
حسن البصري
ما خصوصيات «ريحة الدوار» على المستوى الإعلامي؟
لا أركز على الجانب الأكاديمي في البحث عن المعلومة، لأن طابع البرنامج فكاهي أولا وعلماء الاجتماع القروي والأنثروبولوجيا لهم مجالهم. لهذا أسعى للكشف عن المواقف البدوية الحاضرة في حياة القروي بأسلوب خام لا تصنع فيه ولا صباغة، أي أن يكون الشخص البدوي على سليقته. هذه الميزة مكنتني من ضمان مكانة ضمن الكبار في المشهد الإذاعي، فاقترن اسمي بـ«ريحة الدوار» وتخلص من خانة الثنائي. لكن، صدقني، الإذاعة غيرت مساري وكانت منعطفا جديدا جعلني أجعل من التنشيط رداء للسخرية.
ما الفرق بين ميكروفون التنشيط وميكروفون الإذاعة؟
قبل أن أدخل تجربة التنشيط الإذاعي وإعداد وتقديم برنامج «ريحة الدوار»، كان الميكروفون يبدو لي أمرا بسيطا، علما أن له سحره وله مخاطره أيضا. فهامش الحرية مقيد بضوابط الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، وبقوانين الصحافة والنشر وبأخلاقيات المهنة، عكس ما يحصل في تنشيط المهرجانات والمواسم الصيفية حيث هامش الحرية أكبر ومجال السخرية متاح ومباح. قبل أن أدخل الإذاعة كنت أتساءل في قرارة نفسي: لماذا ظلت الكفاءات حبيسة في الظل؟ لم أعلم السر إلا حينما تعاملت مع الميكروفون واكتشفت أن له سحرا خاصا ومخاطر أيضا.
ظل برنامج «ريحة الدوار» يبث على الأثير لمدة أربع عشرة سنة، ألا تشعر بأنه استنفد العمر الافتراضي إعلاميا؟
صدقني، شخصيا لم أكن أتوقع استمرار بث هذا البرنامج لأربع عشرة سنة، ولعل استمرار بثه كل هذه المدة، وربما لمدة أطول، خير دليل على الوفاء وعلى الارتباط بين المادة الإذاعية والمتلقي، وكما يقول المحللون الرياضيون «لا نغير فريقا فائزا». أنا أيضا لا أريد أن أغير هذا البرنامج وإن أخضعته لبعض التعديلات، خاصة على مستوى الفقرات وأيضا إدخال الجانب المرئي في البرنامج حتى يساير جمهور مواقع التواصل الاجتماعي، ويقرب عالم البادية والدوار من الناس.
هل يعتبر تقليص المجال الجغرافي للبرنامج غلطة؟
الأمر ليس غلطة ولكنه يعود لمسألة فرضها التنوع الثقافي للمغرب، نحن نركز في تحركاتنا على رصد نبض الدواوير والقبائل المتواجدة بين حوض الاستماع الإذاعي ما بين العرائش والصويرة. أنا لا أعتبر الأمر تقصيرا في حق قبائل أخرى في شمال وشرق وجنوب المغرب، وأنا مقتنع أيضا بأن البادية المغربية ليست هي الشاوية ودكالة والشياظمة فقط، لكنني لا أريد إقحام نفسي في أمور لا أجيدها، بمعنى أنني ملم بتفاصيل القبائل التي دأبت على نقل نبضها. صحيح أنني أتلقى بين الفينة والأخرى تساؤلات حول غياب مناطق وقبائل في مغربنا الكبير، غير أن ردي يكون صادقا «أنا كندير الحاجة لي كنعرف»، بمعنى أنني لا أريد أن أقحم نفسي في تجارب غير مضمونة وأنا أصلا غير ملم بها، فليعذرني سكان البوادي التي لم يدخلها ميكروفون «ريحة الدوار».
التصقت بك شخصية «لعروبي»، ألا تمثل إحراجا لك؟
أن تلتصق بي شخصية «لعروبي» أو ألتصق بها هذا أمر يشرفني، فأنا إنسان متصالح مع نفسي، لا أسيء لهذه الشخصية التي لا يمكن لأي منا نكران دورها ولا تسيء لي هذه الشخصية. غير أن من يتابع سيرتي الفنية سيلاحظ أنني لا أركز على هذا «البيرسوناج» إلا في برنامجي الإذاعي الذي يبث على «إم إف إم»، بينما أتقمص شخصيات أخرى في أعمال فنية، من قبيل المسلسلات والأفلام. ومرة أخرى أجدد التأكيد على أنه يشرفني أن تلتصق بي شخصية البدوي لأنني إنسان متصالح مع نفسي ولا أهتم بما يقوله بعض الأشخاص الذين لا يعجبهم العجب..
استنطاق البدوي واستخراج الجانب الفكاهي فيه يتوقف على تقلبات الحياة في البادية المغربية، أليس كذلك؟
البساطة في السخرية والضحك وجبة يومية للبدوي، لكن من الصعب جدا النجاح في رهان الكشف عن الجانب الفكاهي في حياة البدوي، خاصة وأن ناس الدواوير يضعون مسافة بينهم وبين الإعلام، إلا أنه، مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، بدأ يطل علينا البدوي باحتشام قبل أن يصبح بعضهم نجوما. صحيح أن اللهجة تختلف من منطقة لأخرى مثل العادات التقاليد، وما رسخ في ذهني أن لهجة البادية مختلفة عن لهجة ساكنة الرباط أو الدار البيضاء أو طنجة ووجدة أو فاس. هناك ملاحظة أخرى تتعلق بحالة الاستهزاء والتنمر من اللهجة البدوية، لماذا؟ لا أعرف. هناك الكثير من الفنانين الذين تقمصوا الشخصية البدوية في الأعمال الدرامية أو الفكاهية، إلا أن غالبيتهم لم يخرجوا عن إطار الشخصية الساذجة أو التي تشتغل في مهن بسيطة، والحقيقة غير ذلك. هذا التنميط أثر حتى على فنانين ومثقفين أحتك بهم في مجال عملي. اليوم يجب القطع مع البرامج الفكاهية التي تجعل من لهجات البدويين وسيلة للتنمر. وإذا رجعنا إلى الوراء، سنجد أن الحلقة ورموز الحلقة المنتجة للفكاهة كانوا يركزون على شخصية البدوي في علاقته بالمدينة وناسها، ومن بين صناع هذه الفرجة أشخاص هاجروا من البادية إلى المدينة، ومنهم من ظل يسكن في القرى. لذا لا يمكن إلصاق كل ما هو سلبي بالبدوي، لأن معالم الحضارة دخلت القرى وأصبحنا نرى دواوير مرتبطة بـ«الويفي»، أي انتهاء زمن العزلة، علما أن البادية المغربية أنجبت ولا تزال العديد من المثقفين والعلماء وصناع الرأي والقرار.





