حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

نزيف ملايير الاستقبالات

في وقت تتعالى فيه أصوات ترشيد النفقات العمومية وربط المسؤولية بالمحاسبة، تعيش جل المجالس الجماعية على وقع نزيف صامت يستنزف ميزانياتها تحت يافطة «الاستقبالات والاحتفالات»، حيث الملايير التي تُرصد سنويا لاقتناء تجهيزات التزيين، وتغطية مصاريف التغذية والحلويات، واقتناء المياه المعدنية والمكسرات، في مشهد يختلط فيه التبذير بالتدبير، وتغيب فيه الأولويات التنموية لصالح مظاهر شكلية لا أثر لها على حياة المواطنين.

ورغم أن بعض رؤساء الجماعات يبررون هذه النفقات بمقررات مصادق عليها، ويرفعون شعار «المجلس سيد نفسه»، إلا أن الواقع يكشف عن غابة من المصالح المتشابكة، حيث تتحول سندات الطلب إلى قنوات مريحة لصرف المال العام، في ظل تلاعبات دقيقة في الفواتير، وتركيز مقصود على مواد سريعة الاستهلاك يصعب التحقق من كمياتها وجودتها بعد انتهاء المناسبات، وهنا تكمن خطورة هذا الباب من الإنفاق، إذ يختفي الفساد في التفاصيل، ويتحصن خلف استحالة الإثبات المادي بعد الاستهلاك.

وصحيح أن مصالح التفتيش التابعة لوزارة الداخلية، إلى جانب قضاة المجالس الجهوية للحسابات، تقوم بافتحاص ملفات التسيير والصفقات العمومية، غير أن محدودية المراقبة اللاحقة تجعل الكثير من الاختلالات تمر دون رصد فعلي، خاصة في ما يتعلق بنفقات الإطعام والاستقبالات. لذلك، تظل المسؤولية الأكبر ملقاة على عاتق السلطات الإقليمية والمحلية، باعتبارها الأقرب إلى ملفات التسيير، والقادرة على تتبع صرف هذه الاعتمادات بشكل آني، وكشف الانحرافات بشكل استباقي.

ورغم دوريات وزارة الداخلية الداعية إلى التقشف وتقليص نفقات الامتيازات، تستمر بعض الأغلبيات في تمرير الميزانيات بمنطق عددي وتقني، دون نقاش حقيقي حول المردودية، ودون اعتبار للأصوات المعارضة. وهنا يبرز الخلل الجوهري في غياب التقييم الفعلي لأثر كل درهم يُصرف من المال العام، وكأن الأمر يتعلق بموارد بلا سقف أو مساءلة.

وفي السياق ذاته بدأت بعض الملفات المرتبطة بهذه النفقات تجد طريقها إلى رئاسة النيابة العامة ومحاكم جرائم الأموال، في خطوة تعكس تحركا مؤسساتيا إيجابيا نحو محاصرة مظاهر الفساد في ميزانيات المجالس، غير أن نجاح هذه الجهود يظل رهينا بتكامل الأدوار، وبجرأة المنتخبين النزهاء، والفاعلين الحقوقيين، وكل المتتبعين للشأن العام في كشف الاختلالات، بعيدا عن الحسابات الضيقة.

إن وقف نزيف «ملايير الاستقبالات» والتبذير في مصاريف ثانوية، أصبح ضرورة ملحة لحماية المال العام، وإعادة الاعتبار لمفهوم التدبير المسؤول، القائم على الأولويات الحقيقية للسكان، وليس على حفلات واستقبالات باذخة تستهلك فيها الموارد وتُنسى آثارها سريعا، وتمنح صفقاتها للمقربين وأصحاب المصالح المشتركة.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى