حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

 من الأدب الرقمي إلى الذكاء الاصطناعي

 إعداد وتقديم: سعيد الباز

 

شهدت الساحة الأدبية والثقافية عموما حديثا متواصلا عن ظاهرة الأدب الرقمي القائم على توظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الحديثة في إنتاج وتوزيع الأعمال الأدبية عبر وسائطها الرقمية المختلفة. هذه الظاهرة المهيمنة والمعبرة عن اكتساح كلي للثقافة الرقمية التي تفرض علينا واقعا جديدا لا مناص من التعامل معه. وصار من المؤكّد، كما يعتبر ذلك الكثير من المهتمين بالشأن الثقافي والأدبي، أننا بصدد ثورة رقمية ولسنا أمام موجة عابرة أو موضة زائلة بل هي ثورة حقيقية كغيرها من الثورات الثقافية السابقة.

انخرط الكثير من الكتاب في عوالم الأدب الرقمي، ما أفرز لنا إنتاجا أدبيا لا يستهان به وانتقالا في الممارسة الأدبية والإبداعية، حيث أصبح الرقمي دعامة أساسية وجزءا من العملية الأدبية.. لكن سلسلة التطور لم تتوقف عند هذا الحد، بل أفضت بنا إلى إبدال آخر يتمثل في توظيف الذكاء الاصطناعي في العملية الإبداعية من خلال ظهور روايات وقصص وقصائد، أصبح فيها الكاتب مجرد وسيط أو دعامة، فيما الذكاء الاصطناعي هو المنتج الأصلي النص الأدبي ومؤلفه الحقيقي. الأمر الذي يطرح عدّة أسئلة مرتبطة بما هو معرفي وأخلاقي وقانوني، إضافة إلى تحديات بالغة الخطورة ومخاوف أكيدة.

 

زهور كرام: الأدب الرقمي.. أسئلة ثقافية وتأملات مفاهيمية

 

تقدّم الكاتبة المغربية زهور كرام موضوع كتابها والسياق الذي يندرج فيه «الأدب الرقمي، أسئلة ثقافية وتأملات مفاهيمية» بقولها: «يدخل كتاب الأدب الرقمي في إطار محاولات التحسيس بهذا التجلي الأدبي الجديد الذي يتمّ في علاقة تفاعلية مع التكنولوجيا. إنّه وقفة تأملية بلغة النقد في طبيعة النص الأدبي الذي يشهد تحولات عميقة في نظام ترتيب مكوناته، وفي منطق اشتغاله، وفي انفتاحه على عناصر جديدة تفعل في زمن تكونه الداخلي مثل الصورة واللون والموسيقى ولغة البرامج المعلوماتية. إنّ الاقتراب من الأدب في وضعه الرقمي، هو اقتراب من المتغير في الحالة التي تصبح عليها الممارسة الإبداعية، عندما تعتمد دعامة الرقمي، يعني انتقال سياقي وبنيوي وأسلوبي ولغوي ومعرفي في الظاهرة الأدبية، وهو انتقال أيضا في شكل الرؤية إلى الذات والعالم.

كيف نقرأ الأدب في وضعه الجديد؟ هل يتغيّر مفهوم النص الأدبي، والمؤلف، والكاتب والقارئ؟ كيف يجدد النقد خطابه ومفاهيمه وأدواته الإجرائية وهو يقرأ النص الأدبي الرقمي؟ هل يعبر النص الأدبي الرقمي العربي عن خصوصية التجربة؟ تلك بعض الأسئلة التي حاولنا التفكير في هذا الكتاب باعتماد محورين أساسيين: محور قضايا وإشكالات ومفاهيم الأدب الرقمي في الطروحات الأجنبية، وهو محور حاولنا من خلاله وضع الأدب الرقمي في سياق أسئلة نظرية الأدب، ثم رهانات الخطاب النقدي الذي يجدد بدوره أسئلته ومعجمه ورؤيته للنص الأدبي، مع انخراطه في التجارب الجديدة التي تعرفها الظاهرة الأدبية، ثم محور تطبيقي قمنا فيه بتحليل بعض أعمال الكاتب الأردني محمد سناجلة: شات وصقيع، من أجل إنتاج معرفة نقدية بمفاهيم الأدب الرقمي من داخل النص العربي». من النقاط المثارة والتي يسعى الكتاب إلى معالجتها يمكن ذكرها على الشكل التالي:

-إنّ موضوع الأدب الرقمي هو موضوع يأتي في سياق تكنولوجي، يخصّب مساحة الحرية أمام الأفراد. وهي حرية يمكن التعامل معها بوعي كبير. من أجل استثمارها وتحويلها إلى قدرة إبداعية في ممارسة الحوار.

-إن الانخراط في الأدب الرقمي هو مطلب حضاري بامتياز، وليس نزوة أو موضة عابرة أو شيئا من هذا القبيل. والمسألة محسومة معرفيا وثقافيا وأنثروبولوجيا، فبالعودة إلى مختلف الأشكال التعبيرية القديمة والحديثة، سنلاحظ أنها وحدها التي عبّرت عن قدرتها على احتضان معنى وجود الإنسان في كل مرحلة تاريخية. فالشعوب تترك معنى وجودها وكينونتها من شكل حكيها. وكلما اختلفت وسائل التعبير، وتعددت وتنوعت، كلما وجد الإنسان أشكالا كثيرة لترميز حياته وتصوراته وإدراكاته.

-إن حالة التردد التي تتسم بها عملية التعامل والتواصل مع الأدب الرقمي، من قبل مجموعة من الكتاب والنقاد هي حالة تعبر عن وضعية الثقافة التكنولوجية في الممارسة العربية، وأيضا في الانشغال الذهني والفكري.

-إنّ تراكم النصوص الرقمية في التربة العربية يعد مدخلا عمليا لتفتيت حالة التردد، كما يساهم في إدخال القارئ العربي إلى هذا العالم العجيب والمدهش والغريب والجديد.

-تقبّل النص الرقمي التخييلي مشروط بخلق مادة نصية تخييلية، تكون مؤهلة كميا وكيفيا لإثارة انتباه القارئ، وتحفيزه على التواصل مع هذا التخييل الرقمي.

-إنّ مفاهيم الأدب الرقمي ما تزال ملتبسة وغامضة من حيث الاشتغال، ليس فقط في التجربة العربية، وإنما أيضا في التجربة الغربية وذلك لكون تجربة الأدب الرقمي حديثة العهد. ولهذا لا ننتظر ثباتا في التحديد المفهومي، لأن ذلك يحتاج من جهة إلى تراكم النصوص، ومن جهة ثانية إلى نشاط حركة النقد. وعليه، فإن تعدد تسميات المفهوم كما يحدث مع التفاعلي والمترابط والرقمي، هو تعدد يترجم حالة النص التخييلي الرقمي. ومن ثمة، فالضرورة النقدية تقترح الانخراط في تجربة التحليل الأدبي الرقمي، من أجل خلق حركية اشتغال المفهوم.

-بناء على طريقة تأملنا في تجربة الأدب في علاقاته بالتكنولوجيا، فإنّ الأدب الرقمي هو مفهوم عام تنضوي تحته كل التعبيرات الأدبية التي يتم إنتاجها رقميا، والمترابط مفهوم يعيّن الحالة الأجناسية لهذا الأدب، أما التفاعلي فهو إجراء رقمي عبره تتحقق رقمنة النص. لكنها تأويلات لدلالات مفاهيم قابلة للتحول مستجدات تجربة النصوص.

-مادام إنتاج النص التخييلي الرقمي يتمّ في سياق ثقافة علمية تكنولوجية تتطور بسرعة تفاجئ العقل البشري، فإنّ هذا الوضع يتطلب من الحكومات العربية بما فيها وزاراتها في التربية والتعليم ووزاراتها في الثقافة والتواصل ضرورة الانتباه إلى التربية على ثقافة التكنولوجيا، من أجل خلق جيل مؤهل لكي يبدع ثقافته وإبداعاته ورموزه بناء على ممارسته لثقافة التكنولوجيا وذلك حتى لا يبقى الفرد العربي مجرد مستهلك للمفاهيم –نظريا- وللتكنولوجيا كمتلقٍ دون أن يتحول إلى منتج.

-لن يستقيم الوعي بالأدب الرقمي إلا بانخراط المبدعين والنقاد والمثقفين في التجربة، كتابة وتأملا ونقدا وتفكيرا.

 

محمد سناجلة.. رواية الواقعية الرقمية

  

في كتابه «رواية الواقعية الرقمية»، يصوغ لنا الكاتب الأردني محمد سناجلة، الذي يعدّ واحدا من الرواد العرب في مجال الأدب الرقمي من خلال أعماله الروائية «شات» و«ظلال الواحد» و«صقيع»… مفهوما جديدا للرواية يتوافق مع العصر الرقمي وينخرط كليا في زمن جديد ألغى الكثير من المسافات، وخلق منظورا آخر للكتابة والإبداع: «لقد أوجدت ثورة المعلومات التي كان بيل غيتس رائدها زمنا جديدا ومختلفا وموازيا للزمن المعلوم وتمّ إعطاء هذا الزمن اسم الزمن السوبراني. وفي هذا الزمن تُلغي المسافة، فإذا كانت السرعة تساوي حاصل قسمة المسافة على الزمن كما في قانون نيوتن الثاني، فقد أصبحت السرعة عند رموز هذه الثورة تساوي الزمن فقط، حيث إنّ المسافة أصبحت نهاية تقترب من الصفر فإذا ألغيت المسافة فإن هذا يعني بدوره إلغاء الجغرافية. لقد ألغت الثورة المعلوماتية الجغرافية= المكان= المسافة. هذا واحد.

أمّا الثاني فإنّ إلغاء الجغرافيا يعني بالضرورة انتفاء الواقع، لأنّ الواقع أحداث تحدث ضمن الجغرافيا، وحيث إنّ لا جغرافيا فلا واقع.

أمّا الثالث فإنّ الزمن الآخر يعني بالضرورة وجود واقع آخر ذي أحداث تحدث في جغرافيا أخرى، ولقد أعطت الثورة هذا الواقع الآخر اسم الواقع الافتراضي Virtual reality… وفي هذا الواقع هناك أحداث تحدث وجغرافيا وزمان، لكن هذا سيعيدنا إلى الخيال الذي تحدث عنه آنشتاين؟ الإجابة نعم ولا. فما يحدث هو خيال بالتأكيد، لكنه خيال واقعي، مادي ملموس ومحسوس –خيال معرفي- فأنا حين أجلس ست أو سبع ساعات متصفحا شبكة الأنترنيت مثلا، فإنني أعيش في عالم آخر وواقع آخر، متخيل من جهة، ولكنه حقيقي ومحسوس من جهة أخرى…

يقول نصر حامد أبو زيد في شرحه لمفهوم الخيال عند ابن عربي: «إنّ الخيال عند ابن عربي خيالان: الخيال المتصل، والخيال المنفصل، فالخيال المتصل هو الخيال بالمعنى السيكولوجي باعتباره أداة إنسانية للإدراك والمعرفة، والخيال المنفصل هو الخيال الوجودي بجانبه الفيزيقي والميتافيزيقي».

وبتعبير العصر الرقمي فإن الخيال المتصل هو الواقع الحقيقي، والخيال المنفصل هو الواقع الافتراضي. يلتقي بيل غيتس وابن عربي في هذه النقطة لكنهما يختلفان في أسلوب التطبيق. يلتقيان من حيث أن العالم الواقعي والعالم الافتراضي يلتقيان وينفصلان في ذات اللحظة، أو أنهما يلدان بعضهما البعض وبتعبير ابن عربي «من الخيال المنفصل يكون الخيال المتصل». كذلك الحال مع الشخص الذي يجلس أمام الكمبيوتر لمدة خمس أو ست ساعات غارقا في عوالم الإنترنت، فهذا الشخص موجود في العالمين في ذات اللحظة، فهو «لا موجود ولا معدوم، ولا معلوم ولا مجهول، ولا منفي ولا مثبت». وربما كان الشخص الموجود في العالم الافتراضي أكثر حضورا وحقيقية من ذات الشخص الموجود في العالم الواقعي فـ«المتصل يذهب بذهاب المتخيل، والمنفصل حضرة ذاتية قابلة دائما للمعاني». وهذا القابل دائما للمعاني بحاجة إلى رواية أخرى جديدة ومختلفة لتعبر عنه وعن واقعه الجديد، وهذه الرواية هي رواية الواقعية الرقمية.

إنّ الكتابة مغامرة كما هي الحياة، والروائي مغامر تماما كما هو الإنسان، وكما يختلف البشر تختلف الكتابة، فالإنسان القانع الراضي بما ترميه إليه الحياة من فتات موائد الآخرين لن يكون مبدعا ولا خلّاقا، ذلك لأنّ الإبداع دخول في المجهول، في اللاواضح، واللامحدود، واللاثابت، ومن يحاول ان يبدع بأساليب وطرق سلكها الآخرون قبله ليس مبدعا وإنّما مقلدا.

إنّ الطرق القديمة عافتها الأقدام، والرواية بحاجة إلى طرق أخرى لم تسلكها قدم من قبل، طريق ضبابية وغير واضحة ولا محددة، ولن تتضح إلّا حين يجلس الرائي أمام رعبه الأزرق ليكتب ويبدع. إنّ الكتابة رعب لأنها دخول في اللامعروف، في الطرق المجهولة الوعرة، والرواية الموجودة بشكلها الحالي ملّتها الكتابة وملّها القراء والقلوب. إن الرواية بشكلها الحالي عداها الزمن، ذلك لأنّ الزمن لم يعد نفس الزمن، والجغرافيا لم تعد نفس الجغرافيا والناس لم يعودوا نفس الناس».

عبد الرحمن المحسني.. في أدب الذكاء الاصطناعي

 

ميّز الكاتب السعودي عبد الرحمن المحسني، المهتم بالقضايا المرتبطة بالأدب الرقمي وعلاقاته بالذكاء الاصطناعي، في كتابه (في أدب الذكاء الاصطناعي، الرؤية والنص)، بين الأدب التفاعلى الرقمي وأدب الذكاء الاصطناعي الرقمي مبرزا الفرق بينهما وأهم الاختلافات: «يحسن بنا أن نفرّق أيضا بين (الأدب التفاعلي الرقمي) الذي تكون فيه الآلة داعما للإنسان في إنتاج النص الأدبي، وبين (أدب الذكاء الاصطناعي الرقمي) الذي تكون فيه الآلة وحدها منتجا للنص، إذ في الأدب التفاعلي الرقمي يكون الإنسان هو منتج النص ابتداء والتقنية داعم له في بناء النص وتأثيره على المتلقي من خلال الصورة والصوت والإضاءة والحركة… الخ، وأمّا في أدب الذكاء الاصطناعي فشبه العكس تماما، فالإنسان داعم والآلة منتجة للنص الأدبي، فالنص لا يُنسب للإنسان، بل يُنسب للآلة المنتجة، وحتّى لو أسهم الإنسان بدعمها وتغذيتها بالنصوص، فإنّ النص واقعا يُنسب إليها. إنّ من المهم، في رأيي أن نضع حدا فاصلا بين نص الإنسان والآلة، وأطرح هذا الافتراض والانفصال بين الأدب الرقمي الإنساني وأدب الذكاء الاصطناعي الآلي في وقت لم يعد نص الروبوت من نسج خيال نتوقع حضوره، بل أصبح حاضرا يستحق النظر».

يتناول الكاتب بعدها بدايات أدب الذكاء الاصطناعي على مستوى الشعر: «بدأت محاولات إنتاج نصوص شعرية بالحاسوب بالتزامن في ألمانيا وفرنسا وأمريكا بدءا من منتصف القرن العشرين تقريبا. وكانت تجارب أولى في الكتابة أو في محاولات تجريب الكتابة الشعرية التي يكتبها الجهاز. ونشير في هذا الصدد إلى تجربة مهمة لـ«ريمون كينو» فيما سمّاه (الأدب الاحتمالي)، الذي مثّل الانعتاق من التقاليد اللغوية، وفتح باب اللغة على اللهو واللعب. وقد طبّق كينو نظريات «الأوليبو» Oulipo التي انتظمت لاحقا في كتابه «مئة ألف مليار قصيدة» (1961) قائلا في مقدمته: «يستطيع كل شخص أن يؤلف على هواه مئة ألف مليار سوناتا، وكلّها سوناتات منتظمة»… سنتجاوز جدلية الشعر التوليدي بين من يقتنع به أو يرفض شعر الآلة، بحسبها أصبحت واقعا لا مناص من تناوله وخاصة بعد سهولة توليد نصوص الآلة عن طريق chatgpt، وينضاف إلى ذلك أنّ مؤسسات كبرى وجامعات تعمل على إنتاج نصوص شعرية وتمارس اللعب باللغة لتجريب خيارات شعرية جديدة. مؤكدين على ضرورة حفظ حق الآلة في تملك نصها أو تملك المؤسسة القائمة على التجربة لتجربتها كما ننسب شعر كلّ إنسان إلى صاحبه: فتغذية الجهاز بالنصوص أو بكلمات اللغة من قبل الإنسان لا يمنع، في نظري، حق الجهاز والمؤسسة القائمة على إنتاج النص في تملكه. إذ إنّ ذلك يتقارب مع ما يفعله الإنسان الصانع للشعر من اعتماده على الخزينة الثقافية الإنسانية لإنتاج النص، فالنصوص الصافية ليست موجودة في نص الإنسان أصلا كما فتحت جوليا كرستيفا ذلك في مفهوم التفاعل النصي ( (Intertextuality في حركة النقد الحديث. فكل نص هو أمشاج من نصوص أخرى، وتكوين النص الأدبي عند الإنسان يُبنى على المدخلات النصية من الغير وعلى الموهبة المكتسبة، فالشاعر يكتسب النسبة الأكبر من موهبته من خلال تغذية الآخرين لتجربته، إمّا من أسرته وإمّا من قراءاته…».

أخيرا يستخلص الكاتب: «أنّ أدب الذكاء الاصطناعي يختصر مسافات كبيرة من الوعي الثقافي والعلمي والتجريبي الذي مرّ بالمؤلف الإنسان، فإنّ الغاية هنا ليس تقديم نصوص تنافس نصوص الإنسان، ولا تسعى الدراسة إلى عقد تلك الموازنة بين النصين. فلا يمكن لنا أن نقارن نص الآلة بمستوى الأدبية والشعرية عند الإنسان التي تمارس التجريب لقرون، بل الغاية لفت انتباه المتلقي والمجتمع إلى هذا المشارك النصي، وإلى ضرورة توجه المؤسسات إليه، لمزيد من تقييم تجربته وتفعيل حضورها وسنّ القوانين الواعية للتعامل معها».

 

عبد النبي كوارة يترجم جلال الدين الرومي «شاعر الحرية والعدالة والمحبة»

 

 

تحت عنوان «شاعر الحرية والعدالة والمحبة مولانا جلال الدين الرومي»، أصدر عبد النبي كوارة ترجمة لكتاب الدكتور إرغين إرغول.

الكتاب خصصه صاحبه لحياة وعمل وفكر جلال الدين الرومي، الذي يُعتبر أحد أعظم المتصوفين في التاريخ الإسلامي، وحسب المؤلف هناك حاجة إلى إعادة اكتشاف أعماله، وتشجيع الباحثين من جميع التخصصات على تناولها، وتفسيرها وتنظيمها من أجل تسليط الضوء على المشكلات العالمية الراهنة.

ويضيف الكاتب أن مؤلفه «نتيجة لمقاربة شخصية مستوحاة من تجربتي كرجل قانون وموظف حكومي سام أدهشته الأفكار التي دعا إليها هذا المرشد العظيم للبشرية في شؤون السلام والعدالة».

ورغم كون جلال الدين الرومي، يضيف المؤلف، متصوفًا عاش في القرن الثالث عشر إلا أن تعاليمه المتعلقة بالحرية والمساواة، والتسامح والعدالة، تتماشى مع المبادئ الأساسية التي تُركّز عليها شرعة حقوق الإنسان اليوم، إذ يدافع عن مبادئ العدالة الاجتماعية من خلال التأكيد على ضرورة تطبيقها.

من جهته، يقول عبد النبي كوارة في غلاف الكتاب إن «الفرد الذي أدرك كيف يطور معرفة حميمة بجلال الدين الرومي يحرر نفسه من كل محدودية، ويتخلص من الوهم الخادع لعبوديته، وكذلك يختبر باطنية لا نهائية تفتح له آفاقا مختلفة تماما».

 

محمد شكري في مناهج جامعة ييل

أسامة إسبر*

بعد إدراجها أعمال الكاتب المغربي محمد شكري الروائية والقصصية في مناهجها الدراسية بشكل رسمي، تكون جامعة ييل قد اخترقت حدود النظرة الاستشراقية الضيّقة التي دفعت مفكراً مثل إدوارد سعيد إلى اعتبار الأدب العربي أدباً محظوراً في الولايات المتحدة. جاء ذلك في مقالته الشهيرة «الأدب المحظور» التي نشرها في مجلة «نيشن»، وتحدّث فيها عن الحصار الذي يعانيه الأدب العربي على صعيد النشر والتغطية الإعلامية، حيث كانت تسود لدى دور النشر والمجلات والمؤسسات الأمريكية نظرة موروثة من الاستشراق التقليدي، شبَّهها المترجم روجر آلن بنظرة سريعة إلى منظر طبيعي من الطائرة أثناء العبور فوقه.

يُعدّ الروائي المغربي محمد شكري علماً بارزاً في المشهد الأدبي العربي، إذ حقّقت رواياته شهرة كبيرة لتمرّدها على المحظور والمحرّم في التجربة الروائية العربية، وانطلاقها نحو الواقع الحي، حيث خلط شكري طحين السرد بخميرة وماء الواقع، فعجن بذلك رغيف النصّ.

ينطلق شكري من المادة الخام إلى الفكرة، ومن مآسي الواقع إلى الكلمة، ما حرّره من رؤية الواقع عبر عدسات الأيديولوجيات والأفكار المسبقة التي تفرض عليه حجاباً. لقد صوّر الواقع عارياً، ومنعه من أن يتستّر حتى حين حاول ذلك. استكشفه من خلال شخصياته المهمَّشة التي لطالما صودرت هويتها وتحدّث الآخرون باسمها. غير أن شكري، من خلال تحريره للغة المهمّش والمكبوت وتناوله مواضيع محرّمة، ضخّ نسغاً جديداً في جذع الرواية العربية، وابتكر لغة سردية وسّعت من أفقها التعبيري.

بدأت جامعة ييل تدريس روايات شكري عام 2019، لكن الأمر اتخذ طابعاً أكثر اكتمالاً في مطلع عام 2025، إذ أصبحت أعماله جزءاً أساسياً من المنهج الجامعي. وقد مهّد لذلك مؤتمر ضخم نظمته الجامعة عن محمد شكري، تولّى تنظيمه المترجمان المعروفان روجر آلن وجوناس البستي، واستُضيف فيه عدد من الباحثين والأكاديميين الأمريكيين المختصين بأدبه.

نُشرت وقائع المؤتمر في كتاب بعنوان «قراءة في الأعمال الروائية والقصصية لمحمد شكري: جوع في الفردوس»، حرّره البستي وآلن، وصدر باللغة الإنكليزية عن دار «روتليدج» عام 2024.

ضمّ الكتاب مساهمات أكاديميين من عدّة جامعات أمريكية، منهم: قصي العتابي، وحنان بنودي، وإيان كامبل، وأنور التونسي، وتوريا خنوس، وناتالي غزال ومبارك شريفي. وقد صرّح المشرفون على المنهج الدراسي في الجامعة بأن شكري يُعدّ شخصية محورية في الرواية المغربية في القرن العشرين، واستشهدوا بكلام المسرحي الأمريكي تينيسي ويليامز عن سيرته الذاتية «الخبز الحافي»، التي وصفها بأنها «وثيقة حقيقية لليأس البشري، مُحطِّمة في تأثيرها».

رف الكتب :«ما الذي تركته المشاعر للسياسة؟» كتاب جديد لحسن طارق

 

 

صدر للكاتب حسن طارق كتاب تحت عنوان «ما الذي تركته المشاعر للسياسة؟ مقالة في القبائل الحزينة». وطرح المؤلف الجديد للباحث في العلوم السياسية، الذي عين أخيرا وسيطا للمملكة، بالدورة الثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط.

يبادر صاحب الكتاب، الصادر عن منشورات «باب الحكمة»، لإقحام قارئه في قلب انشغالات «منعطف المشاعر»، وهو التحول الذي عرفته العلوم الاجتماعية منذ ثمانينات القرن العشرين، معترفا بالمشاعر كمتغير حاسم لفهم السياسة، التخصص الأكاديمي للكاتب والسفير السابق للمملكة بالجمهورية التونسية.

يقول تقديم الكتاب، من قبل الأكاديمي عبد الحي مودن، إن هذه المبادرة لا تخلو من جرأة شجاعة من طرف صاحبها، فمنعطف المشاعر يبدو غريبا في حقل العلوم السياسية في جامعاتنا التي لا تزال تنبذه بالرغم من أن هناك اعترافا ما فتئ يتقوى على الصعيد العالمي بأن فصل المشاعر عن التحليل السياسي لا يخلو من تعسف نظري.

ويرى مودن أن مقاربة المشاعر، رغم جدتها النسبية كموضوع يحظى بالمشروعية العلمية من طرف مؤسسات دراسة السياسة، تتطلب التفاعل مع كم كبير من الكتابات صدرت خارج المغرب، جلها بلغات غير العربية، وتوظيف هذه الكتابات يشترط بالتالي معرفة الباحث بلغات أجنبية واستعداده لتجاوز التقوقع في حدود المراجع المتداولة في حقل العلوم السياسية، واجتهاده في اكتشاف تخصصات جديدة والاستئناس بثمراتها.

ويضيف الباحث الأكاديمي أن كتاب حسن طارق يقنع قارئه بأنه تحمل هذه المهام المضنية، وأنه بذلك يغني المكتبة المغربية بنص متميز بسبقه واجتهاده في تقديم خلاصات تركيبية موفقة لما توفر له من كتابات رائدة في دراسة المشاعر، بعضها يصنف كنصوص مؤسِّسة لهذا المنعطف الذي أصبح يعد من بين المنعطفات الأكاديمية الأكثر بروزا في حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية على غرار المنعطف الثقافي، والمنعطف اللساني والمنعطف التأويلي، وهي جميعها تحولات تتطلب أن ينتبه إليها البحث الجامعي في جامعاتنا لما توفره من آفاق للاكتشاف والتجدد والابتكار.

قصة قصيرة وهكذا اختفت الكلبة مادي في بنجرير*

 

المعطي قبال

 

وهو في طريقه إلى مراكش لقضاء عطلة قد تدوم أسبوعا أو أسبوعين، ترك جان-كلود الاوتوستراد وعرج على الطريق الثانوية المؤدية إلى بنجرير التي نصحه بعض الأصدقاء بالتوقف فيها لتناول مشويات لا مثيل للذتها ومذاقها. كانت كلبته، في اسم «مادي»، تمرح وتحرك ذيلها وهي واقفة على الأريكة الخلفية للسيارة. ورث الكلبة بعد طلاقه من نيكول التي لم ترب شغفا كبيرا تجاهها، إما حسدا وإما لأن ميولها إلى الحيوانات لم يكن متطورا. لذا لم تتشاجر مع جان-كلود لما أعرب عن رغبته في الاحتفاظ ب «مادي»، وهي من الحالات النادرة التي لم يلجأ فيها الطليقان للأيدي والضرب والصراخ قبل الوصول إلى المحاكم بسبب كلب أو كلبة أو بسبب قطط. أوقف جان كلود السيارة أمام محل للشواية في اسم «البدر»، وهوعبارة عن مقهى يحاذيه كزار ويقوم أيضا مقام شواية. نزل وفتح الباب الخلفي لتقفز منه «مادي». لفحه قيظ حار ذكره بالحر الذي كاد يخنق أنفاسه بين المكسيك وأمريكا حين «انخربت» سيارته في وسط الطريق ولم يجد أية مساعدة من طرف السائقين وبالأخص سائقو الشاحنات الذين كانوا يتجاوزونه من دون توقف. ذكرى أليمة وخز ذاكرته بين الفينة والأخرى. أعاد هذا القيظ إلى ذاكرته تلك التجربة الحارقة. فضفضت مادي جسدها لتحريك الدورة الدموية. وصلت إلى خشمها رائحة «التشنشيط» ولم تكف عن تحريك ذيلها. اتجهت الأنظار صوب جان كلود ولم يجرؤ أحد على دعوته لتناول لحيمات، إما كفتة، أو فويلات أو كبيدة…

بعد أن هش أحد الكزارة بواسطة شاشة الدبان الذي كان يحوم من حول اللحم، اتجه إلى زملائه قائلا: «هاد النصراني ما تايكلش اللحم الحلال!». جلس جان-كلود على مقعد بلاستيكي انطبعت عليه أمارات دسمة قد تكون أمارات زيت أو شحمة. نادى على النادل لتنظيف الكراسي والطاولة من التراب الذي يميل لونه إلى اللون الأصفر، ويبدو أنه رذاذ فوسفاتي أو آثار عجاج هب من صخور الرحامنة. كان النادل يرتدي بدلة بيضاء جد متسخة وعلى رأسه طاقية حمراء وبفمه سيجارة ارتخى منها عقد السجارة. جلست مادي على كرسي معادي لكرسي جان-كلود. على مبعدة منهما وقفت كوكبة من الكلاب كانت عيونها «تاتحنزز» في الكلبة ولا أحد يعلم ما كان يجول في ذهنها. واضح أن هذه الكلاب سليلة اختلاط لقيط. قد «يبلغ» الكلب جنسيا ولا يتردد في «امتطاء» والدته من دون محرمات. ركز جان-كلود نزره على هذا الصنف من الكلاب التي تربت في الضواحي على الهجوم والتهراش. تابع بالأخص تحركات كلب من فصيلة الدوبرمان الذي بإمكانه أن ينقض بسهولة على خصوم محتملين أو واقعيين. فيما تربت مادي على سلوك الثقة في الآخرين، سواء كانوا بشرا أو حيوانات. بعد تناوله لقهوة حركت أمعاءه، اتجه جان كلود إلى دكان التبغ لاقتناء علبة سجائر. فك العلبة، أخرج منها سيجارة أشعلها بولاعة رسمت عليها صورة مادي. شرب منها نفسا أحدث لديه دوخة خفيفة. ثم خطرت بباله فكرة أن السجائر هنا، مثلها مثل القهوة والنبيذ توافق أجسام وسيكولوجية أهل البلد، وتتكيف معها. على أي فالمغاربة يتكيفون مع المالبورو، مع ويسكي دجين المغشوش، مع خمر بولبادر، نيسبريسو والقهوة المصنوعة من القمح ! كل شي تايدوز وخاصنا غير الصحة والسلامة !

لما عاد جان كلود إلى المقهى، انتبه أن مادي اختفت ولا ترد على نداءاته التي أثارت انتباه زبناء المقهى والكزارة. لاحظ أحدهم: «مسكين، تايقلب على كلبتو…». رد عليه آخر: «ها لكلاب هنا غير منشورة تاتلهت، يتخير ويعمر الطوموبيل !». رد عليه آخر: «واسيدي ولاو تايبعو لكلاب للسياح والله أعلم». بعد أن طاف جان-كلود على أصحاب الدكاكين وزبناء المقاهي والكزارة، نزل إلى الأزقة المجاورة على أمل العثور عليها رفقة مجموعة الكلاب التي كانت تلهث وتحدق فيها أمام المقهى. بين الفينة والأخرى يصادف كلبا إما أعرج، إما أعور وإما بجروح في الفخذ يلتصق به لفيف من الذباب. لم تسفر هذه الجولة عن نتيجة تذكر. الحل الأخير الذي بقي أمامه هو التوجه إلى مركز الشرطة لرفع تحقيق بالاختفاء المادي. ما أن طرق جان-كلود باب رئيس القسم حتى أخبر هذا الأخير شخص مفتول العضلات، يعلى شفته شارب كث قائلا: «ها مول الكلبة جا». طبعا وصلتهم أخبار الاختفاء على إثر مكالمة هاتفية من «شكام»، أخبرهم بتواجد فرنسي فقد كلبته. بعد التحية والسلام عرض جان-كلود القضية على مسامع الرئيس ومساعده العضلي. «ماهي حرفتك» سأله الرئيس. «أنا كاتب». توجه الرئيس لمساعده بالعربية: « كاليك تايحرر لمقالات!». ضحكا لهذه الملاحظة الدسمة. بفرنسية مهشمة طلب منه العضلي أوراق التعريف ووثائق السيارة. أخذ الرئيس مجددا الكلمة مشيرا إلى أن بنجري تحولت إلى وجهة سياحية بفضلها يتوقف السياح والساحات على وجه أخض لتربية بعض من هذه الكلال الضالة. رد عليه جان-كلود:

  • ما يهمني هي مادي
  • شكون هي مادي؟
  • كلبتي.

تدخل المساعد العضلي مغنيا: مادي يا مادي وزيدي لكلامي

  • ماذا قلت؟
  • لاشيء.. سأعد لك محضرا بالاتباع، اتباع الكلبة لمجموعة من الكلاب لا هوية لهم ولا اسم. هل تعتقد أننا نتوفر على الإمكانيات لتسمية هذا الكلب «هبيرة» وتلك الكلبة «فويلة»…وننظم لهم السبوع وعيد الميلاد لا أعتقد… يا فرحي ويا سعدي، بعد زبالة النصارى غادي تولي عندنا التريكة ديال كلاب النصارى…
  • خليني نسولك: واش الكلبة ديالك معقمة أم لا؟ أجابه جان كلود: لا أعتقد…
  • خاصنا دابا نفكرو في منح «مادي» الجنسية المغربية. رد جان-كلود بنبرة محملة باليأس: «يا إلهي سأصاب بالجنون في حالة ما إذا تاهت وأصبحت فريسة لهذه الكلاب».

أخرج جان-كلود هاتفه النقال وفتحه على صفحة الصور. بلمسات خفيفة بأصبعه مرر الصور إلى أن وصل إلى ألبوم «مادي» وهي تسبح في البحر، مادي في المطعم، في الغابة تنام على صدره. علق المساعد العضلي بعد رؤيته لهذه الصور: زوينة تبارك الله. عرف جان-كلود أن الكوميسير ومساعده يتهكمان عليه ومع ذلك ألقى بآخر ورقة قائلا:

  • مادام الحادث طريا، الحل الآن هو أن أتصل بالمصلحة القنصلية بمراكش لكي ترسل فريقا من رجال الدرك للبحث عن «مادي».
  • امك يا امك رد عليه الكوميسير.. ما تنقلبو حتى على بنادم عاد نقلبو على الكلاب! ثم أضاف متهكما: «وخا يحضر الكوميسير كولومبو لابن جرير لعثر عليها»!

 

 

*قصة قصيرة مستوحاة من المحكيات الصادرة أخيرا عن منشورات «ملتقى الطرق».

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى