
على الرغم من تأكيد كافة الحكومات المتعاقبة على أن قطاع الصحة يدخل ضمن أولويات الإصلاح والاهتمام بحل المشاكل العالقة وتجويد الخدمات، إلا أن المؤشرات الخاصة بالميدان، وزيارة خفيفة لمستشفيات عمومية بجهة طنجة – تطوان – الحسيمة، تثبت أن الاحتقان بأقسام حساسة مازال سيد الموقف، إضافة إلى تذمر المرضى من عمليات التوجيه لمؤسسات استشفائية بعيدة عن مناطق سكناهم، فضلا عن استمرار معاناة سكان القرى النائية مع غياب أطباء بمراكز صحية، وقلة عدد من الأدوية الخاصة بعلاج أمراض مزمنة، ناهيك عن مشاكل النقل عبر سيارة الإسعاف التابعة لجماعات ترابية، واضطرار المريض لدفع مقابل استهلاك المحروقات لنقله من مناطق نائية في اتجاه المستشفى.
تطوان: حسن الخضراوي
يعاني العديد من سكان المناطق القروية، بشفشاون ووزان، من بُعد المراكز الاستشفائية، وغياب الأطباء بالمراكز الصحية القريبة، فضلا عن مشاكل غياب بعض الأدوية، حيث سبق أن تمت مساءلة خالد آيت الطالب وزير الصحة والحماية الاجتماعية من قبل برلمانيين عن الاستراتيجية التي يمكن اعتمادها لحل غياب أطباء بمراكز صحية، وتوفير التخصصات بالمستشفى الإقليمي محمد الخامس، من أجل إنهاء معاناة المرضى وذويهم مع التوجيه نحو المستشفى الإقليمي سانية الرمل بتطوان، مع ما يتبع ذلك من مصاريف ترهق ميزانية الأسر التي تعيش الفقر والهشاشة، ناهيك عن لا جدوى بطاقة التغطية الصحية «راميد» في تغطية مصاريف شراء أدوية والقيام بفحوصات خارج المؤسسات الاستشفائية العمومية.
ويستمر الاحتقان بكافة المؤسسات الاستشفائية بعمالة المضيق، بسبب صراعات بين أطباء مختصين بالمضيق وتطوان حول مشاكل توجيه المرضى، وطول مواعد طبية، وغياب عمل جهاز السكانير بالمستشفى المحلي الحسن الثاني بالفنيدق، وغياب عمل قسم الإنعاش بالمستشفى الإقليمي محمد السادس بالمضيق، فضلا عن اضطرار العديد من المرتفقين التوجه مباشرة لتطوان دون حصولهم على توجيه مكتوب، ما يتسبب في اصطدامات يومية بمستعجلات سانية الرمل بتطوان بين أطر صحية وذوي مرضى، حيث يتم نصح الجميع بضرورة بداية رحلة العلاج من المركز الصحي والمستشفى المحلي ثم الإقليمي وبعدها الجهوي والمركزي بالعاصمة الرباط في حال تعذر العلاج، كما تنص على ذلك قوانين التوجيه الداخلية.
وحسب مصادر مطلعة، فإن الاحتقان بقطاع الصحة بالشمال مازال مستمرا، على الرغم من الاجتماعات المتتالية التي تترأسها المديرية الجهوية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية بجهة طنجة – تطوان – الحسيمة، من أجل إيجاد حلول ناجعة لمشاكل القطاع الحساس بالقرى النائية بوزان وشفشاون والحسيمة، وتدبير أزمة صراعات الأطباء المختصين حول مشاكل التوجيه، وغياب مختصين لتشغيل جهاز السكانير بالمستشفى المحلي الحسن الثاني بالفنيدق، فضلا عن الشكايات المتعلقة بضعف جودة الخدمات بقسم التوليد وأمراض النساء.
مواعد طويلة
في إطار بحثها في أسباب الاحتقان والشكايات بقطاع الصحة بالشمال، قامت «الأخبار» بالتقصي عن المواعد الطبية بمؤسسات استشفائية عمومية بوزان والمضيق وتطوان وشفشاون..، فتبين أن مرضى القلب والشرايين بتطوان وجب عليهم انتظار منتصف شهر ماي المقبل، وبالمضيق وجب عليهم الانتظار حتى بداية أكتوبر المقبل للاستفادة من الكشف والاستشارة الطبية، فضلا عن انتظار زيارة أطباء مختصين في جراحة العظام إلى 8 يونيو المقبل، وانتظار حوامل لزيارة طبيب مختص في الولادة بالفنيدق إلى منتصف ماي المقبل.
وبالمستشفى الإقليمي بوزان ظهر من خلال موقع موعدي، الذي تشرف عليه وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، أن المواعد الخاصة بالتوليد وأمراض النساء لا توجد فيها أي خانة شاغرة، فضلا عن مواعد طبية طويلة بالمستشفى الإقليمي محمد الخامس بشفشاون، في قسم طب العيون، وغياب الطبيب المختص في القلب، حيث تأتي طبيبة لتعوضه بشكل متقطع، ويتم إرسال جميع الحالات المستعجلة في اتجاه مستشفى تطوان.
وذكر مصدر مطلع أن طول المواعد الطبية ومواعد الكشف بالأجهزة مثل السكانير، يضطر العديد من المرضى إلى التوجه للقطاع الخاص، رغم المعاناة مع الفقر والهشاشة، حيث يصعب على العديد من ذوي المرضى انتظار أسابيع طويلة، من أجل الكشف وسط استمرار آلام المريض، وعدم تشخيص ما يعانيه، سيما في ظل استحالة وصف أدوية حتى التشخيص الدقيق لنوع المرض.
وأضاف المصدر نفسه أنه عند استفسار المسؤولين الإداريين بالمستشفيات العمومية بالشمال، حول طول المواعد الطبية، غالبا ما يتم ربط المشكل بنقص الموارد البشرية وغياب العدد الكافي من الأطباء المتخصصين، وعدد المرضى والمساحة التي يغطيها كل مستشفى، فضلا عن غياب أطباء مختصين بسبب رخص مرضية وغيرها، إضافة إلى الحالات المستعجلة التي ترد على المؤسسات الاستشفائية المعنية.
واستنادا إلى المصدر عينه، فإن المبررات التي تطرحها الأطر الإدارية، غالبا لا يتم تفهمها من قبل المرتفقين، الذين يطالبون بتجويد الخدمات الصحية، والقطع مع معاناتهم مع مشاكل التوجيه، والاحتقان الذي يسود داخل أقسام المستعجلات، فضلا عن اضطرار العديد من المرضى للتوجه نحو القطاع الخاص، من أجل إجراء تحاليل أو الكشف بواسطة السكانير، بسبب الاكتظاظ وطول المواعد الطبية.
صراعات وتحقيق
باشرت المديرية الجهوية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، بجهة طنجة – تطوان – الحسيمة، التحقيق في الاحتقان الذي يسود بمستشفيات عمومية بتطوان والمضيق، بسبب صراعات توجيه المرضى، وضعف جودة الخدمات الصحية بأقسام حساسة مثل قسم التوليد وأمراض النساء، وتذمر حقوقيين من سوء الاستقبال بالمستشفى المحلي الحسن الثاني، وتراكم شكايات المرتفقين الذين اضطروا للخروج بتصريحات في المواقع الاجتماعية ودق ناقوس الخطر حول ما يعانيه القطاع من مشاكل مستعصية.
وتواصل المصالح المختصة بوزارة الصحة البحث في صراعات بين أطباء مختصين في أمراض القلب والشرايين بتطوان والمضيق، حول مشكل توجيه المرضى من المستشفى الإقليمي محمد السادس إلى المستشفى الإقليمي سانية الرمل، في ظل وجود طبيبين بكل مستشفى، ومع الأخذ بعين الاعتبار عمل قسم الطب والشرايين بتطوان بواسطة نظام الحراسة، واستقبال حالات من مناطق متعددة بإقليمي شفشاون ووزان وضواحي تطوان.
وذكر مصدر الجريدة أن قسم التوليد وأمراض النساء بالمستشفى المحلي الفنيدق، يعيش بدوره على إيقاع الاحتقان وشكايات حقوقيين حول سوء الاستقبال، ومطالب بالتحقيق في شكاية أستاذة فقدت حملها، حيث أتت بحسب بلاغ المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، إلى المؤسسة الاستشفائية المذكورة للكشف عن حملها وتم إخبارها بغياب الطبيب المختص لوجوده في عطلة، فعادت أدراجها وأحست بمضاعفات خطيرة انتهت بإجهاض، لتعود مرة ثانية لنفس المستشفى وتطلب زيارة الطبيب المختص من أجل إجراء فحوصات بالأشعة للتأكد من سلامتها الصحية، فتم إخبارها أن الطبيب المختص مازال في عطلة، فاضطرت للتوجه نحو مصحة خاصة من أجل تلقي العلاج والرعاية الصحية اللازمة وفق المعايير المطلوبة.
وأضاف المصدر نفسه أن ما يثير الاستغراب هو تكرار نفس مشاكل شكايات مرتفقين ضد أطباء مختصين وغيرهم بمؤسسات استشفائية عمومية بالشمال، ووصول الأمر حد تقديم شكايات لدى النيابة العامة المختصة والأمر بالتحقيقات والاستماع للأطراف وإنجاز محاضر رسمية، حيث يتحرك جميع المسؤولين لتجويد الخدمات والرفع من جودة الاستقبالات وتقليص المواعد الطبية، لكن ذلك لا يستمر سوى أيام معدودة، لتعود نفس مشاكل الاحتقان والاحتجاجات.
معاناة بدون شكايات
من خلال بحث الجريدة في الأسباب التي جعلت العديد من المرتفقين يختارون عدم تقديم شكايات كتابية للجهات المختصة بالمندوبيات الإقليمية لوزارة الصحة بجهة طنجة – تطوان – الحسيمة، والاكتفاء بالتوجه نحو المصحات الخاصة أو مراكز إجراء التحاليل بالقطاع الخاص، هي عدم تفاعل المسؤولين مع الشكايات وفق السرعة والنجاعة المطلوبتين، وبُعد المسافات بين الإدارة والمرتفقين، والنتائج الحملاتية للشكايات المقدمة، حيث تعود الأمور إلى سابق عهدها في التعامل مع جل الشكايات الكتابية والشفوية المقدمة بمنطق حملاتي.
واحتج العديد من سكان مناطق نائية بشفشاون، على غياب أطباء بمراكز صحية، وسط مطالب لخالد آيت الطالب، وزير الصحة والحماية الاجتماعية، بتوفير الموارد البشرية الكافية، والعمل على حسن التوزيع حسب الحاجة والكثافة السكانية، فضلا عن التخفيف من معاناة المرضى مع التوجيه نحو المستشفى الإقليمي محمد الخامس بالمدينة، وكذا نحو مستشفى سانية الرمل الإقليمي بتطوان.
وتوصل وزير الصحة والحماية الاجتماعية بتقارير، قبل أيام قليلة، حول معاناة العديد من المرضى بجماعتي فيفي وبني فغلوم بإقليم شفشاون، فضلا عن سكان جماعة مقريصات، التابعة للنفوذ الترابي لإقليم وزان، مع غياب الجودة في الخدمات التي يقدمها المركز الصحي الوحيد بالمنطقة للتطبيب والعلاج، حيث لا يتوفر المركز المذكور على طبيب رئيسي، كما سبق تسجيل غياب الطبيبة الرئيسية لتوفرها على رخصة ولادة، وحصولها على شهادة طبية بعد ذلك، ما ضاعف من معاناة المرضى والنساء الحوامل، فضلا عن تعارض الأمر مع الحق الدستوري في العلاج وفق الجودة والمعايير المطلوبة.
وذكر مصدر موثوق أن أحد المرضى بالمستشفى الإقليمي بالمضيق، وهو مستشار جماعي سابق، تم منحه موعدا طويلا لإجراء فحوصات بالسكانير، ورفضت الإدارة تقريبه رغم شكايات ذويه الشفوية وتوفره على بطاقة التغطية الصحية «راميد»، حيث تبينت إصابته بمرض السرطان عندما توجه مضطرا لمصحة خاصة بتطوان، وأكد له الطبيب المختص أن حالته كانت مستعجلة وفق معايير طبية، وقد توفي بعد انطلاق رحلة العلاج بأيام فقط.
وأضاف المصدر نفسه أن جهاز السكانير بالمستشفى المحلي بالفنيدق، يوجد خارج الخدمة بسبب غياب الطاقم المختص، حيث يتم توجيه الحالات للمضيق، وسط مطالب بالكشف عن نتائج التحقيقات في سرقة قطاع غيار من الجهاز المذكور في ظروف غامضة، وتقديم عون مساعد بالمستشفى للقضاء، للفصل في التهم الموجهة إليه.
ويعاني سكان المناطق القروية بالشمال، من تبعات خصاص مهول في الموارد البشرية والأطباء، حيث تتضاعف معاناة المرضى مع مشاكل التوجيه لمدن أخرى بعيدة، وتحمل تكاليف السفر ومرافقة المريض، ناهيك عن خطر المضاعفات الخطيرة على صحة المريض لبُعد المسافات وإكراهات الإسعاف، وغياب التغطية الشاملة والعدد الكافي بالمقارنة مع الكثافة السكانية.
+++
مؤطر
+++++
مشاريع وإكراهات
هناك العديد من المشاريع التي تزرع الأمل، من أجل تحقيق هدف تجويد الخدمات الصحية بالشمال، منها مشروع مستشفى التخصصات بتطوان الذي ينتظر أن ينهي مشاكل التوجيه نحو مدن أخرى ومستشفيات المركز بالعاصمة الرباط، فضلا عن خدمات المستشفى الجامعي بطنجة، حيث تعمل الجهات الحكومية المختصة لتحقيق هدف القطع مع توجيه المرضى لمسافات طويلة، وتقريب وتجويد الخدمات الصحية.
ومازال القطاع الصحي بمدن الشمال يعاني إكراهات بالجملة، أهمها مشاكل الصحة النفسية وندرة الأطباء المختصين بالمقارنة مع الكثافة السكانية، فضلا عن عدم عمل أقسام الإنعاش والتخدير بعدد كبير من المؤسسات الاستشفائية، وغياب العمل وفق نظام الحراسة بالنسبة لأقسام التوليد، ومشاكل طول المواعد الطبية، وأعطاب التجهيزات الضرورية.
ويرى العديد من المتتبعين للشأن العام الجهوي بالشمال، أن مدخل إصلاح قطاع الصحة باعتباره من القطاعات الحساسة المرتبطة بحياة وكرامة المواطنين، يبدأ من حسن استغلال ما هو متوفر من تجهيزات وموارد بشرية وأطباء مختصين، وهيكلة الاستقبالات لتفادي إشعال فتيل التوتر بالمستعجلات، قبل إلقاء اللوم على اختلالات المنظومة الصحية التي يعرفها الجميع، وتتطلب مجهودات حكومية جبارة لتجاوز المعيقات وتنزيل الحق الدستوري في العلاج وفق الجودة المطلوبة.





