
في ظل تقلبات الأسعار بالأسواق العالمية، وتبعات الحروب الطاحنة حول مصادر الطاقة، وصراع الديناصورات حول المعابر البحرية الاستراتيجية، والأزمات التي أصبحت تخيم على اقتصاد بعض الدول الإفريقية والإجراءات الاستثنائية لتدبير أزمة الطاقة، يعود ملف تعزيز السيادة الطاقية والغذائية بالمملكة إلى الواجهة، وضرورة توجيه جميع القطاعات الحيوية والشركات الوطنية إلى تكثيف الإنتاج وتشجيعها على ذلك بواسطة إجراءات عملية، لتحقيق هدف الاكتفاء الذاتي.
إن تشجيع الإنتاج الداخلي في جميع القطاعات الفلاحية والصناعية وإنتاج الطاقات البديلة ليس ترفا سياسيا، بل حاجة ملحة تفرضها تطورات الحروب المدمرة في الشرق الأوسط، وتسابق الدول العظمى للسيطرة على مراكز الطاقة والتحكم في الإنتاج والتوزيع والأسعار وفق الأجندات المرسومة.
إن كلفة الاستيراد لها تأثير مباشر على الاقتصاد الوطني وسوق الشغل، ما يتطلب حماية المقاولات والشركات المحلية، وخلق التنمية الشاملة وتحريك رواج السوق الداخلية والرفع من معاملاتها المالية، ووقف استنزاف الميزانية في استيراد مجموعة من المواد والمنتجات التي يرتفع استهلاكها لدى المغاربة، مع إمكانية إنتاجها محليا.
نحن في حاجة أكثر من أي وقت مضى، بالتزامن مع اضطرابات السوق العالمية، إلى التركيز على إنتاج الطاقة النظيفة والاستثمار في الموارد الطبيعية، وتشجيع إنتاج المواد الغذائية الأساسية وتكثيف دعم الزراعات الأساسية، على رأسها القمح، وتشجيع إنتاج اللحوم بأنواعها، وترشيد عملية السقي، وتطوير البحث العلمي في قطاع الفلاحة عوض الاعتماد على الفلاحة التقليدية.
يجب الخروج من دوامة الإجراءات الظرفية، لتحقيق الاكتفاء الذاتي والاحتياطي الاستراتيجي في قطاعات حيوية، وتنزيل التعليمات الملكية السامية بشأن مواجهة التحديات المتعلقة بالطاقة والغذاء والدواء، والاستباقية في التعامل مع الأزمنة الرديئة وتبعات الحروب حول المصالح ولا شيء غيرها.
إن تحقيق الأمن الطاقي والغذائي والدوائي هو السبيل الوحيد لضمان استمرارية السلم الاجتماعي، وتفادي تبعات ارتباك الاستيراد ومشاكل المضايق البحرية التي تستعمل كسلاح فتاك لخلق اختلالات في سلاسل التموين، وبالتالي زعزعة استقرار السوق العالمية، نتيجة الصراعات والحروب.
إن المشاريع الاستراتيجية للرفع من الإنتاج المحلي في قطاعات حيوية لا تستحمل أي ارتباك أو تأخر في البرامج المسطرة، كما تحتاج إلى الصرامة في التتبع وتفعيل المحاسبة وفق الجدية المطلوبة، لأن من لا يأكل من فأسه لن يكون قراره من رأسه، وسيبقى رهينة للتقلبات المتسارعة وتتقاذفه عواصف الحروب العاتية، حيثما هبت مصالح من يحركها ويتحكم في تطوراتها ويملك الثروة والقوة.





