استراتيجية تدبير مخاطر الكوارث الطبيعية
مخاطر تكلف الاقتصاد الوطني خسائر تتجاوز 800 مليار سنويا

ظلت العديد من أقاليم منطقة الغرب والقصر الكبير تعاني، في الأسابيع الماضية، من آثار الفيضانات التي ضربت هذه الأقاليم، التي أعلنتها الحكومة مناطق منكوبة. وأكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي أن المغرب يعد من بين البلدان الأكثر عرضة لمخاطر الكوارث الطبيعية، وذلك نتيجة لما يتسم به من تقلبات في الظروف المناخية في تضافرها مع تنوعه الجيولوجي والجغرافي. وأوصى المجلس بتعزيز استخدام الرقميات في الوقاية من المخاطر الطبيعية عن طريق تطوير أنظمة المعلومات الجغرافية والذكاء الاصطناعي، وذلك بغية استشعار الكوارث المحتملة وإخطار الساكنة حول السلوكات الواجب اعتمادها. وأفاد المجلس بأن كلفة الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الكوارث الطبيعية بالمغرب تتجاوز 8 ملايير درهم سنويا، وهو ما يمثل 0.8 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي للمملكة. ولمواجهة مخاطر الكوارث الطبيعية، اعتمد المغرب الاستراتيجية الوطنية لتدبير مخاطر الكوارث الطبيعية في أفق 2030، التي تروم تحقيق هدفين أساسيين، هما التقليص والحد من آثار الكوارث الطبيعية وتعزيز قدرة المواطنين ومؤسسات التراب الوطني على مواجهتها، والمساهمة في ضمان تحقيق تنمية ترابية مستدامة شاملة لجميع فئات المجتمع.
تدبير الكوارث الطبيعية.. تجربة مغربية متفردة
يشكل تدبير الكوارث الطبيعية في المغرب ورشا استراتيجيا متواصلا، بالنظر إلى موقعه الجغرافي وتنوع مناخه وتضاريسه، ما يجعله عرضة لفيضانات وزلازل وحرائق غابات وموجات جفاف متكررة. وقد كشفت السنوات الأخيرة، خاصة بعد زلزال الحوز سنة 2023، عن أهمية الانتقال من منطق التدخل الظرفي إلى منطق التخطيط الاستباقي المبني على تقييم المخاطر وتعزيز القدرة على الصمود. في هذا السياق، اعتمدت المملكة مقاربة متعددة الأبعاد، تمزج بين البعد المؤسساتي والتشريعي واللوجستي، إلى جانب إشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص في جهود الوقاية والاستجابة وإعادة الإعمار.
خطط للطوارئ
تستند منظومة تدبير الكوارث إلى أدوار محورية تضطلع بها مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها وزارة الداخلية التي تشرف على تنسيق عمليات الإغاثة عبر الولاة والعمال، وتفعيل لجان اليقظة الإقليمية. كما تلعب المديرية العامة للوقاية المدنية دورا أساسيا في التدخل الميداني والإنقاذ، سواء خلال الفيضانات أو انهيار المباني أو حرائق الغابات. ويعتمد هذا التنسيق على خطط طوارئ محينة، تتكامل فيها جهود القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والسلطات المحلية، ما يسمح بتسريع الاستجابة وتقليص الخسائر البشرية والمادية.
على المستوى التشريعي، راكم المغرب ترسانة قانونية مهمة تؤطر مجال تدبير المخاطر، من خلال قوانين تتعلق بالبناء في المناطق الزلزالية، وإعداد التراب، والوقاية من الفيضانات. كما تم إحداث صندوق خاص لمواجهة آثار الكوارث الطبيعية، يهدف إلى تمويل عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار. ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا بضرورة الانتقال من رد الفعل إلى التخطيط المسبق، عبر فرض معايير هندسية صارمة في البناء، خاصة في المناطق المعرضة للهزات الأرضية أو الانجرافات.
وقد شكل زلزال 8 شتنبر 2023، الذي ضرب إقليم الحوز ونواحي مراكش، لحظة مفصلية في تقييم الجاهزية الوطنية. فقد أظهرت سرعة انتشار فرق الإنقاذ وتعبئة الموارد اللوجستية قدرة كبيرة على التحرك في ظرف قياسي، رغم صعوبة التضاريس الجبلية. كما برزت أهمية التنسيق بين مختلف المتدخلين، بما في ذلك المجتمع المدني والمتطوعين، الذين لعبوا دورا بارزا في تقديم المساعدات الأولية. غير أن هذا الحدث كشف أيضا عن الحاجة إلى تعزيز البناء المقاوم للزلازل في الوسط القروي، وتكثيف حملات التحسيس بالمخاطر.
وفي ما يتعلق بالفيضانات، التي تعرفها مناطق الغرب واللوكوس وسوس بين الفينة والأخرى، يعتمد المغرب على سياسة السدود باعتبارها خط الدفاع الأول ضد السيول. وقد مكنت هذه السياسة، التي تعود إلى ستينيات القرن الماضي، من تقليص آثار الفيضانات وتنظيم الموارد المائية. غير أن التغيرات المناخية تفرض تحديات جديدة، حيث أصبحت التساقطات أكثر حدة وتواترا، ما يستدعي تحديث خرائط المخاطر وتوسيع شبكات تصريف مياه الأمطار داخل المدن، خصوصا في الأحياء الهامشية.
أما في مجال مواجهة حرائق الغابات، فقد عززت المملكة أسطولها الجوي المخصص لإخماد الحرائق، واقتنت طائرات متخصصة لهذا الغرض. وتعمل المصالح المعنية على مراقبة الغابات عبر أبراج للرصد ودوريات استباقية، خاصة خلال فصل الصيف. كما تم تطوير آليات للإنذار المبكر تعتمد على المعطيات المناخية، لتحديد المناطق الأكثر عرضة للاشتعال. وتبقى مشاركة السكان المحليين عاملا حاسما في التبليغ السريع عن أي بؤر حريق، ما يساهم في تطويقها قبل انتشارها.
وتلعب المديرية العامة للأرصاد الجوية دورا محوريا في منظومة الإنذار المبكر، من خلال إصدار نشرات إنذارية حول الأمطار الغزيرة أو الرياح القوية أو موجات الحر. وقد تطور نظام اليقظة الجوية بشكل ملحوظ، مع اعتماد ألوان تحذيرية تتيح للمواطنين فهم مستوى الخطورة. ويسهم هذا النظام في تمكين السلطات من اتخاذ تدابير استباقية، مثل إغلاق الطرق، أو تعليق الدراسة مؤقتا، بما يقلل من المخاطر المحتملة.
على الصعيد الدولي، يندرج تدبير الكوارث ضمن التزامات المغرب في إطار اتفاقيات أممية، من بينها الأمم المتحدة وبرنامجها للحد من مخاطر الكوارث. كما يستفيد المغرب من تبادل الخبرات والتجارب مع دول أخرى، سواء في مجال إعادة الإعمار، أو تطوير أنظمة الإنذار المبكر. وقد عززت الكوارث الأخيرة التعاون الإنساني، حيث تلقى المغرب دعما لوجستيا وتقنيا من عدد من الدول، في إطار شراكات قائمة على التضامن واحترام السيادة الوطنية.
إشكاليات ميدانية
رغم المكتسبات، تظل إشكالية البناء غير المنظم والتوسع العمراني العشوائي من أبرز التحديات. فالكثير من الخسائر المسجلة خلال الفيضانات أو الزلازل ترتبط بمساكن شيدت دون احترام معايير السلامة. لذلك، يبرز دور الجماعات الترابية في مراقبة التعمير، وفرض احترام الضوابط القانونية. كما أن تعزيز ثقافة الوقاية لدى المواطنين، عبر إدماج التربية على المخاطر في المناهج الدراسية، يمكن أن يسهم في تقليص الخسائر مستقبلا.
إعادة الإعمار تشكل بدورها مرحلة دقيقة في مسار تدبير الكوارث. فالأمر لا يتعلق فقط بإصلاح الأضرار، بل بإعادة البناء بشكل أفضل وأكثر صلابة. وقد اعتمدت الدولة بعد زلزال الحوز برنامجا متكاملا لإعادة بناء المنازل المتضررة، مع تقديم دعم مالي مباشر للأسر. ويهدف هذا التوجه إلى ضمان عودة الحياة الاقتصادية والاجتماعية إلى طبيعتها، مع تحسين جودة السكن والبنيات التحتية، بما يعزز القدرة على الصمود في مواجهة كوارث محتملة.
في المحصلة، يتجه المغرب نحو ترسيخ نموذج متكامل في تدبير الكوارث الطبيعية، قائم على الاستباقية والتنسيق المؤسساتي والتضامن المجتمعي. غير أن تحديات التغير المناخي وتزايد الكثافة السكانية تفرض مواصلة تحديث السياسات العمومية، وتعزيز البحث العلمي في مجال تقييم المخاطر. فالكارثة، مهما كانت طبيعية في أسبابها، يمكن الحد من آثارها عبر التخطيط الجيد والحكامة الرشيدة. ويبقى الرهان الأكبر هو تحويل كل تجربة صعبة إلى درس يعزز الجاهزية الوطنية ويحمي الأرواح والممتلكات.
الكوارث الطبيعية تكلف 800 مليار سنويا ولفتيت يكشف تفاصيل تدبير مخاطرها
أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي أن المغــرب يعد مــن بيــن البلــدان الأكثــر عرضــة لمخاطــر الكــوارث الطبيعيــة، وذلــك نتيجــة لمــا يتســم بــه مــن تقلبـات فـي الظـروف المناخيـة فـي تضافرهـا مـع تنوعـه الجيولوجـي والجغرافـي.
8 ملايير درهم خسائر الكوارث الطبيعية
أفاد المجلس الاقتصادي والاجتماعي، في رأي له، بأن كلفة الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الكوارث الطبيعية بالمغرب تتجاوز 8 ملايير درهم سنويا، وهو ما يمثل 0.8 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي للمملكة. وفـي هـذا الصـدد، تتسـبب الفيضانـات بخسـائر تقـدر بأزيـد مـن 4 مليـارات درهـم فـي المتوسـط سـنويا، فيمـا وصـل حجـم الأضـرار الاقتصاديـة الناجمـة عـن الـزلازل إلـى 900 مليـون درهـم فـي المتوسـط سـنويا، بينمـا تؤثـر موجـات الجفـاف علـى القطـاع الفلاحـي، حيـث يصـل متوسـط الخسـائر السـنوية للمحاصيـل الزراعيـة إلـى حوالـي 3 مليـارات درهـم.
وتزامنا مع الفيضانات التي تشهدها أقاليم الغرب ومدينة القصر الكبير، كشف وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، عن تفاصيل الاستراتيجة الوطنية المندمجة لتدبير الكوارث الطبيعية، من خلال اعتماد مقاربة استباقية لتدبير هذا النوع من الظواهر. وأوضح لفتيت، في جواب عن سؤال كتابي وضعته البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، نعيمة الفتحاوي، أنه، بهدف مواصلة المجهودات المبذولة في تنفيذ التعليمات الملكية، تم الانخراط، خلال السنوات الأخيرة، في مسلسل يرمي إلى بلورة رؤية استراتيجية موحدة في صفوف مختلف الفاعلين والمتدخلين المعنيين بتدبير الكوارث الطبيعية، وفق مقاربة استشرافية مندمجة قوامها الوقاية بدل الاقتصار على التدخل عند حدوث الأزمات.
استراتجية وطنية لتدبير الكوارث الطبيعية
أكد وزير الداخلية على اعتماد الاستراتيجية الوطنية لتدبير مخاطر الكوارث الطبيعية في أفق 2030، التي تروم تحقيق هدفين أساسيين، هما التقليص والحد من آثار الكوارث الطبيعية وتعزيز قدرة المواطنين ومؤسسات التراب الوطني على مواجهتها، والمساهمة في ضمان تحقيق تنمية ترابية مستدامة شاملة لجميع فئات المجتمع، خاصة الهشة منها.
وتشمل هذه الاستراتيجية أربعة من المخاطر الأكثر حدة أو تواترا التي تهدد المغرب، بهدف التكفل بها بشكل متكامل في إطار دورة تدبير مخاطر الكوارث الطبيعية المعمول بها دوليا، وأخذها بعين الاعتبار في إعداد وتنفيذ مخططات التنمية الترابية ووثائق التعمير، ويتعلق الأمر بمخاطر الزلازل والفيضانات وانجرافات التربة والتسونامي.
وفي هذا السياق، يضيف الوزير، تتم حاليا مواصلة تنزيل هذه الاستراتيجية وفق خطة عمل شاملة، وفق محاورها الخمسة التي تتمثل في تعزيز حكامة تدبير المخاطر الطبيعية، وتحسين معرفة وتقييم المخاطر الطبيعية، والوقاية من المخاطر الطبيعية وتنمية القدرة على المواجهة، والاستعداد للكوارث الطبيعية من أجل النهوض السريع وإعادة البناء الفعال، بالإضافة إلى تعزيز البحث العلمي والتعاون الدولي وتقوية القدرات في مجال تدبير المخاطر الطبيعية.
وأبرز الوزير أن هذه المحاور تتماشى مع مختلف مراحل دورة تدبير المخاطر المذكورة، والتي تبتدئ بالمعرفة ثم الوقاية والاستعداد للأزمة والتدخل وتنتهي بإعادة الإعمار والبناء، الأمر الذي تمت ترجمته، في إطار خطة العمل المشار إليها، إلى 18 برنامجا يضم 57 مشروعا، وتضم هذه المشاريع بدورها 165 إجراء كفيلة بتحقيق تغطية شاملة للمناطق المهددة بمخاطر الكوارث الطبيعية بآليات وقائية متعددة المخاطر.
مقاربة استباقية
أبرز عبد الوافي لفتيت أن وزارة الداخلية تضطلع بدور محوري في تنسيق تدخلات مختلف الفاعلين المعنيين بتدبير مخاطر الكوارث الطبيعية، سواء بصفة استباقية عبر تنزيل هذه الاستراتيجية الوطنية، أو من خلال تنسيق عمليات التدخل أثناء الأزمات على المستويين المركزي والترابي.
وفي هذا الإطار، يضيف الوزير، جرى تنزيل مشاريع وإعداد دراسات لتحسين معرفة وتقييم مخاطر الكوارث الطبيعية، من بينها إعداد خرائط قابلية التعمير لتغطية مختلف جهات التراب الوطني، من أجل تحديد المناطق المعرضة للمخاطر الطبيعية بدقة، وتصنيفها إلى ثلاثة أنواع مناطق قابلة للبناء ومناطق غير قابلة للبناء ومناطق قابلة للبناء بشروط، وإعداد خرائط تحديد المخاطر الطبيعية على مستوى التراب الوطني، وإنجاز دراسة تتعلق بتقييم الإطار التنظيمي للوقاية من المخاطر الطبيعية في مجال التهيئة الحضرية والتخطيط العمراني، مرفقة بخطة عمل وطنية تروم تحسين وتطوير الآليات المعتمدة في هذا المجال.
وتحدث لفتيت عن وضع استراتيجيتين مندمجتين متعددتي القطاعات لتحقيق المرونة الحضرية في كل من مدينتي فاس والمحمدية، في انتظار تعميم هذه المنهجية على مستوى المدن الأكثر تعرضا للمخاطر الطبيعية، فضلا عن إعداد ضابط توجيهي وطني لتعزيز مرونة البنيات التحتية الأساسية واستمرارية الخدمات الحيوية، مع إحداث هياكل للحكامة والتنسيق القطاعي لتنزيله.
التقليص من آثار الكوارث
في إطار تنزيل الاستراتيجية، تمت برمجة وتنفيذ مجموعة من المشاريع الهادفة إلى التقليص من آثار الكوارث الطبيعية وتطوير القدرة على الصمود في مواجهتها، وكذا تنزيل عدة برامج للتكوين والتحسيس في هذا المجال، من أهمها إنجاز مشاريع لتحسين أنظمة الرصد والمراقبة والإنذار المبكر والحماية، واعتماد نظام مندمج رائد للمساعدة على تدبير مخاطر الفيضانات، من خلال إحداث مركز عملياتي لليقظة والإنذار والمساعدة على تدبير مخاطر الفيضانات على مستوى وزارة الداخلية سيمكن من إخطار السلطات المحلية بشكل استباقي.
وأفاد الوزير بأنه جرى تنفيذ هذا المشروع، في مرحلة أولى، في أربع مناطق معنية بمخاطر الفيضانات على صعيد التراب الوطني موزعة على مدينة المحمدية ووادي أوريكا بنواحي مراكش، ومنطقة الغرب ومنطقة كلميم، وتم تزويد الأقاليم المعنية بمراكز تدبير خطر الفيضانات، وكذا وكالات الأحواض المائية الكائنة بها بمراكز للتنبؤ بالحمولات المائية، ومن المرتقب تعميمه على مستوى باقي المناطق الأكثر عرضة لهذا النوع من المخاطر، ويتم حاليا الانتهاء من إعداد دراسة تتعلق بإحداث مركز وطني مزود بنظام مندمج للتنبؤ بالحمولات على صعيد وزارة التجهيز والماء.
ومن بين التدابير المتخذة، كذلك، تعزيز التغطية بالرادارات وأنظمة قياس ورصد الظواهر المناخية، ووضع أنظمة القياس الهيدرولوجي والإنذار المبكر في المناطق الأكثر عرضة للفيضانات، وتعزيز الشبكة الوطنية لمراقبة الزلازل، بوضع محطات الرصد وتتبع النشاط الزلزالي، بالإضافة إلى تعزيز رادارات قياس نشاط المحيطات، ووضع صفارات التحذير وأجهزة لمكبرات الصوت بالمناطق المهددة بالفيضانات لبث الإنذارات بعدة لغات من أجل إشعار المواطنين وكذا في حالة تواجد السياح بضرورة الابتعاد عن أماكن الخطر.
إحداث نظام مندمج ومركز للإنذار للمساعدة على تدبير مخاطر الفيضانات
بعد صدور تقارير عن مؤسسات دولية ووطنية تحذر من مخاطر الكوارث الطبيعية، وخصوصا الفيضانات، أطلقت وزارة الداخلية مشروع «الرائد» لوضع نظام مندمج للمساعدة على تدبير مخاطر الفيضانات، وإحداث مركز لتدبير مخاطر الفيضانات.
ويهم هذا المشروع الرائد وضع نظام للتدبير المندمج والعملياتي لمخاطر الفيضانات، من خلال إحداث مركز عملياتي لليقظة والإنذار والمساعدة على تدبير مخاطر الفيضانات على مستوى وزارة الداخلية، سيمكن من إخطار السكان المعرضين لمخاطر الفيضانات بشكل استباقي، وضمان سلامة الأشخاص والسلع والأنشطة الاقتصادية للخطر، وسيتم تنفيذ هذا المشروع، الممول من صندوق محاربة آثار الكوارث الطبيعية، في مرحلة أولى، في أربع مناطق معنية بمشاكل الفيضانات على صعيد التراب الوطني، موزعة على منطقة حضرية (المحمدية)، ووادي (أوريكا)، وسهل (منطقة الغرب) ومنطقة صحراوية (كلميم). وسيتم تزويد كل منطقة من المناطق المعنية بمركز تنسيق إقليمي يوجد مقره، على التوالي، على مستوى عمالة المحمدية وأقاليم الحوز والقنيطرة وكلميم.
وتم إحداث النظام المندمج للمساعدة على تدبير مخاطر الفيضانات في إطار شراكة بين مختلف الفاعلين المعنيين بتدبير مخاطر الفيضانات، ويتعلق الأمر بوزارة الداخلية، ووزارة التجهيز والنقل واللوجيستيك والماء- قطاع الماء، ومديرية الأرصاد الجوية الوطنية، ومديرية البحث والتخطيط المائي، ووكالة الحوض المائي لأبي رقراق والشاوية، ووكالة الحوض المائي لدرعة واد نون، ووكالة الحوض المائي لسبو، ووكالة الحوض المائي لتانسيفت، وشريك دولي مشهود له بالخبرة في هذا المجال، ومن شأن هذا المشروع أن يمكن في المستقبل المنظور من توسيع النظام ليشمل جميع المناطق ذات الأولوية على مجموع التراب الوطني.
ويندرج المشروع لوضع نظام مندمج لمخاطر الفيضانات في إطار مواصلة الإجراءات المتخذة من أجل تدبير وقائي للمخاطر الطبيعية الكبرى بالمغرب، بهدف احتواء مخاطر الفيضانات، أو التخفيف من حدتها، وسيرتكز تدبير هذا المشروع على الرصد والتتبع والتوقعات والنشرات الإنذارية وتحديد مناطق الفيضانات وجمع ونشر وتتبع المعلومات الهيدرولوجية والهيدروليكية، ووضع مخططات عمل يتم تفعيلها في حالة المخاطر المرتبطة بالفيضانات.
وقد تم تنفيذ هذا المشروع، الذي تشرف عليه وزارة الداخلية، من خلال عدة شراكات، وخاصة مع القطاع المكلف بالماء، ومديرية الأرصاد الجوية الوطنية، ومديرية البحث والتخطيط المائي، كما تمت الاستعانة بشركاء دوليين مثل «بريديكت سيرفيس» وهي فرع دولي لـ«ميتيو فرنسا»، وإيربيس ومجموعة «بي إر إل»، وسيتم تنفيذ مكونات هذا المشروع من خلال جانبين؛ يتعلق الأول بإنشاء مركز لليقظة والإنذار والمساعدة على تدبير مخاطر الفيضانات، فيما يهم الجانب الثاني إحداث مركز لتوقعات الفيضانات.
ويندرج هذا المشروع كذلك، في إطار الجهود التي تبذلها السلطات العمومية والرامية إلى تعزيز قدرات ووسائل تدخل الفاعلين المعنيين، سيما التابعين للمديرية العامة للوقاية المدنية، وإلى تعزيز التنسيق من خلال إحداث مركز اليقظة والتنسيق في سنة 2008، وبرمجة الموارد المالية الضرورية عبر إحداث حساب خاص المسمى «صندوق محاربة آثار الكوارث الطبيعية» في عام 2009، وأوضحت أن هذه الجهود ما زالت غير كافية بالنظر إلى حجم الظواهر، التي تعتبر خطرة ومدمرة، وتعرض السكان لمخاطر وشيكة لا يمكن السيطرة عليها من الكوارث الطبيعية، التي أصبحت السيطرة عليها مسألة مستعجلة وإجراء ذا أولوية، وفي هذا الصدد، فعلت المؤسسات المعنية بالرصد واليقظة والإنذار، مثل وكالات الأحواض المائية والمديرية الوطنية للأرصاد الجوية، والمعهد الوطني للجيوفيزياء، إجراءات لتعزيز قدراتها واعتمدت مقاربة استشرافية في تدبير المخاطر الطبيعية.
هذا المشروع، تشرف عليه وزارة الداخلية بمشاركة جميع القطاعات المعنية، مثل مديرية الأرصاد الجوية الوطنية، ومديرية البحث والتخطيط المائي، ووكالات الأحواض المائية، وتم إنجاز هذا المشروع عبر عدة مراحل، ويتعلق الأمر بالتشخيص على المستوى المحلي والمركزي، ووضع وتشغيل وتقييم وكذا تحسين مسارات النظام، من أجل إعداد مخطط عمل الذي سيتم تعميمه على مستوى كافة المناطق الهشة والمعرضة لمخاطر الفيضانات.
هذا، وكشفت وثيقة صادرة عن البنك الدولي، بخصوص تقييم برنامج حول القرض الموجه إلى الحكومة المغربية لتمويل الخطة المتكاملة لمواجهة مخاطر الكوارث الطبيعية، أن المغرب مهدد بالزلازل والفيضانات، والتسونامي والجفاف والانهيارات الأرضية في جميع أنحاء البلاد، ما يستدعي اتخاذ جميع الإجراءات الاحترازية لمواجهة الوضع في المستقبل، وحدد برنامج التدبير المندمج للمخاطر، الذي أطلقه المغرب سنة 2009 بدعم من البنك الدولي، لائحة لأهم المخاطر التي يواجهها المغرب، وتم تحديد 5 مخاطر ذات الأولوية، وهي الفيضانات، والزلازل، والتسونامي، والجفاف، والانهيارات الأرضية، وذلك بناء على تقييم أولي، فيما تم إجراء تقييم احتمالي متقدم لهذه المخاطر.
411 مليار سنتيم لحماية الأرواح والممتلكات من مخاطر الفيضانات
أعلن وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، عن تخصيص ما يزيد عن 411 مليار سنتيم لتمويل المشاريع المندرجة في إطار الوقاية من مخاطر الفيضانات، بهدف حماية الأرواح والممتلكات والأنشطة الاقتصادية من عواقبها الوخيمة.
وأوضح الوزير في رده على سؤال كتابي تقدم به رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، أن السلطات العمومية تولي الأولوية الكبرى لظاهرة الفيضانات كونها تتسبب في خسائر بشرية ومادية كبرى تمس في أغلب الأحيان المناطق الأكثر عرضة لهذا النوع من الظواهر والغير قادرة على مواجهتها.
وأضاف لفتيت، أنه حرصا منها على نهج المقاربة الوقائية الاستشرافية للتخفيف والحد من آثار مثل هذه الظواهر الطبيعية، قامت السلطات الحكومية باتخاذ مجموعة من التدابير وكذا اعتماد آليات تنظيمية وقانونية ومالية بهدف حماية الأرواح والممتلكات والأنشطة الاقتصادية من عواقبها الوخيمة، وذلك عن طريق تدبيرها بشكل استباقي اعتمادا على الملاحظة والرصد واليقظة والتتبع والمراقبة والإنذار والتحسيس والوقاية وهي مقاربة أبانت عن فعاليتها ونجاعتها وقلة تكلفتها على مستوى التجارب الدولية.
وتتمثل هذه التدابير أساسا في تعزيز قدرات ووسائل عمل المؤسسات التي تعمل في مجال اليقظة والملاحظة والتتبع والإنذار بالفيضانات، ويتم ذلك عن طريق تعزيز وتقوية قدرات ووسائل عمل كل من وكالات الأحواض المائية، والمركز الملكي للاستشعار البعدي الفضائي والمديرية العامة للأرصاد الجوية، حيث أطلقت هذه الأخيرة في غضون سنة 2018 نظاما جديدا لليقظة الرصدية بشراكة مع وزارة الداخلية (المديرية العامة للوقاية المدنية ومركز اليقظة والتنسيق) ومديرية البحث والتخطيط المائي التابعة للوزارة المكلفة بالتجهيز والماء.
ويهدف هذا النظام إلى تحسين الإنذار لتمكين المواطنين من الحماية ضد الظواهر الجوية القصوى، خاصة الأمطار الغزيرة التي تنجم عنها الفيضانات حيث يمكن هذا النظام من إبراز ووصف المنطقة المعنية (عمالات وأقاليم والشرائط الساحلية)، حسب مستويات المخاطر المرتبطة بالظروف المناخية بالإضافة إلى اعتماد مشروع “ARIMA” الذي يهدف إلى جمع وتحليل المعطيات والبيانات المتعلقة بالمخاطر الطبيعية بما فيها خطر الفيضانات على مستوى جهة مراكش أسفي كمنطقة رائدة للمشروع.
ومن بين التدابير المتخذة كذلك، تمويل مجموعة من المشاريع التي تروم الحماية من خطر الفيضانات في إطار برنامج التدبير المندمج لمخاطر الكوارث الطبيعية والقدرة على مواجهتها، ويتضمن هذا البرنامج، الذي تم اعتماده منذ سنة 2016، ثلاث برامج فرعية من بينها برنامج فرعي يتعلق بالتحفيز على الاستثمار في المشاريع الوقائية الهادفة إلى الحد من آثار الكوارث الطبيعية، والتي يتم تمويلها بصفة مشتركة مع صندوق محاربة أثار الكوارث الطبيعية كدعامة مالية له والذي مكن منذ إحداثه إلى غاية السنة الجارية، من تحقيق مجموعة من الإنجازات في مجال الحماية والوقاية من خطر الفيضانات،
وفي هذا الصدد، كشف الوزير عن تمويل 197 مشروعا يتعلق بالوقاية من مخاطر الفيضانات يضم 127 مشروعا هيكليا، و 70 مشروعا غير هيكلي يشمل الدراسات ومخططات الحماية من خطر الفيضانات وأنظمة التتبع والإنذار وخرائط قابلية التعمير إلى ما غير ذلك من المشاريع المتعلقة بالمراقبة والرصد وتحديد المناطق الأكثر عرضة لهذا النوع من المخاطر الطبيعية، وذلك من أصل ما يفوق 250 مشروعا في المجموع شملت كافة جهات المملكة، بتكلفة إجمالية بلغت 4,11 مليار درهما ساهم فيها الصندوق المذكور بالثلث .
وأشار وزير الداخلية إلى تمويل مشروع رائد يعتبر الأول من نوعه على مستوى التراب الوطني بغلاف مالي قدره 32.6 مليون درهما. ويتعلق الأمر بمشروع وضع نظام مندمج للمساعدة على تدبير مخاطر الفيضانات ، تم اعتماده في بادئ الأمر على مستوى أربع محطات (المحمدية والقنيطرة وكلميم والحوز) ومن المرتقب أن يشمل لاحقا جميع المناطق الأكثر عرضة لهذا النوع من المخاطر على مستوى التراب الوطني.
وأبرز الوزير أنه في انتظار تفعيل لجان اليقظة الخاصة بالفيضانات المرتقب إحداثها بموجب القانون رقم 36-15 المتعلق بالماء، تم إحداث مصالح على مستوى عمالات وأقاليم المملكة، تسهر على تدبير وتتبع ورصد المخاطر الطبيعية وخاصة المتعلقة منها بالفيضانات، وذلك بالاعتماد على تقارير الأحوال الجوية وخرائط اليقظة التي تمدها بها المديرية العامة للأرصاد الجوية.
ثلاثة أسئلة لعتيق السعيد*:
«المغرب قدم نموذجا للصمود والتدبير الاستشرافي للكوارث الطبيعية»
- ما التحديات التي أفرزتها التغيرات المناخية وتدبير الكوارث الطبيعية؟
أفرزت إشكالية التغيرات المناخية وتنامي حدة الأزمات والكوارث الطبيعية توجها نحو بلورة توافق دولي حول أهمية الوقاية وتدبير الكوارث، والحد من مخاطرها بما يتيح إنقاذ الأرواح البشرية والتخفيف من حجم الخسائر المادية والبشرية الناجمة عنها. ويعزى تزايد هذه الخسائر إلى تداخل مجموعة من العوامل المؤثرة، من أبرزها النمو الديمغرافي المتسارع، والتمركز الحضري غير المتحكم فيه، وتدني جودة المساكن والمباني العمومية وعدم احترام ضوابط السلامة في البناء، إضافة إلى ضعف وهشاشة التجهيزات والبنيات التحتية.
وتسهم في تفاقم آثار الكوارث الطبيعية أيضا، العديد من الأسباب، خصوصا غياب التحكم في استعمال الأراضي داخل المناطق المعرضة للمخاطر، من قبيل السهول الفيضية ومجاري الوديان، إلى جانب الأضرار والتحولات التي تطول البيئة.
هذه الإشكالات شكلت، مجتمعة، دافعا أساسيا لتطوير السياسات الدولية في مجال تدبير الكوارث، حيث اعتمدت منظمة الأمم المتحدة الاستراتيجية العالمية للوقاية من الكوارث الطبيعية، بدعم من سبع وثلاثين وكالة ومؤسسة تابعة لها، بهدف تعزيز مقاربات الوقاية وتقوية قدرات الدول على الحد من مخاطر الكوارث.
ويعد المغرب، شأنه شأن العديد من الدول، من بين البلدان الأكثر تعرضا لمخاطر الكوارث الطبيعية، وذلك نتيجة ما يتسم به من تقلبات في الظروف المناخية، المتداخلة مع تنوعه الجيولوجي والجغرافي. وفي هذا السياق، شهدت الفترة الممتدة ما بين سنتي 2021 و2023، وصولا إلى السياق المناخي الراهن، بروز العديد من الظواهر الطبيعية القصوى، على غرار الفيضانات وموجات الجفاف والحر، غير أن الرهان الأساسي، في المقابل، يظل مرتبطا باعتماد ترسانة قانونية ملائمة وإرساء إطار مؤسساتي متكامل، يشكل مدخلا أساسيا لمجابهة مختلف التحولات المناخية، سيما على المستوى المالي.
ويقتضي ذلك استحضار واقع المخاطر الطبيعية بشكل منهجي، مع تحديد صريح لموقعها ضمن الميزانيات القطاعية للقطاعات المتدخلة في تدبير الكوارث الطبيعية. ومن شأن هذا التوجه أن يعزز مسار تطوير ودعم الآليات التمويلية المحدثة، سيما الصناديق القطاعية الخاصة بالمخاطر، وفي مقدمتها صندوق مكافحة آثار الكوارث الطبيعية، بما يسهم في تقوية أكبر للقدرات في الوقاية من المخاطر والتخفيف من آثارها.
وبناء عليه، فإن واقع التغيرات المناخية وتدبير الكوارث الطبيعية، باعتبارهما موضوع توافق دولي، يفرضان ضرورة الوعي بتداعياتهما المتعددة، ويستدعيان، كذلك، الوعي التدبيري بهدف التقليل من مخاطرهما وآثارهما، نظرا لكون هذه الظواهر لا ترتبط بسياق زمني أو بمجال جغرافي محدد، بل تتسم بطابعها العابر للحدود والمجالات.
- ماذا بخصوص تدبير الفياضات والسيول التي شهدتها مناطق الغرب والقصر الكبير؟
بداية لا بد من الوقوف عند الجهود الكبيرة التي بذلتها فرق الهندسة العسكرية بالقوات المسلحة الملكية والسلطات العمومية، بمختلف أجهزتها الأمنية، التي برهنت، كما هو مشهود لها، عن قدرات تقنية ولوجستية وتنظيمية عالية في تدبير الفيضانات والسيول في مختلف مناطق المملكة. يأتي ذلك في سياق رفع اللجنة الوطنية لليقظة لمستوى الجاهزية إلى أقصى درجاتها، تفعيلا للتعليمات الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس، القاضية بالتدخل الفوري للقوات المسلحة الملكية، مع تعبئة ونشر موارد بشرية ووسائل لوجستية مهمة لدعم ومساندة ساكنة المناطق المتضررة.
وجرى تفعيل التعليمات الملكية السامية الصادرة عن جلالة الملك، على أرض الواقع بشكل فعال، حيث نجحت التدخلات، في إطار مقاربة وقائية واستباقية، في تأمين، ليس فقط، المناطق المعنية مباشرة، بل أيضا مجموع المجالات التي يحتمل أن تتعرض لضغوط التغيرات المناخية، وتزامن ذلك مع تقييم منهجي للمخاطر، ورصد وتتبع دقيق لمختلف المناطق المعرضة للفيضانات، بالتوازي مع اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان حماية شاملة للمواطنين. وتم تنفيذ هذه التدخلات بسرعة ونجاعة عاليتين، ما أفضى إلى استجابة متكاملة أحاطت بمختلف أبعاد الحالة الاستثنائية التي فرضها الوضع.
فالمغرب نجح، بشكل مشهود، في تجاوز التحديات التي فرضتها التغيرات المناخية في ظل وضع استثنائي مثقل بتداعياتها، تمكنت فرق الهندسة العسكرية ومختلف السلطات المحلية والأمنية، تحت القيادة السامية لجلالة الملك، من تدبير الوضع بكفاءة وتأمين المواطنين بشكل سريع وفعال وناجع. وبات هذا التفوق يشكل نموذجاً فريدا على الصعيدين المغاربي والإفريقي لمؤسسته العسكرية والأمنية، ويعكس قدراتها التنظيمية والتقنية العالية في التعامل مع مختلف الأزمات والكوارث الطبيعية.
جدير بالذكر أن تدبير الوضع برهن، كما في كل مرة، على قوة التلاحم والتفاعل الإيجابي والمتين بين المواطن والسلطات العمومية، حيث جرى التعامل مع الأزمة وفق منظور إنساني تشاركي، موسوم بروح المسؤولية والانخراط الوطني. وتجلّى هذا التلاحم في تعاون المواطنين مع التدخلات واحترامهم لتوجيهات السلطات، ما يعكس علاقة ثقة متبادلة وروح وطنية مشتركة في مواجهة الأزمات. وطبع هذا المنظور مختلف التدخلات الميدانية الهادفة إلى الحد من اتساع رقعة الخسائر وتقليص آثارها، حيث قدمت فرق الهندسة العسكرية، إلى جانب السلطات العمومية والأمنية، تضحيات جسام بروح مغربية أصيلة وحس وطني رفيع، وقدرة على التفاعل الفوري والاستباقي، ما يعد مدعاة للفخر والاعتزاز لكل مغربي ومغربية في كل مكان.
- ما أهمية منصة المخزون والاحتياطات الأولية التي جرى إحداثها في تأمين الكوارث وتداعياتها؟
ارتباطا بالسياق ذاته، لا بد من الإشارة إلى الخطاب الملكي الذي دعا فيه الملك محمد السادس إلى ضرورة تعزيز السيادة الوطنية في مختلف المجالات، سيما في ظل الأزمات العالمية التي كشفت بشكل واضح مدى هشاشة الأنظمة العالمية أمام التحديات الكبرى، سيما التغيرات والأزمات. ووقف جلالته، أيضا، على أن الأزمة الوبائية آنذاك برهنت على عودة قضايا السيادة إلى الواجهة، مشيراً إلى نجاح المغرب في تأمين احتياجاته من المواد الأساسية خلال الأزمة، على عكس العديد من الدول الأخرى التي واجهت صعوبات كبيرة في ذلك.
يعكس هذا الوعي بأهمية تعزيز السيادة الوطنية إطلاق جلالة الملك لمشروع استراتيجي طموح يهدف إلى إنشاء منظومة وطنية متكاملة للمخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية، من خلال إحداث منصات جهوية للمخزون والاحتياطات الأولية بحيث يجسد هذا البرنامج الوطني نموذجاً مغربياً متقدماً في مجال الصمود والتدخل السريع للإغاثة، ويعتمد على مقاربة استباقية واستشرافية لمختلف أنواع الكوارث، بما في ذلك الفيضانات والزلازل والمخاطر الكيماوية والصناعية والإشعاعية.
وبالتالي تسعى هذه المنصات إلى تطوير آليات تدبير الأزمات من منظور ثلاثي الأبعاد: التكفل والرعاية، الحماية والدعم والتحصين والتأمين.. فضلا عن تعزيز البنيات التحتية الوطنية للطوارئ، تحسين منظومة التدخل وضمان سرعة الاستجابة والإغاثة، بما يغطي احتياجات تفوق ثلاثة أضعاف تلك التي تطلبها حادثة زلزال الحوز، مع تطوير منظومة وطنية لإنتاج التجهيزات اللازمة. ناهيك عن تصميم هذه المنصات التي اختيرت مواقعها وفق معايير السلامة، مع تحليل دقيق لاحتياجات كل جهة واعتماد أفضل الممارسات الدولية.
*أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض مراكش






