حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

فيضانات المغرب وتفسيرها

بقلم: خالص جلبي

 

في شتاء 2026 اجتاحت الفيضانات شمال المغرب وتم إجلاء أهل مدينة القصر الكبير، بسبب امتلاء السد المجاور واجتياح المنطقة، ويذهب البعض في تفسير الحدث مذاهب شتى، ولكن التاريخ يعطينا دروسا للفهم. ففي أعياد الميلاد من عام 2004م، اهتزت الأرض في سومطرة، وتحرك المحيط بموج كالجبال فابتلع اليابسة ومعها 150 ألف إنسان، وعقدت الدهشة الألسنة مما حدث. والطبيعة ليست مزاجية مثلنا، بل لها قوانينها التي لا تتبدل ولا تتغير. وخرج علينا الفقهاء بتفسيرات تقول إن الله انتقم في أعياد الميلاد من أولئك الفسقة بأشد من قنبلة نووية. ولكن بالتاريخ نفسه قبل سنة، وعند الساعة 5 و28 دقيقة من صباح 26 دجنبر 2003م، زلزلت الأرض زلزالها في مدينة (بام) الإيرانية، فانتهت حياة أكثر من ثلاثين ألف إنسان تحت الأنقاض، مع أن الزلزال لم تزد قوته على 6,3 درجات على سلم ريشتر. ولا يستبعد أن يأتي إنسان فيقول إن أهل (بام) (روافض) عاقبهم الله، ولكن قبل سنوات اهتزت الأرض في تركيا، فقتل فيها من المسلمين (السنة) عشرون ألفا.

وبعد زلزال (بام)، توجه الزلزال إلى أقصى الأرض، فضرب جزيرة (بالي) في أندونيسيا، ثم قفز إلى غرب الأرض فضرب مدينة (مكسيكو سيتي). وخلال شهر واحد اهتزت الأرض أكثر من 200 مرة، منها عشر مرات بقوة تجاوزت 6 درجات على سلم ريشتر.

وفي عام 1992م، ضرب الزلزال (القاهرة)، فخرت الأبنية الضعيفة ونجت القوية. وما حدث (للشيعة) في إيران و(السنة) في تركيا والقاهرة، حدث (للمسيحيين) في مدينة (سان فرانسيسكو) عام 1906، فارتجت الأرض وأصبحت المدينة كومة أشباح.

وفي عام 1995، ضرب الزلزال مدينة (كوبي) اليابانية، وهم ليسوا شيعة ولا سنة ولا مسلمين ولا مسيحيين. ولم يفرق الزلزال في ضربته بين عقائد الناس، بقدر خضوعهم جميعا لقانون واحد. وعندما تجتاح الكوليرا بلدا فبسبب القذارة. وفي عام 1905 كان يموت من أهل مدينة (هامبورغ) الألمانية كل يوم ألف مريض بالكوليرا. وعندما ينفجر الطاعون في الهند فبسبب تقديس الجرذان. وبمراجعة لتاريخ الزلازل، نعرف أن ما يحدث لا علاقة له بإيمان وكفر وطاعة ومعصية، ولكن العقل الذي يسبح في الخرافة والمجهول، مستعد للتورط في كل تفسير.

وقصص التاريخ حافلة، ففي عام1466م، مثلا، أصيب أهل أوروبا بذعر شديد، عندما حلق فوقهم مذنب كبير يلمع في كبد السماء، وكانت الأخبار عن سقوط القسطنطينية عام 1453م قد استغرقت ثلاث سنين، قبل أن تروع القارة العجوز بأحداثها، واستولى على الناس شعور مفاده، أن هذا المذنب علامة على وقوف الله بجانب الأتراك.

وفي عام 1578م، نشر أسقف ماغديبورغ (MAGDEBURG)، أندرياس سيليشيوس (ANDREAS CILICIUS)، كتابا يفسر اندفاع هذه المذنبات في السماء، بكثافة خطايا البشر، فتتشكل ضفائر ثخينة صفراء تحلق في الملكوت. ولم تكن النار المحلقة في الأفق عام 1466 سوى مذنب (هالي) الشهير، الذي يقوم بزيارتنا كل سبعين سنة مرة. ولو كانت المذنبات الثخينة تُضفر من جدائل خطايا البشر، لفوجئنا بامتلاء السماوات بها من دون توقف، فدم الإنسان يسفك على مدار الساعة.

وبركان (فيزوف) انفجر، ليس لأن أهل بومبي كانوا فجرة، فأهل (روما) كانوا أظلم وأطغى فاستمروا يعربدون، وأما بومبي فغشاها ما غشى. فبأي آلاء ربك تتمارى! يجب فتح العقل على فهم سنن حدوث الأشياء، وإلا كنا نكذب على الله.

وفي أيام (نور الدين زنكي)، احتدمت الحروب واشتدت الزلازل، وهبطت الكنيسة في أنطاكية على رأس (أثناسيوس) بطريق الأرثوذكس وقساوسته وهم يؤدون القداس، فاعتبر الكاثوليك ذلك معجزة إلهية. ولكن الزلازل ضربت يومها الجميع، مسلمين وأرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت، من حلب حتى طرابلس.

وفي عام 1755م، من صباح أول نونبر، احتشد الناس في الكنائس في (لشبونة) بكامل زينتهم في عيد (كل القديسين)، فاهتزت الأرض، وفي ست دقائق تهدمت ثلاثون كنيسة وألف منزل، ومات تحت الأنقاض خمسة عشر ألف إنسان وجرح مثلهم، في واحدة من أجمل عواصم العالم يومها.

وبدأ الناس يحاولون تفسير ما حدث، فقال (مالا جريدا)، وهو أحد اليسوعيين، إن الزلزال كان عقابا من الله على الرذيلة التي استشرت في لشبونة. ولكن الزلزال قضى على القساوسة المتبتلين والراهبات المتفانيات في الخدمة، ووفر ألد أعداء اليسوعيين، كما يقول المؤرخ (ويل ديورانت). أما أهل المغرب، فهللوا للحدث يومها واعتبروه انتقاما إلهيا من محاكم التفتيش في البرتغال، ولكن الزلزال لم يعف عن المغرب، فكمَّل طريقه إلى الرباط فهدم المسجد الأعظم فيها، فخر على رؤوس الناس وهم يصلون. أما (البروتستانت)، فقالوا إن هذه الكارثة هي استنكار السماء لجرائم الكاثوليك ضد الإنسانية.

 

نافذة:

في عام 1995 ضرب الزلزال مدينة كوبي اليابانية وهم ليسوا شيعة ولا سنة ولا مسلمين ولا مسيحيين ولم يفرق الزلزال في ضربته بين عقائد الناس بقدر خضوعهم جميعا لقانون واحد

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى