
بعيدا عن جدل التقارير التي تصدرها العديد من المؤسسات الدولية حول التعليم بالمملكة المغربية، والمؤشرات السلبية التي تجد دائما من يبررها من المسؤولين بإكراهات ومعيقات لا تغير من الواقع شيئا، يجب علينا الاعتراف بأعطاب التعليم العمومي الظاهرة والباطنة، والخروج بشكل مستعجل من دائرة التشخيص المغلقة والتخمة التي نعاني منها في هذا المجال، إلى فضاء الإصلاحات الحقيقية وتنزيلها وفق الجودة المطلوبة.
فإصلاح التعليم بالمغرب ظل شعارا تحمله الأحزاب السياسية لعقود من الزمن، وظلت النقابات والتنسيقيات التي تنبت كالفطر تستعمله في خدمة الأجندات وتحقيق المكاسب والامتيازات لفائدة القيادات ومن يدور في فلكها، كما فشلت كل البرامج السابقة الاستعجالية منها وتلك التي تروم تحقيق الأهداف على المدى الطويل في تحقيق هدف إصلاح التعليم، رغم صرف الملايير من المال العام، وها هي الملفات توجد لدى المحاكم في جلسات محاكمات ماراثونية ومطاردة الساحرات.
إن إصلاح قطاع التربية والتعليم ليس فقط مسألة تتعلق بالحكومات المتعاقبة، أو الأحزاب وفشلها في تقديم برامج واضحة وقابلة للتنزيل، بل الأمر يتعلق بمشروع مجتمعي يجب أن يساهم فيه الجميع من الأسرة والمدرسة والنقابات والأطر التربوية والإدارية وجمعيات آباء وأولياء التلاميذ، والجمعيات المهتمة بحقوق الطفل، ولجان التفتيش والصرامة في تتبع ملايير الصفقات العمومية، والتفعيل الأمثل لربط المسؤولية بالمحاسبة.
فنحن في الحقيقة لسنا في حاجة إلى مراكز الرصد والمؤسسات الدولية لتنبهنا إلى مكامن فشل التربية والتعليم، لأننا ببساطة نعيش ذلك في واقعنا وتفاصيل يومنا، حيث ترتفع نسبة الهدر المدرسي، ويغيب التكوين، ويضيع الشباب في مسارات خطيرة كالجريمة والتطرف والإدمان بأنواعه، وتتراجع قيمة التربية بشكل مهول وظهور ذلك في السلوكيات المشينة للأطفال والقاصرين، وملفات الشغب والسرقة والسياقة الاستعراضية والتحرش الجنسي وكل الموبقات نابعة من تراجع التربية بصفة عامة، لذلك تسبق التربية التعليم، لكن الذي وقع عندنا هو التهافت على التعليم والنفخ في النقط، مقابل إهمالنا لقيم التربية، فأصبحنا بلا تعليم ولا تربية للأسف.
وإذا كان هناك من يستخسر صرف الملايير وتخصيص ميزانيات ضخمة للتربية والتعليم، فعليه تجريب كلفة الجهل ليشاهدها في تخريب الممتلكات العامة والخاصة، وضياع فئة الشباب التي تمثل مستقبل الوطن، وفرملة مؤشرات التنمية وتحول سواعد تحمل الوطن إلى مصاف الدول المتقدمة، إلى معاول هدم لكل ما هو جميل ومفيد، ودخول الأنفاق المظلمة للجهل والجريمة وفساد المجتمع.
لقد أصبح التعليم تجارة إلى حد ما وهي مسألة تحتاج إلى وقفة تأمل حقيقية، وإعادة التعليم العمومي إلى سكته الصحيحة وتصحيح أعطابه بنكران للذات والصدق مع الله والوطن والملك من قبل جميع المتدخلين، لأن عيوب البنيان قد تنتهي بانهيار البناية ومحدودية الضحايا والخسارة المادية، لكن عيوب بناء الإنسان تبعاتها كارثية على مستقبل جيل أو أجيال كاملة، والخاسر الأول هو المصالح العليا للوطن، لذلك بعيدا عن المزايدات السياسية وركوب ملفات التعليم لتحقيق غايات شخصية، نحتاج في هذا الوقت بالضبط إلى أصوات الحكمة والتجربة والإخلاص، وسواعد جادة و«المعقول» لخدمة التربية قبل التعليم، ولنا في أجدادنا عبرة، بحيث علموا أجيالا في ظروف قاسية، وزرعوا فيهم روحا وطنية عالية وحبا للعلم وقيما نبيلة هي التي تروي جفاف هذا الزمان.





