
سجلت قائمة المليارديرات، التي تصدرها سنويا مجلة “فوربس”، حضور ثلاثة أسماء مغربية بارزة في تصنيف سنة 2026، مع تباين ملحوظ في قيمة ثرواتهم.
يتصدر رجل الأعمال المغربي عثمان بنجلون قائمة الأثرياء في المغرب، للمرة العاشرة، إذ فاقت ثروته 1.7 مليار دولار بعد أن كانت في حدود 1.6 مليار دولار، ما مكنه من احتلال الرتبة 2386 عالميا والـ18 قاريا.
وسجل عزيز أخنوش بدوره موقعه ضمن الأثرياء المغاربة، محتلا المرتبة 2481 عالميا والـ19 إفريقيا، فيما احتل أنس الصفريوي الصف الثالث وطنيا.
عالميا، يتربع رجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك على صدارة ترتيب أثرياء العالم بثروة بلغت 839 مليار دولار، متقدما عن مؤسس شركة “غوغل” لاري بيج وسيرجي برين، ضمن لائحة تتكون من 3428 شخصا حول العالم.
وحسب “تقرير الثروة الإفريقية” الأخير، والذي يقدم قراءة شاملة عن أغنى الدول والمدن في القارة، فإن “المملكة المغربية تحتل المركز الخامس على الصعيد الإفريقي من حيث عدد الأثرياء الذين تفوق ثروتهم مليون دولار أمريكي بحوالي 6800 شخصا.
حل المغرب في الصف الثالث قاريا، بعد كل من جنوب إفريقيا ومصر. ومن خلال قائمة الأثرياء لسنة 2026، تبين أن الاقتصاد المغربي ما يزال ينتج المليارديرات عبر المسارات التقليدية.
وبعيدا عن التصنيف، يفضل كثير من أثرياء هذا البلد قضاء حوائجهم بالكتمان، فهم يحرصون على العيش في الظل على الرغم من الثروات التي كدسوها في الدواليب، بعيدا عن ضوء الإعلام وعيون مجلة “فوربس” الأمريكية المتخصصة في إحصاء الثروات ومراقبة نمو المؤسسات والشركات المالية حول العالم، والتي دأبت منذ سنة 2012، على نشر تصنيف سنوي لأثرياء العالم.
قبل الحصول على الاستقلال، كانت ثنائية المخزن والتجار الفاسيين والسوسيين مرادفا للثراء، كما ساهم المعمرون في بناء رأسمالية زراعية، علما أن مجال المال والأعمال في تلك الفترة التاريخية شهد ظهور أثرياء في صفوف المعمرين والمحميين والسماسرة واليهود.
بوتغراي.. ملياردير من ضرع الأبقار
حين قامت شركة “بيست بسكويت” التابعة لمجموعة “أنوار إنفيست”، بتوسعة مصنعها في حد السوالم، بحضور وزير الصناعة والتجارة رياض مزور وعدد من الشخصيات الحكومية والمحلية، قال الهاشمي بوتغراي رئيس مجلس إدارة الشركة، إن هذه التوسعة ساهمت في إحداث 700 منصب شغل مباشر و3500 منصب غير مباشر، عند بلوغها طاقتها الإنتاجية الكاملة، ما يشكل دعما ملموسا للاقتصاد المحلي.
ظل الهاشمي بوتغراي، في الظل إلى أن أصبح رئيسا لشركة “ميد ميلك”، خاصة بعد أن أبرم اتفاقية شراكة مع القرض الفلاحي، الذي وافق على تمويل مشروع من أجل مساعدة ومواكبة حوالي 20 ألف فلاح منتج للحليب على مستوى جهة مراكش تانسيفت الحوز، وهو العقد الاجتماعي لأنه استهدف الفلاحين الصغار، ومكن من إحداث فرص للشغل في المنطقة.
الهاشمي بوتغراي هو أصغر أشقائه لكنه الأكثر نشاطا، خاصة في مجالات الطاقة والإنعاش العقاري، لذا فهو أصغر المليارديرات الجدد ويسير مجموعة “أنوار للاستثمار” التي تحقق أزيد من 500 مليون دولار سنويا ولديها أسهم في 20 فرعا.
بدأت عائلة بوتغراي مسارها في مجال الصناعة الغذائية، كالمعجنات والبسكوي والعصير قبل الانتقال إلى مجال الإسمنت، قبل أن تدخل عوالم أخرى.
أصر الهاشمي على الاهتمام بالفلاحين البسطاء، الذين لا يتلقون الدعم إلا في مواسم الانتخابات من مرشحين يشترون أصواتهم بالعلف، و قرر وفق الاتفاقية “اقتناء الماشية وبناء وتجهيز الإسطبلات، وقاعات استخراج الحليب، وتغذية الماشية والعلاجات البيطرية، والمعدات الفلاحية في ظروف تفضيلية وفق مسطرة مبسطة”.
لهذا تمكن الهاشمي من إيجاد موقع قدم بين الأكابر كأصغر أثرياء المغرب إذ أنه دخل مربع الثراء وعمره لا يتجاوز 23 سنة.
عمار الدكالي الذي يؤمن بخلطة المال والسياسة
بدأت عائلة عمار مسيرتها من الأسواق، فالوالد إبراهيم كان مجرد كساب للأبقار، في منطقة بني هلال بعمق دكالة، حيث كان يمون السوق المحلي باللحوم الحمراء، مع الاعتماد على نظام ديون مرن يمكن الجزارين من تسديد ما بذمتهم، بل كان يشجع فلاحي المنطقة الذين يعتمدون على فلاحة مرتبطة بمعمل السكر كالشمندر، على تغيير عاداتهم الفلاحية والبحث عن موارد رزق أخرى.
كان إبراهيم أول مغربي يستورد الأبقار من هولاندا، لكنه وبتوصية من المحجوبي أحرضان دخل عالم السياسة، مما قربه من إدريس البصري ومن شخصيات نافذة في السلطة المغربية، وتمكن من سحب البساط من تحت أقدام عائلة الاتحادي بوشعيب الهلالي الذي كان “إمبراطور” بني هلال منذ السبعينات إلى نهاية الثمانينات.
توفي عمار الأب سنة 1998 على إثر حادثة سير في الطريق الرابط بين الجديدة والدار البيضاء، وهو حينها برلمانيا لمنطقة بني هلال العونات، قيل إن سيارته كانت ممتلئة بالأوراق النقدية، وبعد تقديم العزاء أجمع خصومه ورفاق دربه السياسي والتجاري، أن ثروة هذا الملياردير، ستعرف تراجعا ملحوظا وقد تنتهي بتوزيعها بين الورثة، لكن أبناءه قرروا التصدي للجميع وفي اجتماع طارئ بعد حفل التأبين تم توزيع المهام، حيث تكفل الإبن الأكبر بوشعيب، بالشركات المتمركزة في المجمع الصناعي للجرف الأصفر، والمتخصصة في قطاع استيراد المواد الفلاحية، ولأن بوشعيب ورث عن أبيه الجاه والسياسة، فقد كان لمنصبه كرئيس لجهة دكالة عبدة، الأثر على تيسير تدبير هذه المؤسسات.
أما عبد الفتاح القيادي بحزب الأصالة والمعاصرة، فجمع بين مهامه السياسية والتجارية، إذ اهتم بمشروع فلاحي كبير في منطقة زاوية سيدي اسماعيل، حيث يملك ضيعة كبيرة خصصت لتربية الأبقار بعد استيرادها، وقام ببناء مجزرة خاصة بتقنية جد متطورة تعتبر الأولى في المغرب، مكنته من زعامة موزعي اللحوم الحمراء، دون أن يتخلى عن الهم السياسي كرئيس لجماعة بني هلال وبرلماني المنطقة، هذا الوضع جعله يفتح جبهات صراع مع عامل إقليم سيدي بنور. أما الابن الأصغر فأسند له مجلس العائلة مهمة تدبير قطاع الصيد البحري بحيث يملك عدة بواخر للصيد في أعالي البحار، ويرتبط بعلاقات قوية مع حسن الدرهم الملياردير الصحراوي.
أيت مزال والشقوري وبوفتاس.. الثروة السوسية الهادئة
يرى رجل الأعمال المغربي عبد السلام بلقشور، الذي يستثمر في مجال الفلاحة، بأن الأثرياء المغاربة الذين لا يطالهم تصنيف “فوربس” غالبا ما يختارون الاستثمار في الظل، وأشار إلى أنه لا يوجد، “مليارديرا خارج التصنيف إلا إذا كان رقم معاملاته المالية ضعيف”، وأشار إلى أن نقطة التحول في مجال المال والأعمال هي العقار، وأضاف في تصريح لـ”الأخبار” بأن الأوائل استثمروا في مجال النقل العمومي بعد أن استفادوا من مأذونيات، على غرار الشقوري العبدي الذي كان يملك أزيد من 100 حافلة نقل، وقبله الغزاوي المدير الأول للأمن الذي كان يملك عددا مماثلا من الحافلات، وبنسبة أقل عائلة أمزال التي استثمرت في نفس القطاع.
لم يكن الاستثمار بالنسبة لهذه العائلات مقتصرا على مجال النقل العمومي، بل كانت لها مساهمات في القطاعين العقاري والبنكي، سيما في الشركة العامة للأبناك، في ما اختارت عائلة بوفتاس الاشتغال في مجال توزيع المواد الكيماوية والفلاحية منذ سنة 1972، خاصة في “بروماغري” وأيضا في مجال صناعة الأحذية من خلال شراكة مع ادريس جطو وتازيت في شركة “أوديربي”.
الزين.. استثمار كبير وتصنيف صغير
فجأة أعلنت مجموعة زين “للتنمية” نفسها رائدة في مجال المهن المندمجة، رغم أن البداية الحقيقية لهذه الشركة التي يقف وراءها نور الدين الزين، ابن دكالة، ترجع إلى منتصف التسعينات، وكانت نقطة البداية هي توزيع السكر والمواد الفلاحية. كانت الغاية منها ضمان مكانة في السوق في مجال التوزيع والذي يعمل تحت تسمية “فري فود”، قبل أن توسع نشاطها إلى النقل واللوجستيك. وكانت “طرانسدين” هي الشركة التي أخذت على عاتقها تنمية أسطول الشاحنات الكبير.
يعتبر منتصف سنة 2005 حقبة “تنويع التشكيلات الموزعة والدخول في مجال الشراكات الاستراتيجية مع المنتجين الوطنيين والدوليين”. على حد قول رئيسها الزين، وبدأت المجموعة في امتلاك سلسلة من المكتسبات في مجال الصناعة الغذائية مما أدى في سنة 2008 إلى خلق المطاحن الكبرى زين، وفي سنة 2013 تم خلق “مجمع التغذية زين” التي استفادت من مخطط المغرب الأخضر بوضع نظام تجميع الإنتاج بإحاطة وتأطير الفلاحين من جهات دكالة والشاوية ورديغة.
تتوفر “الزين للتنمية”، على رقم معاملات سنوي يناهز 5 مليارات درهم وعلى غلاف استثمار إجمالي يقدر ب 750 مليون درهم، دون أن يدخل صاحب الشركة مدرسة للمال والأعمال.
“نص بلاصة”.. بائع البيض بالتقسيط الذي عبد طرق المملكة
في أحد دواوير تمنار “بمنطقة حاحا وعاصمة الأركان، ولد عمر التيسير، في هذه الربوع من المملكة واجه الفتى قسوة الحياة وقسوة الطبيعة أيضا، لكنه تسلح بالتحدي وقرر القفز فوق كل الحواجز الطبيعية والبشرية.
شمر عمر مبكرا عن ساعد الجد، وقرر خوض معاركه مع كسرة الخبز وعمره لا يتعدى 12 سنة. كان يعرف أن مشوار الألف ميل يبدأ بالخطوة الواحدة، استعان به لاختراق عالم رجال الأعمال من خم الدجاج.
بدأ عمر حياته في عالم “البيزنيس” بفكرة جهنمية، أعفى من خلالها نساء دواوير تمنار من التنقل إلى السوق، إذ كان يشتري منهن ما جمعنه من بيض، دون أن يسلمهن مقابل البضاعة، لكن الفتى كانت عملته “الكلمة” فأسس علاقة ثقة مع محيطه، وحين يبيع البيض يسلم لمزوديه ما بذمته. هكذا نال الفتى شهرة في منطقة حاحة وأصبح موردا لرزق الكثير من الأسر، مما شجعه على توسيع نشاطه ليصبح في ظرف وجيز بائعا للبيض بالجملة، ومزودا رئيسا لأسواق تمنار وسميمو بهذه المادة الغذائية. أصل اللقب الذي التصق به في حياته ومماته، يعود إلى إصراره على التنقل في حافلات نقل المسافرين التي تربط بين مراكز المنطقة، دون أداء الثمن الكلي للتذكرة، حيث يكتفي لصغر سنه بأداء نصف الثمن، مانحا لمسافر آخر فرصة مشاركته في المقعد الواحد. مما جعل سائقي ومحصلي الحافلات وأيضا “كورتيات” المنطقة يلقبونه بـ”عمر نص بلاصة”.
من أرباح عائدات بيع البيض، تفتقت عبقرية الفتى على مسالك أخرى مدرة للدخل، لكن بجهد بدني وفكري أكبر، يتجاوز جمع البيض، إلى تكسير الحجارة. شاءت الأقدار أن يؤسس عمر مقاولته الصغيرة، ويقتني عتادا بسيطا وشاحنة ويقرر الاشتغال في بعض المشاريع الصغرى، التي يفوضها له أصحاب المقاولات الكبرى، رضي بقسمة ونصيب الزمن، ودخل تدريجيا عالما آخر.
في شهر رمضان من سنة 1960 استيقظ المغرب على خبر الدمار، بعد أن داهم زلزال عنيف مدينة أكادير، كانت شاحناته وجرافاته منخرطة في مسح ذيول الدمار وإزاحة أكوام التراب والإسمنت.
اشتغلت مقاولة عمر التيسير إلى جانب الجيش الملكي بقيادة الجنرال ادريس بنعمر، الذي وفر الخيام العسكرية، وقامت شاحنات عمر بنقل المساعدات الإنسانية والمؤن الغذائية.
قبل أن تفوز شركة الحاج عمر التيسير، بصفقة بناء الطريق السيار الرابط بين الدار البيضاء والرباط، نالت تنويه الملك الحسن الثاني، بعد أن أنجزت الطريق الرابطة بين مراكش وأكادير عبر أمسكرود، وسط جبال الأطلس الكبير.
لم يكتب لعمر أن يرى نهاية مشروع الطريق السيار، الذي أنجز شطره الأول الرابط بين الدار البيضاء وبوزنيقة، انتهى الشطر الأول من “لوطوروت” في الآجال المتفق عليها رغم الصعوبات المالية. كان الوضع صعبا في ظل الجفاف والاحتقان الاجتماعي الذي ميز نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، لكن عمر أوصل المشروع إلى شط الأمان.
مات عمر قبل أن يتحقق حلم ربط العاصمتين الإدارية والاقتصادية بطريق سريع، لكن أبناءه قرروا استكمال الطريق، قبل أن تقف إكراهات عديدة دون تحقيق أماني ماتت بموت عمر.
أحيطت حياة عمر التيسير الشهير بلقب “نص بلاصة” بكثير من الحكايات الأسطورية، منها ما تجاوز الحقيقة ومنها من لامسها في تفاصيلها الدقيقة. لقد كان اسم عمر مرادفا للثراء، حتى أصبح المغاربة يتداولون قولة مأثورة تقول “مالك شكون أنت نص بلاصة”، كناية على أصحاب الجاه. كما قيل إن كثرة شاحناته وآليات مقاولاته بلغت عددا يصعب حصره، حتى أصبحت كثير من حوادث سير الشاحنات تتم بين آليات في ملكية التيسير، فيضطر رجال الأمن أو الدرك الملكي إلى تحرير محاضر حوادث بين شاحنتين في ملكية نفس المقاولة ونفس الشخص.
ونظرا لإعجاب الملك الحسن الثاني بنباهة وعصامية عمر، أسندت كثير من المشاريع الكبرى لمقاولة “الحاج” الذي كان بدوره يفوض بعض المشاريع لزملائه في المهنة، بل إنه تحول مع مطلع الاستقلال إلى رائد الأشغال الكبرى، ونافس بقوة كبريات الشركات الفرنسية التي هيمنت على سوق التشييد والبناء، ليصبح أول مغربي يتكلف بمشاريع كبرى كالطرق والسدود والقناطر، قبل أن يلج زميله لطفي المجال بقوة بتوجيه من عمر.
في نهاية شهر أبريل من سنة 1979، تعرض عمر التيسير لحادث عرضي حين التوت قدمه وهو يهم بصعود سلم مكتبه، هوى الرجل من الأعلى وارتطم رأسه بدرج، قبل أن يدخل في غيبوبة، نقل على وجه السرعة إلى إحدى مصحات الدار البيضاء، ولكن حالته الصحية لم تتحسن، بل ازدادت سوءا، حينها تقرر نقله إلى مستشفى لاتيمون في مارسيليا بتوصية من أحد الأطباء، لأن النزيف الدموي كان خطيرا، مما أدخل “الحاج” في غيبوبة، انتهت برحيله.
الحسن الراجي.. أول مستورد للشاي وباني المدارس الإسلامية بتارودانت
عندما تولدت فكرة إحداث المعهد الإسلامي (معهد محمد الخامس) بتارودانت، قرر مجموعة من أبناء سوس تكوين لجنة للإشراف على المشروع وتحويله من مجرد فكرة إلى منارة علمية قائمة الذات. عقد أول اجتماع سنة 1950، وتمخض عنه إجماع على حق تارودانت في العلم، ولأن الوضع السياسي كان مضطربا فقد تقرر الاعتماد على أبناء سوس الموجودين في الدار البيضاء بالخصوص العاملين في قطاعات التجارة والصناعة لترجمة الفكرة إلى واقع، مع تكثيف الاستشارة العلمية مع المختار السوسي.
خلصت الاجتماعات إلى تقديم ملتمس للملك محمد الخامس، في شأن المدارس العتيقة في سوس، حيث ظهر توجه إنشاء المدارس العصرية العتيقة في البداية بالرباط، التي استقبل بها الملك في 22 غشت 1956 وفد سوس.
كان الحسن الراجي “مول أتاي” ابن الفقيه التافراوتي واحدا من دعائم اللجنة، كما ورد في كتاب “عصاميو سوس بالدار البيضاء” للباحث الدكتور عمر أمرير، استضاف منزل الحسن اجتماعات عدد من رجال المقاومة والتجار السوسيين من كافة المدن المغربية، وأعضاء المكتب الاداري لجمعية علماء سوس صيف 1956، لدراسة مشروع بناء معهد إسلامي بتارودانت وفروعه بربوع سوس على غرار نظام مدارس محمد الخامس.
وفي لقاء مع الملك قدمت اللجنة لائحة بأسماء المتبرعين، بناء على مقترح تمخض عن أول اجتماع عقد بمدينة سلا بمنزل مولاي الطاهر في دجنبر 1955، تلته اجتماعات بحضور مندوب التعليم. ونوه الملك بتبرع سيدة ببستان لفائدة الصرح العلمي ويتعلق الأمر بالمحسنة فاطمة بنت محمد مزيود.
وفي 29 ماي 1959 أعطى الملك محمد الخامس رحمه الله الانطلاقة الأولى لبناء المعهد الاسلامي بتارودانت، وخلال لقاء اللجنة بالملك تحدث معه الحسن “مول أتاي” عن الشاي باعتبار ابن سوس أول مستورد للشاي الصيني، وكشف الحسن عن بعض تفاصيل عبوة الشاي التي أريد لها أن تحمل ألوان العلم الوطني وسر وضع صورة محمد الخامس على عبوة الشاي، ما كان يمنع المواطنين والمستهلكين من رميها بعد انتهاء كمية الشاي إذ غالبا ما يحتفظ بها في البيت كديكور.
أثرياء الحرب المغاربة الذين لا يعرفهم أحد
بعد الحرب العالمية الثانية، اغتنت مجموعات من التجار الصغار المغاربة بعد احتكاكهم بمحيط القاعدة العسكرية الأمريكية في مدينة القنيطرة.
هؤلاء التجار، الذين كانوا إلى حدود سنة 1943 يعتبرون غير مؤثرين نهائيا في اقتصاد الغرب، وجلهم كانوا من صغار التجار الذين تاجروا في المواد الغذائية، أعلنوا إفلاسهم في خضم أزمة “البون” عندما كانت الأسواق المغربية تعاني من غياب جميع المواد الأساسية.
بعض هؤلاء الذين أعلنوا إفلاسهم في أزمة «عام البون»، تحولوا، بقدرة قادر، إلى تجار أثرياء بمجرد ما توسعت أنشطة القاعدة الأمريكية. اتُهم بعضهم بالاتجار في السلاح، خصوصا منهم الذين انضموا إلى المقاومة، ووجهت لهم التهمة رسميا خلال اعتقالات يوليوز 1963، لكن حقيقة مراكمتهم للمال جاءت من خلال الاتجار في البضائع الأمريكية.
هذه التجارة كانت، بطبيعة الحال، غير قانونية، بحكم أن بعض الضباط الأمريكيين الذين كانوا مكلفين بالمؤونة في القاعدة، ربطوا علاقات مع صغار التجار وكانوا يفوتون لهم كميات من السلع الأمريكية التي تتراوح بين الملابس والمواد الغذائية، بالإضافة إلى بعض الأغراض التي كانت تفيض عن حاجة الجنود وموظفي القاعدة، ويُضارب فيها أولئك التجار.
في غضون سنوات قليلة، ظهرت طبقة جديدة لهؤلاء الأثرياء الذين كانوا يُسمون أثرياء الحرب.
وكان الملك الراحل محمد الخامس قد توصل مرات كثيرة بمعلومات عن هؤلاء الأعيان الجدد الذين اشتروا عقارات كثيرة في محيط القنيطرة، وظلوا بعيدين عن الرباط، وبعضهم اتهم من طرف الإدارة الفرنسية في المغرب بتزويد الخلايا السرية للمقاومة بالسلاح.
وهذه التهمة الثقيلة جرت بعضهم إلى المحاكمة كما وقع في أبريل 1954، عندما مثل أمام القاضي أزيد من 8 أثرياء من منطقة الغرب، اتُهموا بالتجارة في السلاح وتزويد المقاومين به سرا، وحكم عليهم بالإعدام، لكن الحكم لم ينفذ وظلوا في السجن العسكري إلى أن صدر عفو من المقيم العام في حقهم.
وفعلا، كان جل هؤلاء التجار منقطعين تماما عن الحياة السياسية رغم أنهم راكموا الثروة، وبلغت تعاملاتهم المالية، غير النظامية طبعا، ملايين الفرنكات الفرنسية. بل وحاولوا البقاء بعيدا عن ربط أي علاقات مع المقاومة، رغم أن المقاوم الراحل مومن الديوري، الذي كانت تربطه علاقات قوية بموظفي القاعدة العسكرية الأمريكية، حاول ربط اتصال معهم قصد تمويل المقاومة قبل الاستقلال، لكن مساعيه باءت بالفشل، واعترف بنفسه، أثناء اعتقالات يوليوز 1963، بأنه حاول فعلا، في إطار أنشطة المقاومة، البحث عن تمويل أو تبرعات مالية من هؤلاء الأثرياء الجدد الذين ظهروا في منطقة الغرب خلال بداية الخمسينيات، لكن لم يصل معهم إلى أية نتيجة. وصك الاتهام الذي وُجه له في مؤامرة يوليوز بعد الاستقلال بسبع سنوات، كان واضحا بخصوص تلك العلاقة، فقد اتهم بالتعامل مع بعض قدماء المقاومة لاقتناء أسلحة من القاعدة الأمريكية في القنيطرة، لتنفيذ عمليات مسلحة واغتيالات.
وبعض أولئك التجار اتُهموا بمراكمة جزء مهم من ثروتهم “المشبوهة” ليس فقط بالاتجار في المواد الغذائية الأمريكية، وإنما في السلاح الأمريكي أيضا، وهو ما جعلهم بعيدين عن الحياة السياسية التي كان يلجها الأعيان بكثرة. وأكبر دليل على ورطة المتعاملين مع الأمريكيين، هو فضيحة زيوت مكناس المسمومة، التي انفجرت بعد تورط أثرياء وأعيان مغاربة في فضيحة شراء زيت المحركات من القاعدة الجوية الأمريكية وبيعها لاحقا في الأسواق على أنها زيت طعام صالحة للاستهلاك.
الغزاوي.. ثري ساهم بماله في شراء سيارات الشرطة
عندما كان القرويون البسطاء يتزاحمون لحجز مقاعد على متن حافلات نقل الغزاوي في مدينة فاس، كان الرجل، الذي عرف بثرائه، يمارس هوايته المفضلة في اقتناء السيارات الفارهة في تلك المرحلة. وقد استطاع عن طريق تجارة السيارات كسب مودة الكثيرين.
كان أثرياء المغرب في خمسينيات القرن الماضي يعدون على رؤوس الأصابع، كان محمد الغزاوي قد صنع لنفسه اسما ضمن قوائمها التي تذكر في المنتديات السياسية. غير أنه خلال عمله مديرا عاما للأمن، كان يغدق على العاملين، الذين كانت أعدادهم غير كبيرة، بل ثمة من ذهب إلى أنه تعمد بأن يؤدي بعض الرواتب من ماله الخاص بدل خزينة الدولة، خصوصا في السنوات الأولى للاستقلال، التي كان المغرب قد بدأ فيها تنظيم هياكله الإدارية والمالية. وثمة وزراء أو مدراء قلائل لم يكونوا يقبلون صرف رواتبهم من خزانة الدولة.
حسب ضابط المخابرات السابق أحمد البخاري، فإن محمد الغزاوي، قبل أن يعين مديرا عاما للأمن، “كان مقيما بالولايات المتحدة الأمريكية في أربعينيات القرن الماضي، إلى حدود 1955، وكان يحمل ثلاث جنسيات: المغربية والأمريكية والفرنسية، وعند عودته إلى المغرب أصبح أكبر بارون مالي في حزب الاستقلال يطمح إلى الوصول لمنصب المدير العام للأمن الوطني مع جميع الصلاحيات في المجال الأمني”. أسند إليه الملك محمد الخامس منصب المدير العام للأمن الوطني، بجميع الصلاحيات على المستويين الأمني والقضائي لمدة طويلة ما بين 20 و30 سنة، وكان أغنى مدير في تاريخ الأمن الوطني. قدرت ثروته في المغرب، خلال الأربعينيات بثمانية أضعاف ثروة الأسرة الملكية، يضيف البخاري، بفضل مشاريعه الاقتصادية المنتشرة في الولايات المتحدة، انجلترا وفرنسا، بالإضافة إلى مليارات من الودائع في الأبناك الأجنبية عموما، وسويسر بشكل خاص.
شغل محمد الغزاوي منصب وزير للصناعة العصرية والمناجم والسياحة والصناعة التقليدية، أي أنه جمع بين ثلاثة مناصب حكومية، كما شغل مناصب دبلوماسية قبل عودته إلى الواجهة الحزبية في نهاية سبعينيات القرن الماضي، كما ترأس المكتب الشريف للفوسفاط، لكن الغزاوي سيتوارى بعيدا، وحدها حافلات النقل العمومي ظلت ترسخ اسمه في أذهان المغاربة.
لفت عبد الرحمان بنعبد العالي الأنظار بجديته، وهو من مواليد مدينة سلا. تزوج بنعبد العالي بعائشة الغزاوي نجلة مدير الأمن الوطني، والتي عرفت بجمالها الساحر، بالإضافة إلى أن والدها كان صديقا حميما للسلطان محمد الخامس، وكانت تدخل القصر الملكي باستمرار، وعائشة الغزاوي، هي أم مليكة زوجة الأمير مولاي هشام، ابن عم الملك محمد السادس.
بعد وفاة بنعبد العالي، ستقترن عائشة الغزاوي، بأحمد الطيب بنهيمة الذي كان سفيرا في الولايات المتحدة الأمريكية ووزيرا للأنباء ووزيرا للخارجية، فتتشابك أغصان شجرة المصاهرة الحكومية، وستتعقد أكثر الروابط العائلية بانضمام عائلة بنهيمة لهذه الشجرة، الممتدة بين فاس وسلا والرباط وأكادير ثم آسفي.





