
النعمان اليعلاوي
ردت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة على النتائج التي أفرزتها دورة 2025 من البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ «PISA»، الصادر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، بعد تسجيل تراجع في أداء التلاميذ المغاربة في عدد من المجالات الأساسية، خصوصاً الرياضيات والقراءة والعلوم، مقارنة بنتائج الدورة السابقة.
وأكدت الوزارة أن قراءة هذه النتائج ينبغي أن تتم في سياقها الزمني والتربوي، مشددة على أن الأرقام المسجلة في دورة 2025 تعكس، بالأساس، حصيلة المنظومة التعليمية السابقة، ولا يمكن اعتبارها تقييماً للإصلاحات التي يتم تنزيلها حالياً في إطار خارطة الطريق 2022-2026، وعلى رأسها نموذج «مؤسسات الريادة».
وأوضحت الوزارة، في بلاغ لها، أن العينة الوطنية التي شاركت في اختبارات «PISA 2025» ضمت تلاميذ يبلغون من العمر 15 سنة، خضعوا لتقييمات في الرياضيات والعلوم والفهم القرائي والتعلم الرقمي. وأكدت أن أفراد هذه العينة تابعوا مسارهم الدراسي بشكل كامل في إطار النموذج التعليمي السابق، ولم يسبق لأي منهم الاستفادة من نموذج «مؤسسات الريادة»، سواء خلال مرحلة التعليم الابتدائي أو السلك الإعدادي.
وبناء على ذلك، اعتبرت الوزارة أن نتائج دورة 2025 تشكل تشخيصاً للحصيلة التراكمية للمنظومة التربوية السابقة، ولا يمكن، من الناحية المنهجية، إسقاطها على نتائج الإصلاح الحالي أو اعتبارها مؤشراً على مدى نجاح أو فشل خارطة الطريق 2022-2026.
وترى الوزارة أن تقييم الإصلاحات الجارية يحتاج إلى وقت كافٍ حتى تظهر آثارها على المسار الدراسي للأجيال التي استفادت منها بشكل فعلي، خصوصاً أن نموذج «مؤسسات الريادة» يستهدف إحداث تدخلات مبكرة لمعالجة التعثرات في الكفايات الأساسية. ولذلك، فإن قياس أثر هذا النموذج، وفق الوزارة، يقتضي انتظار التقييمات الدولية المقبلة التي ستشمل تلاميذ استفادوا من هذه المقاربة التربوية منذ السنوات الأولى من مسارهم الدراسي.
تعثرات مبكرة وراء ضعف المكتسبات
وفي تفسيرها للنتائج المسجلة لدى التلاميذ في سن الخامسة عشرة، أكدت الوزارة أن الصعوبات التي تكشفها الاختبارات الدولية لا يمكن اختزالها في المرحلة الإعدادية أو في السنوات الأخيرة من المسار الدراسي، وإنما ترتبط، في جزء كبير منها، بتعثرات تراكمت منذ السنوات الأولى للتعليم الابتدائي.
وأوضحت أن ضعف التحكم في الكفايات الأساسية، ولا سيما القراءة والرياضيات، يمكن أن ينتقل مع التلميذ من مستوى دراسي إلى آخر، بما يجعل معالجة التعثر في مرحلة متأخرة أكثر صعوبة وكلفة. ومن هذا المنطلق، تقول الوزارة إن الإصلاح الحالي ركز على التعليم الابتدائي باعتباره المرحلة التي يمكن فيها تشخيص الصعوبات والتدخل لمعالجتها قبل أن تتحول إلى عوائق مزمنة أمام التعلم.
وتضع الوزارة نموذج «مؤسسات الريادة» في قلب هذا التصور، باعتباره آلية تستهدف الرفع من مستوى التعلمات الأساسية وتحسين طرق التدريس، مع اعتماد مقاربات تسمح بتحديد مواطن التعثر لدى التلاميذ ومواكبتهم وفق حاجاتهم التعليمية.
وترى الوزارة أن نتائج «PISA 2025»، رغم ما حملته من مؤشرات مقلقة، تؤكد أهمية مواصلة هذا المسار الإصلاحي وتسريع وتيرة تعميم نموذج «مؤسسات الريادة»، بدل التراجع عنه، مع العمل في الوقت نفسه على تطوير مختلف مكونات المنظومة التعليمية.
تراجع في الرياضيات والقراءة والعلوم
وكان تقرير «PISA 2025» قد كشف عن تراجع في أداء المغرب مقارنة بالدورة السابقة، حيث انخفض المعدل الوطني في الرياضيات بـ10 نقاط، منتقلاً من 365 نقطة في دورة 2022 إلى 355 نقطة في دورة 2025.
وسجل مجال القراءة بدوره أكبر تراجع من حيث عدد النقاط، بعدما انتقل المعدل الوطني من 339 نقطة إلى 321 نقطة، أي بانخفاض قدره 18 نقطة. أما العلوم، فتراجع فيها المعدل من 365 نقطة في دورة 2022 إلى 358 نقطة في دورة 2025، بانخفاض بلغ سبع نقاط.
وتضع هذه الأرقام المنظومة التعليمية المغربية أمام تحديات كبيرة، خصوصاً أن المجالات الثلاثة التي يقيسها الاختبار ترتبط بشكل مباشر بالمهارات الأساسية التي يحتاجها التلميذ لمواصلة دراسته والاندماج في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن وزارة التربية الوطنية شددت على ضرورة وضع هذه النتائج في سياقها الدولي، مشيرة إلى أن التراجع لم يقتصر على المغرب، بل سجلت دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بدورها انخفاضاً في متوسط الأداء.
وحسب المعطيات التي أوردتها الوزارة، انخفض متوسط دول المنظمة بـ9 نقاط في الرياضيات، و15 نقطة في القراءة، وثلاث نقاط في العلوم. وترى الوزارة أن هذا المنحى الدولي العام يؤكد وجود عوامل أوسع أثرت في أداء التلاميذ، وإن كانت خصوصية كل منظومة تعليمية تفرض قراءة نتائجها وفق سياقها الوطني.
العلوم تسجل أفضل أداء مغربي
ورغم التراجع المسجل في المجالات الثلاثة، لفتت الوزارة إلى أن العلوم شكلت المجال الذي حقق فيه التلاميذ المغاربة أفضل أداء، بحصولهم على 358 نقطة.
وسجل التلاميذ المغاربة نتائج أفضل في عدد من مكونات اختبار العلوم، إذ بلغ أداؤهم 369 نقطة في أساليب البحث العلمي، و374 نقطة في النمذجة، و369 نقطة في البرمجة، وهي مؤشرات اعتبرتها الوزارة ذات أهمية في قراءة مكامن القوة داخل المنظومة التعليمية.
وتبرز هذه النتائج، بحسب الوزارة، أن الصورة العامة للمنظومة لا تخلو من عناصر إيجابية يمكن البناء عليها، خصوصاً في المجالات المرتبطة بالعلوم والتفكير العلمي، بالتوازي مع الحاجة إلى معالجة الاختلالات المسجلة في القراءة والرياضيات.
الوزارة تدافع عن مواصلة الإصلاح
وفي ضوء هذه النتائج، تؤكد وزارة التربية الوطنية أن الأولوية خلال المرحلة المقبلة تتمثل في مواصلة تنزيل الإصلاحات المندرجة ضمن خارطة الطريق 2022-2026، مع تسريع تعميم نموذج «مؤسسات الريادة» في التعليم الابتدائي والإعدادي.
كما تراهن الوزارة على تعزيز آليات الدعم والمعالجة التربوية، وملاءمة المضامين البيداغوجية مع حاجات المتعلمين، وتوفير تكوينات ميدانية متخصصة للأطر التربوية، إلى جانب تطوير الموارد الديداكتيكية والرقمية.
وتشمل المقاربة التي تدافع عنها الوزارة أيضاً تعزيز التأطير والمواكبة التربوية وتحسين بيئة التعلم، باعتبار أن معالجة ضعف المكتسبات لا يمكن أن تتم من خلال تغيير طريقة التدريس فقط، وإنما تحتاج إلى تدخل متكامل يشمل الأستاذ والتلميذ والمناهج والموارد والبيئة المدرسية.
وتحاول الوزارة، من خلال ردها على نتائج «PISA 2025»، التأكيد على أن الحكم على الإصلاح التعليمي الحالي لا ينبغي أن يستند إلى نتائج عينة لم تستفد أصلاً من النموذج الجديد. وفي المقابل، تضع النتائج المسجلة المنظومة أمام تحدي تحسين التعلمات الأساسية، خصوصاً في القراءة والرياضيات، وهي مجالات لا تزال تشكل أحد أبرز مكامن الضعف في أداء التلاميذ المغاربة.





