حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

أنغولا وندوب الحرب الأهلية

يونس جنوحي

 

الحروب الكبيرة تُنسي العالم مآسي البشر الذين يعيشون على الهامش. ورغم أن الكرة الأرضية يفترض أنها «كروية» الشكل لا مكان فيها للهوامش، إلا أن الاقتصاد ولعنة «الجغرافيا» يتحالفان معا، لكي ينتجان «مآسي» الساحات الخلفية.

وهذه الساحات الخلفية هي التي تدور فوقها الحروب الطاحنة منذ أكثر من نصف قرن. معظم الدول الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، ليست في نظر القوى العالمية التي تقرر في مصير العالم، سوى باحات خلفية لمعارك شركات الأدوية وشركات المناجم التي تنقب عن الألماس والمعادن النفيسة، وتعتبر الحروب الأهلية والانقلابات العسكرية مجرد «مطبات» و»حوادث شغل».

عندما وصل البابا ليون الرابع عشر، في جولته الإفريقية الحالية، إلى أنغولا، نهاية الأسبوع الماضي، كان أول ما وصف به البلاد: «جميلة ولكنها جريحة».

الحرب الأهلية التي عرفتها أنغولا ما بين 1975 و2002، كانت كافية لتجعل البلاد حطاما، هذا ما يظهر في الواجهة. لكن الدمار الحقيقي هو الذي أصيب به البشر، مواطنون مدمرون ذاقوا الويلات، عائلات شردت فوق خريطة العالم، ودفنت أحباءها في أعماق المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، وهم يحاولون الهروب إلى الضفة الأخرى من العالم، بحثا عن حياة أفضل من تلك التي هربوا منها في أنغولا.

أنغولا ليست إلا مثالا على المآسي التي عرفتها القارة الإفريقية، خلال القرنين الأخيرين. البرتغال وإسبانيا وألمانيا وبلجيكا وفرنسا، وحتى هولندا، اعترفت جميعا بارتكاب مجازر في هذه الدول الإفريقية -أنغولا واحدة منها- على مدى عقود. هناك جرائم طالها تقادم الأنظمة، أي أن الجهات التي ارتكبتها لم يعد لها أي وجود سياسي في دول أوروبا، لكن أفكارها ما زالت تغذي اليمين المتطرف. وهناك جرائم ارتُكبت من طرف القوى التي ما زالت تقرر في سياسات الاتحاد الأوروبي إلى اليوم.

نتحدث عن الأحداث التي عرفتها الدول الإفريقية خلال الخمسين سنة الأخيرة. تسريبات الوثائق السرية للسفارات الأوروبية، ووثائق الخارجية الأمريكية التي رفعت عنها السرية سنة 2012، كشفت تواطؤ حكومات في دعم انقلابات عسكرية في القارة الإفريقية، منذ 1960 على الأقل. وهذه الحكومات كانت مدعومة بوضوح من طرف لوبيات الاقتصاد، خصوصا عالم التنقيب عن الذهب والزئبق والألماس، وتسويق الأدوية -خصوصا لقاحات الأوبئة- وكان هدفها تحقيق المكاسب الاقتصادية، ولو على حساب مآسي الشعوب.

والنتيجة أن مواطني هذه الدول المنكوبة شكلوا موجة هجرة مكثفة نحو أوروبا، خلال الثلاثين سنة الأخيرة على الأقل. وأبدع اليمين الأوروبي في محاربتهم بكل الطرق، واعتبرهم أصل مشاكل أوروبا الحالية، في حين أن هروبهم الجماعي إلى القارة العجوز ليس إلا نتيجة طبيعية للتراكمات السياسية والاقتصادية.

الذين وقفوا لسماع كلمة البابا في أنغولا ليسوا إلا «العالقين» في البلاد، أي الذين لم يرتكبوا جُرْمَ «المغامرة».

ورغم درجة التدين الكبيرة في أوساط الأنغوليين، وارتباط المواطنين بالكنيسة والقداس والتزامهم الكنسي، إلا أن انتشار اليأس في أوساط مواطني دول إفريقيا جنوب الصحراء عموما، لا بد أن يعكر صفو زيارة البابا إلى الدول الإفريقية الأربع المبرمجة في جولته الحالية.

المنتمون إلى هذه الدول الإفريقية معنيون بخطاب البابا ليون الرابع عشر، لكن هؤلاء بالضبط يفضلون أن يلتقطوا صورة أمام بنايات الفاتيكان، ويرسلوها إلى الأقارب، على أن يتابعوا كلمة «البابا» مباشرة وهو يرى كيف أن الحرب وحدها قادرة على حفر الندوب في نظرات البشر، قبل جِلدهم.

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى