم الاعتمادات المالية الضخمة المخصصة لقطاع التعليم.
ولم تعد أزمة المدرسة العمومية في المغرب مجرد موضوع للنقاش التربوي أو السياسي، بل أصبحت أحد أكبر التحديات التي تواجه مستقبل البلاد. فبعد عقود من الإصلاحات المتتالية، والبرامج الاستعجالية والمخططات القطاعية التي استنزفت مليارات الدراهم، لا تزال مؤشرات جودة التعليم والتكوين تثير الكثير من القلق، فيما تستمر ظاهرة الهدر المدرسي في استنزاف الرأسمال البشري الوطني وحرمان آلاف الأطفال والشباب من حقهم في التعليم والارتقاء الاجتماعي.
ورغم المجهودات المالية الكبيرة التي رُصدت خلال السنوات الأخيرة، ما تزال مؤشرات عديدة تدعو إلى القلق. فظاهرة الهدر المدرسي، التي تمثل أحد أخطر مظاهر الأزمة، لم يتم القضاء عليها بعد، إذ تشير المعطيات الرسمية إلى أن عدد المنقطعين عن الدراسة يناهز حوالي 280 ألف تلميذ سنويا، ويظل الرقم صادماً لأنه يعني فقدان مئات الآلاف من الأطفال والشباب لمسارهم التعليمي كل سنة، ولينضم جزء كبير منهم إلى فئة الشباب غير المتمدرسين وغير المشتغلين وغير المستفيدين من أي تكوين، ما يهدد بتوسيع دائرة الهشاشة والإقصاء الاجتماعي.
ولا تقف تداعيات الأزمة عند حدود الانقطاع عن الدراسة، بل تمتد إلى جودة التعلمات نفسها. فالتلميذ، الذي ينجح في مواصلة مساره الدراسي، يجد نفسه، في كثير من الأحيان، أمام منظومة تعاني من الاكتظاظ ونقص الموارد البشرية، واختلالات البنية التحتية وتفاوتات مجالية صارخة بين المجالين الحضري والقروي.
وتنعكس هذه الاختلالات بشكل مباشر على مستوى التحصيل الدراسي وعلى قدرة المدرسة العمومية على أداء وظيفتها الأساسية المتمثلة في تكوين مواطن مؤهل وقادر على الاندماج في سوق الشغل ومواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم.
إن استمرار هذه الوضعية يطرح سؤال النجاعة الحقيقية للسياسات العمومية في قطاع التعليم، ويؤكد أن معالجة أزمة المدرسة العمومية لا يمكن أن تختزل في بناء الحجرات أو تغيير المناهج فقط، بل تقتضي رؤية شمولية تجعل من جودة التعلمات، وتأهيل الموارد البشرية، وتحقيق الإنصاف المجالي ومحاربة الهدر المدرسي أولويات وطنية لا تقبل التأجيل.
لذلك لم يعد المطلوب الاكتفاء بإصلاحات جزئية أو حلول ظرفية، بل إطلاق مراجعة شاملة تعيد الاعتبار للمدرسة العمومية باعتبارها قاطرة للتنمية ومشتلاً للكفاءات.
فالرهان اليوم لا يتعلق فقط بإنقاذ المدرسة العمومية، بل بإنقاذ مستقبل أجيال كاملة. ذلك أن الدول لا تُقاس بعدد الإصلاحات التي تعلنها، بل بقدرتها على بناء مدرسة عمومية قوية وعادلة ومنصفة، قادرة على إنتاج المعرفة وصناعة الكفاءات وترسيخ قيم المواطنة. وكل تأخر في كسب هذا الرهان لن تكون كلفته تربوية فقط، بل اقتصادية واجتماعية وتنموية أيضا.





