
كانت الساعة تقارب الثانية صباحا عندما دخلت غرفتي، منهكا تماما، بسبب تداعيات احتجاز واستنطاق في مطار بغداد الدولي.. فكنت مضطرا لأقضي بقية الليل ونصف اليوم التالي في الفندق غارقا في نوم عميق.
بعد صلاة الظهر، جاءت سيارة لتحملني إلى مقر وزارة الداخلية، حيث كان من المقرر أن ألتقي بالوزير، واسمه سعدون شاكر. استغرقت المقابلة حوالي أربعين دقيقة، شرحت خلالها أسباب زيارتي للعراق واستندت إلى توصيات مجلس وزراء الداخلية العرب والعلاقات التاريخية بين العراق والمغرب.
بعد أن استمع باهتمام إلى شروحاتي وفهم الهدف من زيارتي، أكد لي وزير الداخلية استعداد الأجهزة العراقية التام لتقديم المساعدة والخبرة لنظرائهم المغاربة، وأظهر استعدادا للتعاون معنا.
في نهاية المقابلة، وبينما كنت على وشك مغادرة مكتبه، دعاني وزير الداخلية إلى تناول وجبة الغداء معه، فحاولت الاعتذار بسبب صيامي، لكن دون جدوى. اقتادوني إلى غرفة كبيرة تقع خلف مكتب الوزير، فوجدت نفسي أمام مائدة مزدحمة ومختنقة بأطباق شهية. لذلك لم يكن أمامي خيار سوى المشاركة في «الوليمة»، التي جعلتني أعيد ترتيب أجندة شهر الغفران، مستندا في قرارة نفسي على وضعيتي مسافرا وحالة الإرهاق التي جثمت على جسدي وذهني، وهي عوامل تصنف في خانة الظروف القاهرة التي تسمح لي بالإفطار دون مخالفة الأحكام الدينية، على اعتبار أن الإفطار في السفر مرخص مع أفضلية الصوم طبعا.
حين لاحظ ارتباكي وأنا أقف على جنبات المأدبة، أوضح لي مضيفي أنهم لا يصومون ليظلوا متيقظين ومستعدين للعمل في حالة الحرب المفروضة على بلادهم من قِبل «العدو الإيراني»، مقدما بعض الأدلة على كون المجهود الحربي يبيح الإفطار.
تظاهرت بفهم هذا التبرير، مع أنه كان من المعروف أن الصيام اختياري في هذه البلاد، سواء في الحرب أو في غيرها، لكني صرفت النظر عن النقاش في هذا الموضوع.
في اليوم الثالث من إقامتي في بغداد، كان علي الذهاب إلى مقر «المخابرات العراقية»، وهي أجهزة الاستخبارات والأمن الخاصة المرعبة والمنتشرة في جميع أنحاء البلاد. نقلت إلى هناك في وقت متأخر من الصباح، تحت حراسة مشددة، عبر طريق شديد الالتواء، كأنني مختطف، ما جعلني أفقد بوصلة اتجاهي وأفقد أيضا تذكر أي نقطة مرجعية لموقع أجهزة الاستخبارات أو الطرق المؤدية إليه.
في نهاية رحلة أشبه بالمتاهة، عبر شرايين المدينة، وجدت نفسي أمام جدران وحواجز ضخمة، تخفي مجموعة من المباني تشكل مركز «المخابرات». كانت المنطقة المحيطة مليئة بأجهزة كشف وتصوير متطورة. وبالمثل، كانت السيارات المدرعة والمدافع المضادة للطائرات، الموجهة نحو الجهات الأربع الرئيسية ونحو السماء، بمثابة دروع للكشف والحماية، لا يمكن عبورها دون تصريح. بالإضافة إلى هذا النظام الصارم، كان على الزوار إبراز وثائقهم للدخول إلى مقر المخابرات. يجب أن أؤكد أنني لاحظت وجود الأسلحة الدفاعية والردعية نفسها مثبتة على البوابات الضخمة التي صادفتها في زيارتي للسلفادور، مع اختلاف في الجغرافيا والتاريخ.
وجدت نفسي أمام الإجراءات الأمنية ذاتها، باستثناء غياب المدافع المضادة للطائرات والأسلحة الثقيلة، خلال زياراتي لسجون ولاية كولورادو في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2011. هناك أيضا، ورغم كوني ضيفا رسميا لوزارة الخارجية الأمريكية، لم أستطع الإفلات من الإجراءات الأمنية الصارمة. وبصفتي المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، كنت قبلت دعوة من السلطات الأمريكية، ورافقني نائبي القاضي الفخري الراحل مصطفى حلمي. خضعنا معا للإجراءات الإلزامية من تفتيش جسدي قبل دخول السجون، سيما تلك المصنفة سجونا شديدة الحراسة. (سأغلق هذا القوس).





