
إعداد وتقديم: سعيد الباز
يعتمد أدب الفكاهة والضحك على القدرة الكبيرة في الالتقاط الذكيّ للمفارقات الكثيرة في الحياة والمواقف الإنسانية المختلفة، ما يتطلب من الكتاب والمبدعين روحا مرحة وعمق فهم وإدراك للنفس الإنسانية في شتّى صورها وتعبيراتها الأكثر تناقضا وإثارة للفكاهة. حظي هذا الأدب بمكانة كبيرة في تاريخ الأدب العالمي من خلال أعمال إبداعية خالدة، أظهرت بشكل أساسي ما يخفي بداخله من نزعة نقدية غايتها الكشف عن ما وراء المشاهد المثيرة للهزل والضحك من مظاهر سلبية على عدة مستويات أخلاقية واجتماعية وسياسية.
ميغيل دي ثربانتس.. دون كيخوته
رواية دون كيخوته، للكاتب الإسباني ميغيل دي ثربانتس، الرائدة والتي اعتبرت مؤسسة للأدب الروائي، بنت أساسها على عوالم ساخرة وهزلية من خلال شخصيتها المبتكرة دون كيخوته ومواقفه المثيرة للضحك بين الخيال والواقع: «اضطرب عقله، وداعبت خياله أغرب فكرة تصوّرها مجنون. خُيّل إليه أنّ أفضل ما يُمكن أن يفعله لخير الدولة ولمجده نفسه هو أن يُصبح فارسا جوّالا، وأن يسيح في الأرض بحثا عن المغامرات، ليُزيل جميع أنواع المظالم معرّضا نفسه لشتّى المخاطر، فيبلغ بذلك المجد الخالد. وتخيّل هذا النبيل المسكين نفسه وقد توّج ملكا بقوة ساعده، وأنّ مملكة «تربيزوند» هي أقلّ ما يمكن أن يطمح إليه.
وسط هذه الخواطر السّارة التي ملأته بالآمال لم يفكّر إلّا في شيء واحد وهو أن يُنفّذ ما يتمنّاه بكلّ ما يملك من حماسة وبأسرع وقت ممكن.
أوّل ما فعله هو صقل السلاح الذي ورثه عن والد جدّه، بعد أن أكله الصدأ زمنا طويلا في زاوية من البيت. فنظفه وأصلحه ما أمكن الإصلاح، لكنّه عندما رأى الخوذة ناقصة ولم يبق منها سوى غطاء الجمجمة استخدم الكرتون بمهارة وربط بعضه ببعض وجعل منه خوذة أو على الأقل مظهر الخوذة. وأراد أن يختبر هذه الخوذة إن كانت قوية وقادرة على مقاومة حدّ السيف، فاستلّ سيفه وحطّم بالضربة الأولى ما قضى ثمانية أيام في صنعه. لم يعجبه ما في هذه الخوذة من هشاشة، ولكي يتفادى هذا العيب، صنعها من جديد، ووضع في داخلها حلقات حديدية صغيرة، لكنّه لم يشأ أن يختبرها مرّة أخرى لأنّه اعتبرها منيعة تصمد للاختبار. فكّر بعد ذلك في حصانه، ومع أنّ هذا الحيوان المسكين لم يبق منه سوى الجلد والعظام، إلّا أنّه بدا له في حالة حسنة جدا وظل أربعة أيام يبحث عن الاسم الذي سيطلقه عليه، إذ ليس من المعقول، كما كان يقول في نفسه، ألا يكون لحصان فارس مشهور اسم يعرفه الناس جميعا. ولذلك حاول أن يجد له اسما يبيّن كيف كان الحصان قبل أن يكون حصان الفارس الجوّال وكيف صار بعد ذلك.
ورأى أنّه حين غيّر وضعه هو، فمن العدل أن يغيّر اسم حصانه، وأن يتخذ له اسما برّاقا مناسبا لمهنته الجديدة. وبعد أن حلم ودار، وأضاف وأنقص، وركّب وفكك، سمّاه أخيرا «روسّينانتِ»، وهو اسم رائع، برأيه، وباهر، وذو دلالة، وجدير بأوّل حصان في الدنيا.
بعد أن عثر على اسم جميل لحصانه، فكّر أيضا في العثور على اسم له نفسه. فقضى ثمانية أيام أخرى وهو يحلم، وأخيرا سمّى نفسه: «دون كيخوطي». لكنّ بطلنا لم يقف هنا… أضاف دون كيخوطي اسم بلده إلى اسمه فأصبح: «دون كيخوطي دي لامانشا»، مقتنعا أنّه بذلك يجعل أسرته ومكان ولادته معروفين وجديرين بالاحترام من الأرض بأسرها… لم يشأ فارسنا، بعد أن أعدّ لكلّ شيء عدّته، أن ينتظر أطول مما انتظر لكي يقدّم نفسه للجمهور، معتقدا أنّ تأخره لا يجعله مُذنبا ومسؤولا عن كلّ ما في العالم من شرور ينبغي تداركها ومظالم لابدّ له من إزالتها.
وهكذا، فقبل أن يُعلم أحدا بما كان يفكّر فيه، وقبل أن يفطن إنسان لذلك، وفي فجر يوم جميل شديد الحرارة من شهر تموز تقلّد سلاحه، وامتطى حصانه، وحمل درقته، وأمسك برمحه، وخرج من الباب الخلفي إلى السهل، وقد استخفّه الطرب حين رأى أنّ تنفيذ مشروعه العظيم يبدأ بهذه السهولة».
نافذة
فكّر بعد ذلك في حصانه، ومع أنّ هذا الحيوان المسكين لم يبق منه سوى الجلد والعظام، إلّا أنّه بدا له في حالة حسنة جدا وظل أربعة أيام يبحث عن الاسم الذي سيطلقه عليه
عزيز نيسين.. الديموقراطية ممنوعة
كان الكاتب التركي عزيز نيسين من أعظم كتاب القصة الساخرة والهزلية، لاقت قصصه شهرة واسعة في بلاده وفي العالم وحظي بشعبية منقطعة النظير، بل واعتبر من أعمدة الأدب التركي الحديث.
في قصته المشهورة «الديموقراطية ممنوعة»، الواردة في مجموعته القصصية «مجنون على السطح»، نجد مدرسا جديدا لمادة الفيزياء يسمّى بهيج يحلّ بإحدى القرى التركية، ويريد إضافة إلى تعليم التلاميذ الفيزياء أن يعلّمهم أصول الديموقراطية، ولكون هذه الكلمة مجهولة لديهم فقد أطلقوا عليه لقب بهيج الديموقراطي. كان المدرس بهيج يستفتي تلامذته في كلّ شؤونهم ويدعوهم إلى التعبير عن مواقفهم ووجهات نظرهم ثمّ التصويت عليها.
بدأت الحكاية بمسألة فتح الأبواب أو النوافذ في الفصل، فكان يتقدم إليهم بالقول: «أيّها السادة، إذا كان الطقس حارا فلنفتح الأبواب». لكنّ الصغار بمكرهم المعهود وجدوا في ذلك وسيلة مسلية للعبث وتضييع الوقت فيعمدون إلى إحداث انقسام بينهم، بين الداعين لفتح النوافذ والداعين لإغلاقها وكلّ فريق يعلل موقفه بحجج مصطنعة الغاية منها التخلص من عبء درس الفيزياء والتمتع بوقت مرح يتبادل فيها التلاميذ عراكا مفتعلا يعرفون جيّدا أهدافهم المبيتة دون أي اهتمام بالديموقراطية أو بأصولها.
هكذا مضت السنة الدراسية على هذا المنوال ولم يتيسر للتلاميذ أن يدرسوا دروس الفيزياء إلّا في الحالات النادرة التي يكونون فيها قد ملّوا درس الديموقراطية وحكاية فتح النوافذ أو إغلاقها. كان المدرس بهيج على قناعة تامة بأنّه أنجز عملا هائلا وأنّه قد رسّخ في نفوس تلامذته مبادئ الديموقراطية وأصولها، رغم معرفته بمدى كره المدير له الذي يتهمه بإفساد سلوك التلاميذ.
قرر المدرس بهيج في نهاية السنة الدراسية إجراء ما سمّاه اختبارا ديموقراطيا للتلاميذ في القاعة المخصصة للمحاضرات، دعا إليه مدير المدرسة وسائر المدرسين إضافة إلى أعيان القرية والمسؤولين المهمّين في المنطقة وآباء التلاميذ. كانت فكرة الاختبار أن يتقدم أحد الحاضرين بالقضية المطروحة للنقاش وكانت كالتالي: «العقل السليم في الجسم السليم، هذه حكمة إغريقية قديمة، هل هذه الحكمة في رأيكم صحيحة أم خاطئة؟ في البداية ليتكلم المؤيدون وبعدها المعارضون، وبعد انتهاء المناقشة سوف نحكم… هذه هي الديموقراطية». التلاميذ الذين تعودوا على لعبة فتح النوافذ وإغلاقها أعادوها من جديد وبحماس أكبر دون اهتمام بحكمة الإغريق أو سواهم، ورغم محاولة بهيج إعادتهم إلى موضوع النقاش فقد أصرّ التلاميذ على الانقسام إلى فريقين فريق دعاة فتح النوافذ وفريق إغلاقها.
أسوأ من ذلك أنّ النقاش الحادّ بين التلاميذ امتدّ إلى الآباء الذين لم يكتفوا بالعراك اللفظي بل استعانوا بوسائل أخرى ممّا تناولته أياديهم وتحولت قاعة المحاضرات إلى ساحة حرب حقيقية. يختم عزيز نيسين قصته بخبر إقالة بهيج الديموقراطي، وكيف أنّ مدير المدرسة كلّما رأى النوافذ مغلقة يفتحها وهو يقول: «الديموقراطية ممنوعة» وإذا رآها مفتوحة يغلقها ويقول: «الديموقراطية ممنوعة».
نافذة
كانت فكرة الاختبار أن يتقدم أحد الحاضرين بالقضية المطروحة للنقاش وكانت كالتالي: «العقل السليم في الجسم السليم، هذه حكمة إغريقية قديمة، هل هذه الحكمة في رأيكم صحيحة أم خاطئة؟
ميلان كونديرا.. كتاب الضحك والنسيان
1
في شهر فبراير من عام 1948 وقف الزعيم الشيوعي «كليمان غوتوالد» على شرفة قصر من العصر الباروكي من قصور براغ ليخطب في مئات الآلاف من المواطنين المتجمهرين في ساحة المدينة القديمة. كان هذا منعطفا كبيرا في تاريخ بوهيميا (منطقة في التشيك). بل لحظة مشهودة وحاسمة في ذلك التاريخ فيه.
كان «غوتوالد» محاطا برفاقه، وبجانبه وقف «كليمانتس». بدأ الثلج يتساقط في جوّ من البرد قارص، وكان «غوتوالد» عاري الرأس. فقام «كليمانتس» بنزع قبعته من الفرو ووضعها بعناية على رأس «غوتوالد».
وقد أعادت شعبة الدعاية والإعلام إنتاج مئات آلاف النسخ من صورة «غوتوالد» المحاط برفاقه وهو يطلّ بقبعة الفرو من الشرفة، ويتحدث إلى الشعب. وهكذا بدأ التاريخ الشيوعي لبوهيميا من هذه الشرفة. كلّ الأطفال كانوا يعرفون هذه الصورة، لكثرة ما شاهدوها في الملصقات أو في الكتب المدرسية أو في المتاحف.
بعد ذلك بأربع سنوات اتُّهم «كليمانتس» بالخيانة، وشُنق، فقامت شعبة الدعاية بمحو أثره من التاريخ، وبطبيعة الحال من كل الصور الفوتوغرافية. ومنذ ذلك الحين صار «غوتوالد» يظهر وحيدا على الشرفة. ولم يعد يظهر حيث كان يقف «كليمانتس» سوى حائط القصر الفارغ. ولم يبق من «كليمانتس» سوى قبعته على هامة «غوتوالد».
2
نحن في سنة 1971 حين قال «ميريك»: نضال الإنسان ضد السلطة هو نضال الذاكرة ضدّ النسيان. كان يريد بذلك كتابة مذكراته، وحفظ مراسلاته وتدوين كلّ النقاشات التي تدور في كلّ الاجتماعات حول الوضع وحول كيفية الاستمرار في ظلّ هذا الوضع. وكان يشرح لهم بأنّهم لا يفعلون شيئا يتعارض مع الدستور، وأنّ التخفي والشعور بالذنب هما بداية الهزيمة.
قبل أسبوع، وبينما كان يشتغل مع فريقه من مركّبي أجهزة بورش على سطوح العمارات، نظر إلى الأسفل، فأصابه الدوار وفقد التوازن. تعلّق بعارضة غير مدعمة، فسقط، مما استلزم نقله إلى المستشفى. بدا الجرح للوهلة الأولى خطيرا، لكن تبيّن لاحقا أنّ الأمر لم يكن إلّا كسرا عاديا في الساعد. وقال في نفسه بنوع من الرضا إنّه سيستفيد من إجازة لبضعة أسابيع، يسوّي فيها بعض الأمور التي لم يكن يجد الوقت للاهتمام بها حتّى ذلك الحين.
وهكذا انتهى به الأمر إلى تبنّي رأي أصدقائه الذين كانوا أكثر حذرا منه. ولإن صحّ أنّ الدستور يضمن حرية التعبير، لكنّ القوانين تعاقب كلّ ما يمكن أن يمسّ بأمن الدولة. ولا أحد يعرف متى تصرّح الدولة بأنّ هذا الكلام أو ذاك يمسّ بأمنها. لذلك قرر نقل المُستندات التي تعرّضه للخطر إلى مكان آمن.
… كانت لفظة مثقف في العرف السياسي آنذاك شتيمة، إذ تُطلق على من لا يفهم الحياة، واختار الانفصال عن الشعب. كلّ الشيوعيين الذين شنقهم رفاقهم، كانوا ينعتونهم بهذه الشتيمة. كان يُشاع أنّهم يهيمون في الفضاء بخلاف الآخرين الذين يسيرون بخطى ثابتة على الأرض. ونتيجة لذلك كان من العدل منعهم من وضع أرجلهم على الأرض عقابا لهم، وتركهم معلّقين فوق الأرض قليلا.
لقمان ديركي.. من سيرة الهرّ المنزلي
في مجموعته القصصية «من سيرة الهرّ المنزلي»، يتتبع الشاعر والكاتب السوري لقمان ديركي موضوع اللحية المفتقدة ليس بمعناها الرجولي المعتاد فقط، ولكن باعتبارها علامة على مرحلة من المراحل الإيديولوجية العابرة لمجتمعاتنا العربية في شكلها المظهري دون مضمونها الفكري.
يمتاز لقمان ديركي في شعره وقصصه بروحه المرحة والساخرة: «بعد أن نجحت إلى الصف العاشر بدأ هاجس بزوغ ذقني ينتابني، فهي لن تبزغ حتّى الآن في حين كان زملائي يتفننون بحلاقة ذقونهم، وكنت منذ طفولتي أحسد الابن الأصغر لصديق والدي لأنّه كان يلبس شورتا يبرز الشعر الكثيف في ساقيه وأنا بلا شعر في ساقي… وكنت معقّدا من ساقي الرفيعتين النحيلتين، لذلك كنت أرتدي السراويل الطويلة حتّى في درس الرياضة، وعندما وصلت إلى البكالوريا ظلت لحيتي ممتنعة عن البزوغ، فتمنيت أن أرسب في البكالوريا كي لا أدخل إلى الجامعة دون لحية. وبناء على أمنيتي تصرفت، فصِعْتُ وضِعْتُ وفعلت كلّ ما يخطر على البال ما عدا الدراسة ولكنني للأسف… نجحت.
دخلت إلى الجامعة مملوءاً بالعقد خاصة بعد قراءتي لكتاب «اللامنتمي» لكولن ويلسون، و«الغريب» لألبير كامو و«الوجود والعدم» لجان بول سارتر. وكان كتاب الغريب لكامو مقررا في منهاج السنة الأولى لقسم الأدب الفرنسي، فازدادت عقدي أنا طالب الأدب الفرنسي المستجد الذي دخل هذا الفرع بسبب عقد والده، أي أبي، من عدم معرفته باللغات الأجنبية فجرّب تعلّمها بي.
كان جاري عبد المحسن عديم اللحية مثلي، وكان يحلقها يوميا كي تبزغ، ونصحني بذلك، ولكن لا جدوى، فهناك أماكن كثيرة فارغة في وجنتي، وازدادت عقدي عندما درجت موضة اللحى الطويلة عن الشيوعيين. فكنت أجد نفسي صغيرا أمام هؤلاء الذين يتسلحون باللحى الطويلة تيمنا بماركس وإنجلس وسكسوكة لينين التي لم أستطع تقليدها أيضا. وعلى الرغم من إعجابي بالاشتراكية والشيوعية فقد قررت، وبسبب عدم بزوغ لحيتي، أن أكون وجوديا لأنّ سارتر كان حليق الذقن.
واستطعت خلال فترة وجيزة أن أُعرّف بكوني وجوديا، وقد استلمني أحد الشيوعيين واسمه «صلاح برو» في النادي العمالي، وناقشني في المفاضلة ما بين الشيوعية والوجودية، وكنت أستفزه، وأفضّل الوجودية من دون أن أعرف شيئا عنها، كوني لم أفهم شيئا من كتاب الوجود والعدم. كان صلاح يعرف عن الوجودية الكثير، ومن معلوماته التي كان يرميها كي يثبت أفضلية الماركسية كنت أتسلح وأواجه وأناقش باستماتة حتّى انقسمت الطاولة إلى قسمين أحدهما معي، أنا الغرّ طالب السنة الأولى الذي بلغ بالكاد السابعة عشرة من عمره، لأنّ أبانا «يوسف كاتو» رفض أن أدرس الصف الأوّل ووضعني في الصفّ الثاني مباشرة، فزرع فيّ عقدة الصفّ الأوّل التي عوضتها بأن جلست أربع سنوات في السنة الأولى من قسم الأدب الفرنسي.
كانت اللحى منتشرة بشدّة في تلك الفترة، وكان أصحابها يتفننون بتشذيبها وتهذيبها، المتدينون من جهة، والشيوعيون من جهة، بينما كنت أمشي بينهم دون لحية ألحق برجولتي الهاربة.
وبزغت لحيتي، ولكن لحية خفيفة يجب أن أحلقها على الدوام كي لا تظهر عيوبها، فهي موزّعة بشكل سيئ وقليل على وجهي… ومرّة نسيت حلاقتها لأيّام، فقال لي محمد آل رشي: «احلق لحيتك لأنّك إذا لم تحلقها لن يظن الناس بأنّها لحية بل سيظنون بأنّ وجهك وسخ…» وتعقّدت أكثر.
سنوات وسنوات مرّت، وانهار الاتحاد السوفياتي، وحلق الجميع لحاهم، ونسيت عقدتي إلى أن قالت لي حبيبتي: «لا تحلق ذقنك» فانصعت لرغبتها، وخرجت بعد شهرين من البيت بلحية فوضية وأنا أسمع جملة واحدة من الجميع: «ياي… شو حلوة ذقنك… مثل ذقن تشي غيفارا».
نافذة
وبزغت لحيتي، ولكن لحية خفيفة يجب أن أحلقها على الدوام كي لا تظهر عيوبها، فهي موزّعة بشكل سيئ وقليل على وجهي… ومرّة نسيت حلاقتها لأيّام، فقال لي محمد آل رشي: «احلق لحيتك لأنّك إذا لم تحلقها لن يظن الناس بأنّها لحية بل سيظنون بأنّ وجهك وسخ…» وتعقّدت أكثر
هدى بركات.. حجر الضحك
تناول شاكر عبد الحميد، في كتابه «الفكاهة والضحك، رؤية جديدة»، رواية الكاتبة اللبنانية هدى بركات «حجر الضحك»، التي تستوحي موضوع الحرب اللبنانية التي دارت رحاها في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين بالقول: «تصف الروائية مشاهد عديدة للآثار المدمرة للحروب في حياة البشر والمباني والكائنات الحية الأخرى، وقد كان الناس يضحكون، على رغم هذه الحرب، فالضحك دلالة على الحياة، «لكن حرب المدن تكره الضحك، تكره هذا الضحك كثيرا». وتوضع متفجرات في بعض دور السينما وتنفجر هذه المتفجرات وتقتل الناس، وبالمصادفة تكون هذه الدور تعرض بعض الأفلام الهزلية التي تجعل الناس يضحكون، وبذلك يختلط الضحك بالموت..
ويعلق السارد: «إنّ ذلك علامة على أنّه ممنوع الضحك هكذا، ممنوع أن تتفق جماعة ما، داخل مكان محدد على الضحك، تضحك لوحدك، تجهش بالضحك… لكن أن يتحوّل الضحك نشاطا جماعيا فهذا مخل بقانون الجماعة المحاربة. يريدون أن ينفجروا ضحكا، فلينفجروا». هكذا يكون ضحك الإنسان بمفرده لا خطر منه، الضحك غير الحواري لا خوف منه، هو ضحك يشبه البكاء، حيث يمكن كل إنسان أن «يجهش بالضحك» بدلا من أن يجهش بالبكاء، فالضحك الانعزالي المتوحد المستوحش لا ضرر منه، ولا ضرار، أمّا ضحك الجماعة فترفضه الجماعات المتحاربة، وتقضي على أصحابه بالقتل، وبدلا من ان ينفجروا ضحكا ينفجرون موتا، فالضحك قوة إيجابية موحدة، وله فعل العدوى، وله تأثير المقاومة، والقوة النفسية، والتجديد للطاقات النفسية والجسمية لدى الأفراد والجماعات، ومن ثم فهناك خوف منه ومن تأثيراته، ومن ثم لا بد أن تواجهه الجماعات المتحاربة بالموت. فالضحك كما يرد في الرواية «لا يلائم الحسّ الوطني… الحسّ الوطني لا يلائمه إلّا الحزن العميق… المأساة… الموت».
الحرب ضد الضحك إذن، هي ضد الحياة، وضد التجمع، وضد التجدد، وضد أن يكون الناس معا، ولذلك لا مانع أن يضحك كلّ إنسان بمفرده، وليضحك ضحكا ليس من القلب، بل من العقل، وليس من العقل الواعي، بل من العقل الغائب، أو العقل الواعي الحاضر حضورا خاصا يكشف عن أغراض انتهازية محدودة خاصة، وهنا يتكشّف لنا نوع آخر خاص من الضحك في هذه الرواية. إنّه الضحك الهروبي الانتهازي.
نجد في الرواية خليل، الشخصية المحورية، وهو يعدّ الشاي لنفسه منعزلا في غرفته، يفكّر في الضحك ويقول لنفسه: «هذا أكثر مكان، أكثر بقعة، يضحك الناس فيها في العالم، في عزّ القصف العشوائي يضحك الأولاد ويضحك الموظفون لأنّها أيام عطلة… يكثرون من المآكل الطيبة… يحضرون لسهراتهم أجمل شرائط الفيديو، لأنهم سيسهرون كثيرا ولا عمل أو مدرسة في الغد الباكر… الجارات يضحكن لبعضهن إذ ستزداد فرص التلاقي، وستزداد فرص الكلام الذي لن ينفد عن الحالة والصحة والأرق والظلم والمشاكل الزوجية وشيطنة الأولاد».
إنّ الحرب تواجه بالضحك، والضحك علامة مهمة من علامات الحياة قد يستغلها بعضهم في التزاور والتعاطف والتراحم والتكاثف الإنساني والاجتماعي، وقد يتخذها بعضهم وسيلة للهروب من عمله أو دراسته، أو يعتبرها فرصة لأن تروج سلعه وتجارته الراكدة، ليس المهم هنا ما يحدث من دمار عام بفعل الحرب، بل ما يحدث من رواج وازدهار خاصين بفعل تأثيراتها المدمرة».
مقتطفات
الهجرة.. كيف تؤثر في عالمنا
يستهل عالم الاقتصاد البريطاني، بول كوليير كتابه «الهجرة كيف تؤثر في عالمنا» بانتقاد الخطاب السائد حول الهجرة: «في كثير من الأحيان ينظر البعض إلى تصاعد الهجرة بوصفها وجها حتميا من وجوه العولمة. لكن هذا في حقيقة الأمر خطاب أجوف، بعيدا عن اعتبار حركة البشر على وجه الإجمال تشكّل جانبا من جوانب العولمة، فحركات البضائع، ورؤوس الأموال والأفكار كلّها من البدائل التي يمكن أن تعوض عن انتقال البشر من مكان لآخر.
في أيّ مكان يتوافر إمكان تحقيق مكاسب إنتاجية من خلال انتقال الأفكار، والبضائع أو الأموال بدلا من البشر، من المنطقي جدا أن يحصل ذلك، ومن المتوقع خلال القرن المقبل أن يحصل هذا أيضا… هذه البدائل، التي ربّما تحدّ من نطاق الهجرة، قد تكون بطيئة جدا بحيث لا تتيح لنا أن نغلق الفجوة الهائلة في الدخل بين المجتمعات الأكثر فقرا والمجتمعات الغنية خلال فترة حياتنا». ويحاول الكاتب فهم ظاهرة الهجرة وأسبابها: «إنّ النمو الذي تحقق في البلدان الغنية خلال السنوات الثلاثين الذهبية وحالة الركود التي تعانيها البلدان الفقيرة هي من الأمور الأساسية لفهم أصول الهجرة ومسبباتها في العصر الحديث. لقد خلقت حالة الازدهار الاقتصادي غير المسبوق التي شهدتها تلك الفترة ضغوطا باتّجاه إعادة فتح الأبواب. أصبح أصحاب العمل يبحثون جاهدين عن العمال. وأدّى ذلك أيضا إلى تلاشي الخوف الذي كان العمال في السابق يشعرون به من تحركاتهم الجماعية للمطالبة بالحقوق، وهكذا توسّعت نقابات العمال وصارت أكثر استعدادا للتصدي والمطالبة بالحقوق.
كانت الحكومات نفسها هي صاحب العمل الرئيسي في البلاد، ولهذا واجهت مباشرة نقصا في القوة العاملة، لكنّها كانت تعاني أيضا ردود أفعال تتمثل في الإضرابات وتضخم الأجور، وهي من الأمور المصاحبة لنضال اتحادات العمال. ضمن السباق من أجل تحقيق النمو الاقتصادي، بدا أنّ تشجيع العمال على المجيء من بلدانهم التي تعاني مستويات معيشة متدنية خطوة تتسم بالفطنة.
كان اليسار السياسي يحتاج إلى تجنيد البشر للتوسّع في الخدمات العامة وتشييد البنى التحتية، أمّا اليمين السياسي فكان يحتاج إلى المهاجرين الذين يبدون على استعداد للذهاب تحديدا إلى مناطق «تقع في عنق الزجاجة»، وبذلك يتسارع النمو وتُضْبَطُ النزعة العدوانية. وهكذا صارت الحكومات تتساهل في القيود التي تُفرض على الهجرة وسعت في واقع الأمر بفعالية إلى جذب العمال الأجانب.
كانت ألمانيا تسعى إلى اجتذاب الأتراك، وفرنسا تستهدف المهاجرين من شمال إفريقيا، وبريطانيا تستجلب مهاجرين من مناطق البحر الكاريبي، والولايات المتحدة تريد مهاجرين من أمريكا اللاتينية. على سبيل المثال، يسّرت أمريكا شروط الهجرة بشكل جذري من خلال قانون الهجرة لسنة 1965. وبفتح أبوابها للمهاجرين، كانت الحكومات واثقة بأنّ الناس سوف يرغبون في المجيء إليها. لقد أعطت الفجوة الواسعة في الأجور الناس في البلدان الفقيرة حافزا اقتصاديا قويا للانتقال إلى بلدان غنية. لكن على الرغم من اتّساع الفجوة، لم يكن تدفق المهاجرين في بداية الأمر طوفانا، بل كان شحيحا… فهناك كثير من العوائق الخطيرة أمام الهجرة من دولة إلى أخرى تتجاوز أيّ قيود قانونية».
رف الكتب
خيانة المثقفين
يضمّ كتاب «خيانة المثقفين.. النصوص الأخيرة»، لإدوارد سعيد، نصوصا كتبها في العقد الأخير من حياته، ويكشف فيها عن دور المثقف في مواجهة مظاهر الاستبداد وضرورة تفكيك الفكر الاستشراقي، خاصة من وجهة النظر الغربية. لكنّه، في تعامله مع الفكر الاستشراقي، كان مدركا تماما أنّ الاستشراق لم يكن أحاديا، بحسب قوله: «الغرب ليس أحادياً أو متماثلاً على الرغم من وجود نوع من التجانس الأوروبي الثقافي، لقد درست علاقة الاستشراق بالسلطة، وركزت على الاستشراق الإنكليزي والفرنسي والأمريكي لعلاقاتها بالمنطقة».
من أهم قضايا الكتاب: «أحد المواضيع الأساسية لكلّ حوار المستشرقين منذ منتصف القرن التاسع عشر هو أنّ اللغة العربية والعرب مبتلون في عقلية ولغة غير مفيدة للواقع. أصبح كثير من العرب يصدقون مثل هذا الهراء العنصري، كما لو أنّ كلّ اللغات العالمية مثل العربية والصينية أو الإنكليزية تمثل أذهان مستخدميها.
الفكرة جزء من نفس الترسانة الإيديولوجية التي استخدمت في القرن التاسع عشر لتبرير الاضطهاد الاستعماري: لا يستطيع (الزنوج) التكلم بشكل لائق وصحيح لذلك بناء على (توماس كارليل) يجب أن يبقوا مستعبدين. اللغة (الصينية) معقدة ولذلك بناء على (إيرنست رينان) الرجل الصيني والمرأة الصينية مخادعان ويجب أن يقمعا، وهلم جرا. ليس هناك من يأخذ هذه الأفكار على محمل الجد إلّا حين يتعلّق الأمر بالعرب واللغة العربية والمستعربين.
في ورقة كتبها (فرانسيس فوكوياما) منذ بضع سنوات… الفيلسوف الذي اشتهر لمدة وجيزة بفكرته المنافية للعقل عن (نهاية التاريخ) قال إنّ وزارة الخارجية ستحسن التصرف لو تخلصت من المستعربين والمتحدثين باللغة العربية لأنّهم بتعلم تلك اللغة تعلموا (أوهام) العرب أيضا.
اليوم كلّ فيلسوف قريب من وسائل الإعلام، بمن فيهم النقاد من أمثال (توماس فريدمان) يثرثرون على نفس الوتر، مضيفين إلى ذلك أوصافهم العلمية للعرب أنّه من بين الأوهام الكثيرة للغة العربية المعتنقة بشكل مشترك الـ(أسطورة) بأنّ العرب يعتبرون أنفسهم شعبا. إنّ العرب حسب ما يراه مثل هؤلاء الخبراء مثل (توماس فريدمان وفؤاد عجمي) عبارة عن جماعة مفككة من المتشردين الجوالين، وقبائل بأعلام، متنكرين كثقافة وشعب.
من السهل أن يبرز المرء أنّ هذا مجرّد وهم استشراقي هذياني، له نفس وضع الاعتقاد الصهيوني بأنّ فلسطين كانت أرضا فارغة وأنّ الفلسطينيين لم يكونوا هناك وبالتأكيد لا يعتبرون شعبا. من النادر أن يحتاج المرء إلى إثبات بطلان هذه المعتقدات النابعة بوضوح من الخوف والجهل.
لكن ليس هذا كلّ ما هناك. إذ يُوبخ العرب دائما لعجزهم عن التعامل مع الواقع، وتفضيل الكلام الطنان على الحقائق، والتمرغ في الإشفاق على الذات وتبجيل الذات بدلا من الروايات الرزينة للحقيقة. الموضة الجديدة هي الإشارة إلى تقرير برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة في العام الماضي كوصف (موضوعي) لاتهام العرب لذاتهم. يا لبؤس ذلك التقرير، كما أشرت، فهو ضحل وليس أكثر من ورقة طالب خريج، ويعكس بشكل ناقص العلوم الاجتماعية، ومكرّس لإثبات أنّ العرب يستطيعون قول الحقيقة عن أنفسهم وأنّه دون مستوى قرون من الكتابة النقدية العربية من زمن ابن خلدون إلى الوقت الحاضر. بإبعاد كلّ ذلك جانبا كالسياق الفخم الذي تجاهله مؤلفو التقرير فربما من الأفضل لو أثبتوا أنّ تفكيرهم يتماثل مع البراغماتية الأمريكية. وقد قال خبراء آخرون إنّ العربية كلغة غير دقيقة وغير قادرة على التعبير عن أيّ شيء بالدقة الحقيقية. إنّ مثل هذه الملاحظات ضارة جدا إيديولوجيا ولا تحتاج إلى برهان في رأيي».
إصدارات
التخييل والواقع
يقدّم الناقد والمترجم المغربي مصطفى النحال لكتاب «التخييل والواقع، دراسة في المؤشرات والحدود والعوالم»، الصادر أخيرا عن المركز الثقافي للكتاب، قائلا: «انطلاقا من المستجدات النظرية في مجال السرديات ما بعد الكلاسيكية، يعيد كتابي قضايا محددات التخييل في علاقاته بالواقعي، وقضايا الحدود والمؤشرات، إضافة إلى العوالم التخييلية الممكنة.
ربّما يكون التخييلُ واحداً من المفاهيم التي يَعْتَقِدُ الجميع أنّهُم يعرفون ما هو. يقولون إنّ هناك محكيّاتٍ واقعيّةً من جهةٍ، ومحكيّات تخييليّة من جهة أخرى، وإذا كانت الأولى ترْوي وقائع حقيقية، فإنّ الثانيةَ تروي وقائع مُتخيَّلَة. الأولى تتولّى إخبارَنا بواقعيّة الأشياء، والثانية تجعلنا نحْلُمُ. غير أنّ مختلف هذه التمييزات والفروقات، ذات الطّابَع البديهيّ والمُطمْئِن بطبيعة الحال، سرعان ما بدأتْ تتلاشى وتتبدّد بكيفيّةٍ تدريجيّة، مع تنامي التفكير النظري في التخييل، وتزايُد عدد المُنخرِطين في هذا التفكير، منذ بداية الألفية الجديدة بالخصوص.
لقد أصبح واضحاً، اليوم، أنّ التخييليَّ يوجد في المحكيات التي تَعتبرُ نفسَها واقعية، وأنّ الواقعيَّ لا يخلو منه أيّ تخييل. أَلَا تتّخذ المحكيّات التخييلية، في كثيرٍ من الأحيان، مظْهَرَ محكيّ واقعيّ قصْد إضْفاء مظهر الواقع على القصص المُتَخيَّلة التي ترويها؟
والمحكيّاتُ الواقعيّة، أَلَا تتحوّل، في كثير من الأحيان، إلى تخييلٍ من خلال حركةٍ لا إراديةٍ تدفع المرْء إلى اعتماد أسلوب المحكيات الروائية التي قرأها في كتاباته؟ أمّا الحدود الفاصلة بيْنهما، فإنّ إثباتَها بات أصْعَب بكثير. فلا نكاد ندري، اليوم، أيْن تبدأ العتبة الفاصلة بيْن نطاقِ التخييل ونطاق الواقع، ولا مَنْ يُحدّدُ هذه العَتبة.
متوجون
القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية
أعلنت لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية عن قائمتها القصيرة في دورتها التاسعة عشرة، برئاسة محمد القاضي وأعضاء لجنة التحكيم: شاكر نوري كاتب ومترجم عراقي، وضياء الكعبي أكاديمية وناقدة بحرينية، وليلى هي وون بيك أكاديمية من كوريا الجنوبية، ومايا أبو الحيات كاتبة ومترجمة فلسطينية، إضافة إلى ياسر سليمان رئيس أمناء الجائزة وفلور مونتانارو منسقة اللجنة.
تضمنت القائمة الروايات التالية: «أصل الأنواع» صادرة عن منشورات حياة، للروائي أحمد عبد اللطيف من مصر، و«منام القيلولة» صادرة عن دار العين، للروائي أمين الزاوي من الجزائر، و«فوق رأسي سحابة» صادرة عن دار العين، للروائية دعاء إبراهيم من مصر، و«أغالب مجرى النهر» صادرة عن هاشيت أنطوان للروائي سعيد خطيبي من الجزائر، و«الرائي» صادرة عن دار رشم للنشر والتوزيع للروائي ضياء جبيلي من العراق و«غيبة مي» صادرة عن دار الآداب للروائية نجوى بركات من لبنان.
وفي تعليقه على القائمة القصيرة، قال رئيس لجنة التحكيم، محمد القاضي: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يعاد استحضارها وقراءتها لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة، إن هذه الروايات تعبير عن المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية وعن مدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم وتجعلها خطابا يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص». في حين أشار رئيس مجلس الأمناء ياسر سليمان: «تطوّرت الرواية العربية تطوّرًا لافتا خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمةً بخطى واثقة اعتمادا على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالمًا من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحيانًا بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافيًا وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة، وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكًا فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح، كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».












