
كشفت الفيضانات الأخيرة التي شهدتها عدة أقاليم بالمملكة، من بينها مناطق بجهة طنجة- تطوان- الحسيمة، عن اختلالات عميقة في مجال التعمير، وعرت على هشاشة عدد من البنيات التحتية، وصعوبة تدخل لجان اليقظة ومصالح الوقاية المدنية، بسبب تفشي مظاهر العشوائية والبناء في مجاري الوديان، وبمناطق منخفضة يستحيل معها تصريف مياه الأمطار بشكل طبيعي وآمن.
لقد أبانت هذه الكوارث الطبيعية أن مشكل العشوائية ليس مجرد ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالفقر والهشاشة، بل هو نتيجة تراكمات معقدة ساهمت فيها لوبيات تستفيد من الفوضى العمرانية، وتغذيها لأهداف انتخابوية، أو مصلحية ضيقة، على حساب سلامة المواطنين واستنزاف المال العام للهيكلة وضمان الحد الأدنى من شروط العيش الكريم.
ولا أحد يمكنه إنكار ارتباط ظاهرة البناء العشوائي بحاجيات اجتماعية حقيقية، خاصة في صفوف الفئات الهشة والفقيرة، التي تبحث عن مأوى في ظل تعقيد مساطر التعمير وارتفاع كلفة السكن القانوني، غير أن هذا المعطى الاجتماعي تم استغلاله من قبل لوبيات تحكمت في عدد من الجماعات الترابية، بتوظيف البناء غير القانوني كورقة انتخابية، والتلاعب في تصاميم التهيئة أو تجميدها لسنوات طويلة، وغض الطرف عن توسع أحياء عشوائية، مقابل مكاسب سياسية أو مالية.
وهكذا تحولت العشوائية إلى منظومة غير معلنة، تتشابك فيها المصالح بين منتخبين ووسطاء وبعض المتواطئين، ما جعل القانون يطبق بانتقائية أحيانا، وأفقد المؤسسات المعنية جزءا من هيبتها في مجال ضبط التعمير.
وعندما اجتاحت السيول عددا من المناطق، برزت خطورة البناء في مجاري الوديان وبالقرب من المنحدرات الصخرية، أو فوق أراض معرضة لانزلاقات التربة، كما ظهرت مشاكل غياب الدراسات التقنية اللازمة في عدد من المشاريع، سواء تعلق الأمر بتجزئات سكنية أو ببنيات تحتية لم تراع فيها التحولات المناخية المتسارعة.
إن تحكم لوبيات العشوائية لم ينعكس فقط على سلامة السكان، بل كلف ميزانية الدولة اعتمادات ضخمة لإعادة تأهيل البنيات التحتية المتضررة، وتقوية شبكات التطهير، وإصلاح الطرق، وتوفير الحد الأدنى من شروط السكن اللائق في أحياء نشأت خارج أي تخطيط مسبق.
إن الدولة تجد نفسها في كل مرة مطالبة بالتدخل لإنقاذ الأرواح أولا، ثم بضخ أموال إضافية لتدارك اختلالات كان بالإمكان تفاديها واستثمارها في قطاعات أخرى مثل الملفات الاجتماعية، لو احترمت القوانين وتم تطبيقها بصرامة وعدل وقطيعة حقيقية مع خروقات الماضي.
وفي الختام فإن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من منطق المعالجة الظرفية إلى منطق الإصلاح البنيوي، بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في كل ما يتعلق بخروقات التعمير، والتحيين الشامل لتصاميم التهيئة بما يراعي التحولات المناخية والديموغرافية، وتبسيط مساطر البناء القانوني لتشجيع المواطنين على سلوك المسار المشروع، وتوفير بدائل سكنية حقيقية للفئات الهشة، خاصة في الوسط القروي، بما يضمن الحق في السكن اللائق دون الوقوع في براثن الوسطاء الذين يفسدون كل شيء.





