
بقلم: الأستاذ محمد كفيل
ما يحدث اليوم تحت مظلة وزارة العدل ليس مجرد تغيير إداري عابر، بل هو تحول خطير في موازين القوى داخل المنظومة القانونية. القرارات المتتالية التي تستهدف مهنة المحاماة وكتابة الضبط ليست بريئة، بل تشي برغبة مبطنة في تركيز السلطة في يد جهاز قضائي يتحول تدريجيا إلى أداة هيمنة، بدل أن يكون سلطة محايدة تحقق التوازن. فإسناد تكوين المحامين إلى قاض، مثلا، ليس قرارا تقنيا، بقدر ما هو رسالة مفادها أن مهنة المحاماة لم تعد مستقلة، بل يجب أن تربى تحت عباءة القضاء، كي تخرج أجيالا من المحامين لا يعرفون معنى «الكلمة الحرة»، بل ينشؤون على ثقافة الطاعة والخضوع.
لم يعد خافيا أن هناك مسعى حثيثا لتدجين المحاماة، تلك المهنة التي طالما كانت درعا ضد التعسف، وصوتا يجرؤ على قول «لا» أمام جبابرة السياسة والقضاء. فبدل أن يكون المحامي مدافعا عن الحقوق والحريات، يُراد له أن يصبح مجرد تابعٍ في نظام يكرس هيمنة القضاة على كل مفاصل العدالة. والنتيجة؟ عدالة مشوهة، حيث يختلط الحابل بالنابل، وتصبح السلطة القضائية هي الخصم والحكم في آن واحد. أما كتابة الضبط، فهي الأخرى تُدفع إلى الزوايا الضيقة، كي يتم تفريغها من أي دور رقابي أو توثيقي مستقل، ويصبح عملها مجرد أوراق تُحرَّك وفق الأهواء.
الأسوأ في هذا المشهد هو الصمت المريب للنقابات والهيئات المهنية، وكأن القبول بالأمر الواقع أصبح هو الخيار الوحيد. فبدل أن تكون هذه الهيئات صمام أمان للدفاع عن استقلالية المهن القانونية، نراها تتنازل عن دورها قطعة قطعة، إما تحت ضغط السلطة، أو تحت وهم «الإصلاح». لكن التاريخ لن يسامح من يساهم اليوم في تحويل المحاماة من مهنة المقاومة والدفاع عن المظلومين إلى مهنة بيروقراطية خاضعة لأوامر السلطة.
العدالة لا يمكن أن تنتج إلا في مناخ من الاستقلال والتوازن بين مكوناتها. فإذا تحول القضاء إلى حارس لإيديولوجيا السلطة، والمحامي إلى مجرد موظف صغير في نظام هرمي، فمن سيبقى ليدافع عن المواطن عندما تنقلب الآلة القضائية ضده؟ الخطوة الأولى لمواجهة هذا التغول هي الاعتراف بأن المعركة ليست تقنية، أو إدارية، بل هي معركة وجودية تمس جوهر العدالة نفسها. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل سينهض المحامون والمنتمون إلى المهن القضائية الأخرى لرفع التحدي، أم سيستسلمون لمسار التبعية الذي يُفرض عليهم؟





