
رشيدة أحفوض – محامية بهيئة المحامين بالرباط
لابد من الإشارة إلى أن وزارة الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي ووزارة الداخلية، أصدرتا لائحة تتضمن الأنشطة التجارية والخدماتية التي ستظل مشتغلة خلال فترة الطوارئ، نظرا لأهميتها.
ـ تنفيذا للمرسوم رقم 2.20.293 يتعلق بإعلان حالة الطوارئ الصحية في سائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا المستجد «كوفيد ـ 19»، ويؤهل المرسوم للسلطات العمومية لائحة التدابير اللازمة من أجل عدم مغادرة الأشخاص لمقر سكناهم إلا في حالة الضرورة القصوى، الذي يجري به عليهم عادة عند انتشار مرض معدي، كمحاولة للسيطرة على الحالات المرضية.
تلك اللائحة ما زالت صالحة إلى اليوم، مع تمديد حالة الطوارئ الصحية، وبالتالي فإن جميع المؤسسات المشتغلة محددة بقرار إداري بناء على معطيات مرتبطة بحاجيات السوق الوطنية، وتظل الوحدات المشتغلة ملزمة باحترام شروط الصحة والسلامة واتخاذ الاحتياطات اللازمة للحفاظ على سلامة الأجراء. وهذا يفرض علينا مجموعة من التساؤلات، خصوصا حول مسؤولية المؤاجر عن مرض كورونا المستجد «كوفيد ـ 19» بخصوص الأجير الذي ما زال يشتغل وأصيب بهذا المرض، هل مسؤولية المشغل قائمة؟ هل بإمكانه إبعاد هذه المسؤولية والدفع بكونه لا يتحمل تبعات تعرض الأجير لهذا المرض؟ وأكثر من ذلك قد يدفع المشغل بأنه اتخذ جميع الاحتياطات بمقر العمل، وأن هذا المرض لا يدخل ضمن الأمراض المهنية، بل إن الأمر يتعلق بمرض عادي أو بقوة قاهرة؟
وقد تدفع شركة التأمين المؤمنة للمشغل وهي التي تحل محل المؤمن المؤاجر المؤمن له في أداء الإيراد المحكوم به لفائدة الأجير المصاب أو ذوي حقوقه في حالة الوفاة، بأن مرض كورونا المستجد «كوفيد ـ 19» يعتبر سببا أجنبيا عن العقد، لأنه أمر خارج عن إرادة المتعاقدين بسبب قوة قاهرة يستحيل معها تنفيذ الالتزام، لأنه ليس بمقدور المتعاقدين دفع هذا السبب، خلافا لنظرية الظروف الطارئة، في الحالات التي يكون فيها تنفيذ الالتزام مرهقا لأحد الأطراف أو كليهما، ويكون الجزاء هو رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول وتوزيع الخسارة على الطرفين.
نظم المشرع المغربي القوة القاهرة في الفصلين 268 و269 من قانون الالتزامات والعقود بالنسبة إلى المسؤولية العقدية، إذ عرف المشرع المغربي القوة القاهرة «هي كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه»، ويكون من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا.
لذا فشروط القوة القاهرة هي:
1 ـ أن يكون الحادث غير ممكن توقعه.
2 ـ استحالة دفع الضرر الناشئ عن القوة القاهرة.
3 ـ ألا يكون للطرفين دخل في إثارة القوة.
هذا كله يدفعنا إلى التساؤل عن مسؤولية المشغل عن الأمراض المهنية؟
لنصل إلى الجواب هل مرض كورونا هو فعلا مرض مهني أم مرض عادي؟
إن مسؤولية المؤاجر عن المرض المهني تبقى عبارة عن نظام قانوني جد متميز، إذ إن المرض المهني هو ذلك المرض الذي يصيب الأجير من جراء عمله، نتيجة للأوضاع التي ينجز فيها الأجير عمله أو محيط العمل، وقد يصاب الأجير بمرض كورونا داخل محيط العمل.
لحل الإشكالية المطروحة والجواب عنها تبين لي أنه سيكون هناك اتجاهان:
ـ الاتجاه الأول: مرض كورونا المستجد «كوفيد-19» هو مرض عادي
إن الأمراض المهنية مذكورة ضمن لوائح، لكن هل من الضروري أن يكون مرض كورونا مذكورا ضمن اللائحة التي ينبغي أن يصدرها قرار السيد وزير الشغل؟ هل جداول الأمراض المهنية الملحقة بالظهير الشريف 31 ماي 1943 جاءت على سبيل الحصر، أم على سبيل المثال؟ وأكثر من ذلك قد يدفع المشغل كون الأجير لم يصب بمرض «كوفيد ـ 19» بمحيط العمل وإنما خارجه، كيف يمكن للأجير إثبات الطابع المهني للمرض؟ ومادام هذا المرض غير مذكور في أي لائحة من لوائح الأمراض المهنية، كيف يمكن إثبات إسناد المرض لظروف العمل؟ هل يكفي الإدلاء بشهادات طبية؟ أكيد سيدفع الأجير المصاب بمرض كورونا أو ذوو حقوقه في حالة الوفاة كون مسؤولية المشغل هي قائمة على أساس مجرد وجود ضرر، علاقة سببية بين هذا الضرر والشغل الذي يقوم به المصاب.
إذا كان المرض المهني هو ذلك المرض الذي أصيب العامل به نتيجة للتأثير الضار لبعض العوامل التي لا تنفصل عن بنية العمل، وقد أقر التشريع المغربي المرض المهني في لوائح مضبوطة بقرار يصدره السيد وزير الشغل، يتضمن الأعمال والأشغال التي تكون سببا في ظهور المرض المهني، وتتميز هذه اللوائح بأنها تعتبر الربط بين العمل والمرض، والمشرع المغربي وضع لكل مرض مهني مهلة كافية لاندلاعه تدعى مدة المسؤولية، من التاريخ الذي يهيئ فيه الأجير عملا في الأشغال التي تعرض إلى الإصابة بالمرض، إذ تختلف مدة المسؤولية باختلاف الأمراض المهنية قد تكون ثلاثة أيام وقد تصل إلى خمس عشرة سنة، وإذا لم يكن مرض الأجير مصنفا ضمن لائحة الأمراض المهنية، حسب قرار السيد وزير التشغيل والشؤون الاجتماعية رقم 14-160 الصادر في 19 ربيع الأول 1435 هجرية الموافق لـ 21 يناير 2014، بتغيير تتميم قرار السيد وزير التنمية الاجتماعية والتضامن والتشغيل والتكوين المهني رقم 99- 919 الصادر في 14 رمضان 1420 (23 دجنبر 1999)، المتعلق بتطبيق الظهير الشريف الصادر في 26 جمادى الأولى 1362 (31 ماي 1943)، الممتد بموجبه إلى الأمراض المهنية مقتضيات القوانين التشريعية المتعلقة بالتعويض عن حوادث الشغل كما وقع تتميمه، فإن هذا الأجير أو ذوي حقوقه في حالة الوفاة لا يمكنه المطالبة بالتعويضات المستحقة له عن المرض باعتباره مرضا مهنيا، وفق قانون 12-18 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل، حسب المادة 11 منه، والذي يسري أيضا على الأمراض المهنية (انظر كذلك قرار محكمة النقض عدد 414 وتاريخ 1 مارس 2012 ملف اجتماعي عدد 5-5-2-2011) وهذا ما سار عليه الاجتهاد القضائي المغربي في عدة قرارات، منها قرار المجلس الأعلى بتاريخ 28 أبريل 1964 منشور بمجموعة قرارات المجلس الأعلى الغرفة المدنية ح 2 صفحة 178، قائمة الأمر الذي يصبح معه لزاما على المصاب إن هو أراد الحصول على تعويض أن يرجع على مشغله وفق القواعد العامة للمسؤولية، مع الإشارة إلى أن هناك العديد من الأمراض لم يتم الاعتراف بها بالتشريع المغربي.





