
نعيمة لحروري
في الأيام الأخيرة، وأنا أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، شدّ انتباهي أمر لم يعد معزولا ولا نادرا. أشخاص يظهرون في مقاطع فيديو، يتحدثون بثقة كبيرة عن وقائع لا تستقيم، عن مؤامرات تُحاك ضدهم، عن أشخاص يراقبونهم أو يستهدفونهم، عن أحداث لا وجود لها إلا في عوالمهم الخاصة. الأغرب من ذلك، ليس ما يقولونه، بل كيف يتم تقديمه.
بعض وسائل الإعلام، بدل أن تتوقف عند طبيعة أصحاب هذه الحالات، تفتح لهم المنابر، تجري معهم مقابلات، وتعرض رواياتهم كما لو أنها وقائع حقيقية، ثم تغذيها بعناوين مثيرة، وتدفع الناس إلى التفاعل، إلى التعاطف، إلى التضامن. وهنا يكمن الخلل.
ما يُقدَّم أحيانا على أنه «قضية» أو «شهادة صادمة»، قد يكون في الحقيقة عرضا من أعراض اضطراب نفسي، من بينها ما يُعرف بالبارانويا، أو جنون الارتياب. حالة يعيش فيها الإنسان داخل منظومة من الشكوك والأفكار التي تبدو له منطقية تماما، لكنها منفصلة عن الواقع. بالنسبة له، ما يقوله ليس تخيلا، بل حقيقة كاملة، مؤلمة أحيانا، ومخيفة في كثير من الأحيان.
المشكلة لا تكمن في هؤلاء الأشخاص، فهم في النهاية يعانون، وقد لا يدركون طبيعة ما يعيشونه. المشكلة فينا نحن، في الطريقة التي نتلقى بها هذا المحتوى، وفي الكيفية التي نعيد بها إنتاجه ونشره. حين نصدق دون تمحيص، أو نشجع دون وعي، فإننا لا نساعد.. بل نعمق الوهم.
في محيطي القريب، عايشت هذه الحالات عن قرب. رأيت كيف يمكن لفكرة واحدة أن تكبر داخل ذهن صاحبها، كيف تتحول إلى يقين، وكيف يصبح من الصعب جدا إقناعه بغيرها. ليس لأنه عنيد، بل لأنه يرى ما لا نراه، ويشعر بخوف لا نشعر به. في تلك اللحظات، تدرك أن الأمر يتجاوز النقاش أو الإقناع، وأنه يحتاج إلى فهم مختلف، وإلى تدخل مختص.
لكن، ماذا نفعل حين يتحول هذا الألم إلى فرجة؟ حين يصبح الشخص الذي يعاني مادة للتداول، وتختزل معاناته في مقطع يعاد نشره آلاف المرات؟ ماذا نفعل حين يجد الوهم من يصدقه، ومن يبني عليه مواقف، وربما قرارات؟
الأخطر من ذلك أن بعض هذه الحالات قد تنزلق نحو أفعال مؤذية، ليس بدافع الشر، بل بدافع الخوف. حين يقتنع الإنسان بأنه مستهدف، أو مهدد، قد يتصرف دفاعا عن نفسه من خطر غير موجود. وهنا نكون أمام نتائج كان يمكن تفاديها، لو وُجد الفهم في الوقت المناسب.
الحديث عن الصحة النفسية لم يعد ترفا، بل ضرورة. والتمييز بين الرأي والحالة المرضية لم يعد خيارا، بل مسؤولية. نحن بحاجة إلى وعي جماعي، يُعيد الأمور إلى نصابها، ويحمي الأشخاص من أنفسهم أحيانا، ومن نظرة الآخرين في كثير من الأحيان.
أن نتعاطف لا يعني أن نصدق كل شيء. وأن نصغي لا يعني أن نحول المعاناة إلى عرض. هناك خيط دقيق بين الإنسانية والاندفاع، بين الدعم والتضليل.
في النهاية، قد لا نكون قادرين على تغيير ما يعيشه هؤلاء، لكننا قادرون على أن نكون جزءا من الحل، لا من المشكلة. أن نختار الفهم بدل السخرية، والوعي بدل التسرع والمسؤولية بدل البحث عن الإثارة.. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول المرض إلى «حقيقة» يصفق لها الجميع.





