حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةالملف السياسيسياسية

الحملات الانتخابية.. من أوراق الأحزاب إلى معركة التأثير الرقمي

وسائل حديثة لنيل رضى الناخبين والفوز بالمقاعد البرلمانية

إعداد: النعمان اليعلاوي

لم تعد الحملة الانتخابية في المغرب مجرد موعد موسمي تنزل فيه الأحزاب إلى الشوارع لتوزيع المنشورات وتعليق الملصقات وتنظيم التجمعات الخطابية، بل تحولت إلى معركة سياسية وإعلامية متكاملة، تتداخل فيها قوة التنظيم الحزبي مع حضور المرشح، وجاذبية الخطاب وقدرة البرامج على إقناع الناخبين، فضلا عن التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي.

ومع انطلاق الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر الجاري، عادت الأحزاب إلى اختبار قدرتها على الوصول إلى الناخبين، في زمن لم تعد الرسالة السياسية تسافر، فقط، عبر مكبرات الصوت أو المنشورات الورقية، وإنما تنتقل، أيضا، وفي ثوان، عبر الهاتف والمنصات الرقمية، حيث أصبح المرشح مطالبا بخوض معركة على الأرض ومعركة أخرى على الشاشة.

هذا التحول  يفتح الباب أمام أسئلة سياسية تتجاوز حدود المنافسة بين اللوائح والمرشحين، من قبيل: إلى أي حد ما زالت الحملات قادرة على تغيير مواقف الناخبين؟ وهل أصبحت البرامج الانتخابية أكثر حضورا في تحديد الاختيار، أم أن قوة المرشح وشبكة علاقاته ما زالت تحسم جزءا كبيرا من المعركة؟ ومن يتحكم في قواعد هذه المنافسة، وما حدود تدخل الإدارة في ضمان تكافؤ الفرص؟ ثم كيف يحضر المال في الحملات وما مدى فعالية آليات مراقبة مصادر الإنفاق؟

 

الأحزاب بين إقناع الناخبين وسباق الصورة والمال

مع انطلاق الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر الجاري، عادت المدن والقرى المغربية إلى إيقاع انتخابي يتكرر كل خمس سنوات، لكن بأدوات وأساليب مختلفة عن السابق. فالحملة الانتخابية لم تعد مجرد تجمعات خطابية ومسيرات وملصقات وبرامج توزع على الناخبين، بل تحولت إلى معركة متعددة الواجهات، تتداخل فيها اللقاءات المباشرة مع التلفزيون والمواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، وتتنافس فيها الأحزاب على الحضور الميداني وعلى القدرة على صناعة صورة سياسية مؤثرة في زمن قصير.

وتكتسي الحملة الانتخابية أهمية أساسية في أي نظام ديمقراطي، لأنها الفترة التي يفترض أن ينتقل خلالها المواطن من موقع المتلقي إلى موقع صاحب القرار، عبر الاطلاع على البرامج واختيارات المرشحين ومقارنة الوعود والتوجهات قبل الإدلاء بصوته.

بهذا المعنى ليست الحملة مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، وإنما إحدى الآليات التي تسمح للناخب بمعرفة من يطلب صوته ولماذا، وما الذي يقترحه لمعالجة قضايا الاقتصاد والتشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية والحريات والحكامة.

غير أن أهمية الحملة لا تقاس، فقط، بعدد التجمعات أو حجم الملصقات أو قوة الحضور الرقمي. فالسؤال الحقيقي يتعلق بمدى قدرتها على إعادة بناء الثقة السياسية وإقناع الناخبين، سيما في ظل استمرار العزوف الانتخابي وتراجع الثقة لدى فئات من المواطنين في الخطاب الحزبي. لذلك تصبح الحملة ذات جدوى حقيقية عندما تتحول إلى نقاش عمومي حول الاختيارات والبدائل، وليس مجرد سباق لتقديم وعود انتخابية يصعب قياس قابليتها للتنفيذ.

في انتخابات  2026تتنافس الأحزاب على 395 مقعدا بمجلس النواب وفق الاقتراع العام المباشر باللائحة، فيما حددت الفترة الرسمية للحملة من الساعة الأولى ليوم 10 شتنبر إلى منتصف ليلة 22 شتنبر. ومن هنا تبرز قيمة الأيام الثلاثة عشر للحملة باعتبارها المساحة الزمنية التي يفترض أن تقدم فيها الأحزاب نفسها للناخبين، وأن تحاول خلالها تحويل البرامج المكتوبة إلى رسائل سياسية بسيطة ومقنعة وقابلة للتداول.

 

مواجهة سؤال الناخب

تدخل الأحزاب السياسية الحملة الانتخابية وهي تدرك أن المعركة لم تعد، فقط، حول من يمتلك أكبر عدد من المناضلين، وإنما، أيضا، حول من يستطيع الوصول إلى أكبر عدد من الناخبين وإقناعهم بجدوى التصويت عليه. ولهذا تتعدد اهتمامات الأحزاب خلال الحملة بين تقديم البرامج الانتخابية، وتعبئة القواعد، وتنظيم التجمعات واللقاءات التواصلية واستقطاب شخصيات ووجوه محلية قادرة على التأثير، فضلا عن محاولة السيطرة على النقاش العمومي في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.

في الواقع تكشف الحملات الانتخابية عن اختلاف واضح في طريقة اشتغال الأحزاب. فبعضها تركز على الدفاع عن حصيلة التدبير الحكومي، وتقدم الانتخابات باعتبارها استفتاء على ما تحقق خلال الولاية السابقة، فيما تختار أحزاب المعارضة أو المنافسة خطاب التغيير، وتقدم نفسها باعتبارها البديل القادر على تصحيح الاختلالات وإعادة ترتيب الأولويات.

بين هذين الاتجاهين، تظهر أحزاب أخرى تحاول تقديم نفسها بوصفها قوة وسطا أو خيارا ثالثا، مستفيدة من ضعف جاذبية الاستقطاب التقليدي.

في انتخابات 2026، أيضا، برزت القدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم والسكن والدعم الاجتماعي في قلب الخطاب الانتخابي لعدد من الأحزاب، إلى جانب قضايا الشباب والطبقة الوسطى والعدالة المجالية. وتحاول الأحزاب، كذلك، تقديم وعود أكثر تحديدا، من قبيل رفع الأجور، وتحسين الخدمات العمومية، وخلق فرص الشغل وتقليص الفوارق بين المناطق.

الاهتمام بالبرنامج لا يلغي اهتماما آخر لا يقل أهمية، وهو بناء صورة المرشح. ففي عدد من الدوائر، تتحول الانتخابات إلى منافسة بين شخصيات محلية لها شبكات من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بحيث يصبح اسم المرشح، أحيانا، أكثر حضورا من اسم الحزب وبرنامجه. وهذا يطرح سؤالا حول مدى قدرة الأحزاب على جعل الانتخابات منافسة بين مشاريع سياسية، بدل أن تتحول، في بعض المناطق، إلى منافسة على النفوذ المحلي.

بدورها دخلت وسائل التواصل الاجتماعي بقوة إلى قلب المعركة، فالحزب، الذي كان يحتاج في السابق إلى آلاف المنشورات والملصقات للوصول إلى الناخبين، يستطيع اليوم إيصال خطاب مرشحه إلى آلاف الأشخاص خلال ساعات. غير أن هذا التحول يحمل معه مخاطر الأخبار الزائفة والتلاعب بالصور والمقاطع واستعمال البيانات الشخصية، وهو ما دفع اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي إلى تذكير الأحزاب بقواعد معالجة البيانات خلال العملية الانتخابية.

 

الدولة تضع القواعد والأحزاب تدير المنافسة

لا تدار الحملة الانتخابية خارج إطار الدولة، لكنها، في الوقت نفسه، ليست نشاطا حكوميا تتولى السلطات مضمونه السياسي. فالأحزاب والمرشحون هم أصحاب المبادرة في تنظيم حملاتهم وتقديم برامجهم والتواصل مع الناخبين، بينما تتولى السلطات العمومية وضع الإطار التنظيمي والسهر على احترام القواعد القانونية وضمان شروط المنافسة.

وتتولى وزارة الداخلية الإشراف العام على المسار الانتخابي من الناحية التنظيمية، فيما تضطلع المحكمة الدستورية باختصاصات مرتبطة بالعملية الانتخابية والنتائج والمنازعات وفق ما يحدده القانون. وتؤكد البوابة الرسمية للانتخابات أن الجهة المشرفة هي وزارة الداخلية والمحكمة الدستورية، في إطار منظومة قانونية تشمل الدستور والقوانين التنظيمية والنصوص التطبيقية.

انتخابات 2026 حملت، كذلك، آلية إضافية لتتبع سلامة العملية الانتخابية، بعدما جرى تفعيل لجنة مركزية تتكون من وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة، مع امتدادات جهوية وإقليمية تضم الولاة والعمال والوكيل العام للملك ووكلاء الملك، بهدف السهر على سلامة العمليات الانتخابية في مختلف مراحلها.

وتفرض القواعد القانونية قيودا واضحة على الحملة، خصوصا في ما يتعلق بالتأثير غير المشروع على إرادة الناخبين. ويحظر القانون الحصول على الأصوات أو محاولة الحصول عليها بواسطة الهدايا أو التبرعات أو المنافع، ويجرم، أيضا، استعمال العنف أو التهديد أو التخويف للتأثير في تصويت الناخبين. وتندرج هذه المقتضيات ضمن محاولة حماية حرية الاختيار وتكافؤ الفرص بين المتنافسين.

لا يتوقف الإشراف عند السلطات الإدارية والقضائية، إذ توجد آليات للملاحظة المستقلة والمحايدة. وبالنسبة لانتخابات  2026تم اعتماد 3006  ملاحظين يمثلون 26 جمعية غير حكومية ومؤسسة وطنية و30 هيئة ومنظمة دولية، لمراقبة مختلف مراحل العملية الانتخابية.

وبذلك تتحول الحملة إلى فضاء تتقاطع فيه ثلاثة أدوار: أحزاب تخوض المنافسة وتسعى إلى إقناع الناخبين، وسلطات تضع قواعد اللعبة وتسهر على احترامها وهيئات رقابية وملاحظون يتابعون مدى احترام العملية لمبادئ النزاهة والشفافية.

 

المال الانتخابي.. 400 مليون درهم للدعم

يبقى المال أحد أكثر الملفات حساسية في أي حملة انتخابية، لأنه يرتبط مباشرة بمبدأ تكافؤ الفرص. فالحملة تحتاج إلى موارد مالية لطبع الوثائق، وتنظيم اللقاءات والتنقل، والتواصل والإشهار والخدمات اللوجستية، لكن تحويل المال إلى وسيلة للتأثير في إرادة الناخبين يمكن أن يقوض جوهر المنافسة الديمقراطية.

وفي انتخابات مجلس النواب لسنة 2026، حددت الحكومة المبلغ الإجمالي لمساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية للأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات العامة لانتخاب أعضاء مجلس النواب في 400 مليون درهم، أي 40  مليار سنتيم. وصادقت الحكومة، في أبريل الماضي، على مراسيم تنظم كيفية توزيع هذه المساهمة وشروط استعمالها وآجالها، بما يروم تعزيز الشفافية في تدبير المال الانتخابي.

ولا يقتصر التنظيم المالي على الدعم العمومي الموجه إلى الأحزاب، بل يشمل، أيضا، سقف المصاريف الانتخابية للمترشحين. وبالنسبة إلى لوائح الشباب، تنص المنظومة الانتخابية على مساهمة الدولة في حدود 75 في المائة من المصاريف المنجزة، في حدود 75 في المائة من سقف المصاريف المحدد، أي 500 ألف درهم لكل مترشح من مترشحي اللائحة. ولا تصرف هذه المساهمة إلا بعد فحص حساب الحملة الانتخابية من طرف المجلس الأعلى للحسابات.

وتكمن أهمية هذه الآلية في محاولة الحد من الفوارق المالية الكبيرة بين المتنافسين، سيما بين الأحزاب ذات الإمكانيات التنظيمية والمالية الكبيرة والأحزاب الصغيرة أو المرشحين الشباب. فالمال يمكن أن يوسع قدرة المرشح على الوصول إلى الناخبين، لكنه لا يفترض أن يتحول إلى وسيلة لشراء الأصوات أو تقديم المنافع المباشرة.

لهذا تخضع الحسابات الانتخابية للمراقبة، إذ يتعين إيداع حساب الحملة داخل أجل 90 يوما من تاريخ الإعلان عن النتائج، عبر المنصة الإلكترونية المعدة لهذا الغرض من طرف المجلس الأعلى للحسابات، إلى جانب إيداع الحساب في شكله المادي، فيما يتولى المجلس فحص الحسابات.

وتبقى المعضلة الحقيقية في قياس الإنفاق الفعلي للحملات، خصوصا مع اتساع استعمال وسائل التواصل الاجتماعي والخدمات الرقمية، التي قد تجعل جزءا من الإنفاق أقل وضوحا بالنسبة إلى المتلقي. لذلك فإن فعالية الرقابة المالية لا تتوقف، فقط، على تحديد السقف، وإنما، كذلك، على القدرة على تتبع مصادر الإنفاق والتأكد من إدراج مختلف المصاريف ضمن الحسابات القانونية.

 

هل ما زالت الحملة قادرة على تغيير قرار الناخب؟

السؤال الأكبر، الذي تطرحه الحملات الانتخابية في المغرب، لا يتعلق، فقط، بكيفية تنظيمها أو حجم الأموال التي تنفق عليها، وإنما، أيضا، بمدى قدرتها الفعلية على تغيير قرار الناخب وإقناعه بالمشاركة. فالحملة، مهما كانت قوية من حيث التنظيم والحضور الإعلامي، لا تستطيع وحدها معالجة أزمة الثقة في السياسة إذا لم يجد المواطن في الخطاب الانتخابي إجابات مقنعة عن مشاكله اليومية.

وتزداد أهمية هذا السؤال مع انتقال جزء كبير من النقاش السياسي من الشارع إلى الهاتف المحمول. فالناخب لم يعد ينتظر التجمع الانتخابي ليسمع خطاب المرشح، بل تصله يوميا عشرات الرسائل والصور ومقاطع الفيديو والتعليقات السياسية. وهذا التحول جعل الحملة أسرع وأكثر انتشارا، لكنه جعلها، أيضا، أكثر عرضة للاختزال والشعارات والمبالغة.

 

خروقات الحملة الانتخابية.. القانون يضيّق الخناق على شراء الأصوات والتضليل

مع دخول الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري مرحلتها الرسمية، يعود النقاش حول الخروقات التي يمكن أن ترافق التنافس بين الأحزاب والمرشحين، في ظل تشديد المقتضيات القانونية المنظمة للعملية الانتخابية، والتي لم تعد تكتفي بضبط آجال الحملة وكيفية تنظيم التجمعات واستعمال وسائل الإعلام، وإنما امتدت إلى المال الانتخابي، والتضليل الرقمي، واستعمال وسائل الاتصال الحديثة واستغلال النفوذ والموارد العمومية للتأثير في إرادة الناخبين.

وينطلق الإطار القانوني من مبدأ أساسي يتمثل في ضمان حرية الناخب في اختيار من يمثله، لذلك يمنع كل ممارسة من شأنها تحويل العملية الانتخابية من منافسة سياسية وبرامجية إلى سوق للمنافع أو وسيلة للضغط على المواطنين. وتأتي هذه المقتضيات في سياق الانتخابات التشريعية لسنة 2026، التي تجري في ظل تعديلات أدخلها القانون التنظيمي رقم 53.25 على القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب.

 

شراء الأصوات.. خط أحمر

من أبرز الخروقات التي يحاصرها القانون استعمال الهدايا أو التبرعات أو المنافع بهدف التأثير في اختيار الناخبين. فالمال والمنفعة لا يمكن أن يتحولا إلى وسيلة للحصول على الصوت، ولا يجوز استعمالهما لدفع الناخب إلى الامتناع عن التصويت.

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة خلال أيام الحملة، حيث ترتفع وتيرة التواصل المباشر بين المرشحين والناخبين، ويصبح من الضروري التمييز بين النشاط الانتخابي المشروع، مثل تنظيم اللقاءات وتوزيع البرامج، وبين تقديم منافع أو هبات يكون الهدف منها التأثير في القرار الانتخابي.

ولا يقتصر الأمر على المال، إذ يمكن أن تأخذ المنفعة أشكالاً مختلفة، وهو ما يجعل مراقبة السلوك الانتخابي أكثر تعقيداً من مجرد تتبع الحسابات المالية الرسمية.

دخلت الخروقات المرتبطة بالتكنولوجيا والفضاء الرقمي بقوة إلى دائرة التجريم، بعدما أصبحت الحملات الانتخابية تعتمد بشكل متزايد على مواقع التواصل الاجتماعي والفيديوهات القصيرة والمنصات الرقمية.

وتواجه المنظومة القانونية الجديدة محاولات استعمال التكنولوجيا للتلاعب بالمعلومات أو تركيب أقوال وصور أو نشر أخبار وادعاءات كاذبة بهدف الإساءة إلى مرشح أو ناخب أو المساس بنزاهة العملية الانتخابية. وتزداد خطورة هذه الممارسات مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، التي جعلت تركيب الصور والأصوات والمقاطع المصورة أكثر سهولة وأقرب إلى الإقناع.

هكذا لم يعد الخرق الانتخابي محصوراً في الشارع أو في التجمعات، بل أصبح ممكناً أن يبدأ من هاتف محمول وينتشر خلال ساعات إلى آلاف المستخدمين.

 

الحملة خارج الآجال

من الخروقات التي يواجهها القانون، أيضاً، تحويل الفترة التي تسبق الحملة الرسمية إلى حملة فعلية، من خلال استعمال وسائل الدعاية والإشهار الانتخابي قبل انطلاق الآجال القانونية.

وتحدد القواعد المنظمة للعملية الانتخابية فترة زمنية واضحة للحملة، بما يضمن مبدأ تكافؤ الفرص بين المتنافسين، حتى لا يستفيد حزب أو مرشح من إمكانياته التنظيمية والمالية للانطلاق في استمالة الناخبين قبل الآخرين. لذلك  لا ينظر إلى الدعاية الانتخابية باعتبارها مجرد نشاط سياسي عادي، وإنما بوصفها ممارسة تخضع لضوابط زمنية ومضمونية.

لا يحظر القانون الإنفاق على الحملة الانتخابية في حد ذاته، بل ينظم مصادر التمويل وأوجه الإنفاق ويخضع الحسابات للمراقبة. والهدف هو الفصل بين التمويل المشروع، الذي يسمح للمرشح بالتواصل مع الناخبين، والإنفاق الذي يتجاوز القواعد أو يتحول إلى وسيلة لشراء النفوذ والأصوات.

وتخضع الحسابات الانتخابية للمراقبة، مع إلزام المعنيين بإيداعها داخل الآجال القانونية، فيما يضطلع المجلس الأعلى للحسابات بدور أساسي في فحصها. وأقرت الدولة، كذلك، مساهمة في تمويل الحملات الانتخابية، بما يفترض أن يساعد على الحد من تأثير الفوارق المالية بين المتنافسين.

 

الإدارة والحياد..  في قلب المراقبة

من أخطر الممارسات التي تحرص المنظومة الانتخابية على منعها استغلال وسائل أو موارد الإدارة العمومية لفائدة مرشح أو حزب. فالمرفق العمومي يفترض أن يظل محايداً تجاه مختلف المتنافسين، ولا يجوز تحويل الإمكانيات العمومية إلى أدوات انتخابية.

لهذا السبب تم اعتماد آليات للمراقبة والتنسيق بين السلطات، من خلال لجان مركزية وجهوية وإقليمية مكلفة بتتبع احترام القواعد الانتخابية والتعامل مع المخالفات.

وبينما تبدو القواعد القانونية أكثر تشدداً في مواجهة الخروقات، يبقى التحدي الحقيقي في مدى فعالية تطبيقها على أرض الواقع. فالخروقات الانتخابية أصبحت أكثر تنوعاً، وبعضها لم تعد تترك أثراً مادياً واضحاً، سيما في العالم الرقمي.

وبذلك فإن نزاهة انتخابات 23 شتنبر لن تقاس، فقط، بعدد النصوص القانونية والعقوبات الموضوعة على الورق، وإنما، أيضا، بقدرة أجهزة المراقبة والقضاء على رصد المخالفات والتعامل معها في الوقت المناسب، وبمدى التزام الأحزاب والمرشحين بقواعد المنافسة، والأهم بقدرة الناخب نفسه على رفض تحويل صوته إلى مقابل مالي أو منفعة أو ضحية للتضليل.

فالانتخابات، في نهاية المطاف، ليست مجرد يوم للاقتراع، وإنما مسار يبدأ من الحملة، وكلما كانت المنافسة أكثر احتراماً للقانون، كانت النتيجة أقرب إلى التعبير الحقيقي عن إرادة الناخبين.

 

من الملصق إلى الخوارزمية

 

كيف غيرت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الحملات الانتخابية؟

 

 

لم تعد الحملة الانتخابية في المغرب تُقاس فقط بعدد التجمعات التي تنظمها الأحزاب أو بحجم الملصقات التي تغطي الشوارع، إذ دخلت التكنولوجيا الحديثة بقوة إلى قلب المنافسة على أصوات الناخبين، وحولت الهاتف المحمول ومنصات التواصل الاجتماعي إلى فضاءات أساسية لخوض المعركة الانتخابية. ومع انطلاق الحملة الخاصة بالانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر الجاري، أصبح «فيسبوك» و«إنستغرام» و«تيك توك» و«يوتيوب» جزءا من عدة الأحزاب والمرشحين، بينما بدأ الذكاء الاصطناعي يفرض نفسه كأداة جديدة لإنتاج المحتوى وتحليل الجمهور وصناعة الرسائل السياسية.

 

من المنصة الانتخابية إلى شاشة الهاتف

تكشف طبيعة الحملة الحالية عن انتقال تدريجي من نموذج انتخابي كان يعتمد أساسا على التواصل المباشر بين المرشح والناخب إلى نموذج هجين يجمع بين اللقاء الميداني والحضور الرقمي. فالحزب يستطيع اليوم أن يوثق تجمعا انتخابيا في مقطع قصير، ويعيد تركيبه في صيغ متعددة، ثم يوزعه على منصات مختلفة للوصول إلى فئات عمرية وجغرافية متباينة.

ولم يعد المرشح مضطرا إلى انتظار التجمعات الكبرى للوصول إلى المواطنين، إذ أصبح بإمكانه مخاطبة الناخبين بشكل مباشر، عبر البث المباشر والمقاطع القصيرة والمنشورات الرقمية. وبذلك، تحولت الحملة الانتخابية إلى نشاط مستمر على مدار اليوم، لا يتوقف عند انتهاء التجمع أو مغادرة المرشح لمنصة الخطابة.

ويمنح هذا التحول الأحزاب قدرة أكبر على قياس تفاعل الجمهور مع رسائلها، ومعرفة المنشورات الأكثر انتشارا والقضايا التي تحظى باهتمام الناخبين، وهو ما يجعل التكنولوجيا أداة للتواصل وأيضا لجمع المؤشرات حول اتجاهات الجمهور.

 

الذكاء الاصطناعي يدخل المعركة الانتخابية

التحول الأبرز لا يتعلق فقط بسرعة انتشار الرسالة، وإنما بإمكانية إنتاجها بكلفة أقل وبشكل أكثر استهدافا. فالذكاء الاصطناعي بات قادرا على المساعدة في إعداد النصوص، واختصار البرامج الانتخابية، وصياغة منشورات متعددة اللغات، وإنتاج صور ومقاطع فيديو، وتحليل التفاعل مع الخطاب السياسي.

وبذلك لم يعد المرشح مضطرا إلى الاكتفاء برسالة واحدة موجهة إلى جمهور واسع، بل أصبح بالإمكان تعديل الرسالة وفق طبيعة الجمهور والمنصة والموضوع. ويمكن، على سبيل المثال، تحويل برنامج انتخابي طويل إلى سلسلة من المقاطع القصيرة، أو صياغة رسائل مختلفة حول التشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم بحسب طبيعة الفئة المستهدفة.

لكن هذا الاستخدام يطرح سؤالا أساسيا حول حدود تدخل الآلة في صناعة الخطاب السياسي، خاصة عندما يتعلق الأمر بمضمون يفترض أن يعبر عن قناعة المرشح والحزب وليس عن نص أنتجته خوارزمية.

كلما توفرت للأحزاب معلومات أكبر عن الجمهور وتفضيلاته وتفاعله مع المنشورات، أصبح من الممكن تصميم رسائل سياسية أكثر دقة. لكن هذه الإمكانية تفتح في الوقت نفسه بابا حساسا يتعلق بحماية المعطيات الشخصية، خصوصا أن الرأي السياسي يعد من المعطيات التي تخضع لشروط خاصة.

وقد شددت اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي على ضرورة احترام قواعد معالجة البيانات خلال العمليات الانتخابية، وعدم استغلال الرأي السياسي دون الضوابط القانونية، فضلا عن احترام الشفافية والغاية المحددة من جمع البيانات.

وهكذا أصبحت المعركة الانتخابية الرقمية مرتبطة ليس فقط بمن يملك أكبر عدد من المتابعين، ولكن أيضا بمن يمتلك القدرة على استخدام البيانات بطريقة قانونية ومسؤولة، دون تحويل الناخب إلى مجرد رقم داخل قاعدة بيانات انتخابية.

 

«ديب فايك».. عندما يصبح التزييف مقنعا

يفتح الذكاء الاصطناعي بابا أكثر حساسية يتعلق بالمحتوى السياسي المصطنع. فالصورة التي تبدو حقيقية يمكن تعديلها، والصوت يمكن استنساخه، والفيديو يمكن تركيبه بطريقة تجعل شخصية سياسية تبدو وكأنها قالت أو فعلت شيئا لم تقله أو تفعله.

وتكمن خطورة هذه التقنيات في أنها لا تنتج بالضرورة محتوى يبدو رديئا أو واضح التزييف، وإنما يمكن أن تنتج مواد شديدة الإقناع يصعب على المتلقي العادي اكتشاف حقيقتها. وفي سياق انتخابي شديد الحساسية، يمكن لمقطع مفبرك أن ينتشر خلال ساعات، وأن يؤثر في صورة مرشح أو حزب قبل أن تتاح له فرصة الرد.

ولهذا أصبحت مواجهة الأخبار الزائفة والمحتويات المفبركة جزءا من حماية نزاهة الانتخابات، إلى جانب الوسائل التقليدية لمراقبة الحملات.

لم تعد التكنولوجيا خارج الإطار القانوني للانتخابات، إذ تم التنصيص على مواجهة استعمال تكنولوجيا الإعلام والتواصل الحديثة في بث أو توزيع تركيبات من أقوال أو صور الأشخاص دون موافقتهم، أو نشر أخبار زائفة ووقائع كاذبة ومستندات مختلقة، بقصد الإضرار بالحياة الخاصة، أو التشهير بالمترشحين والناخبين، أو التشكيك في نزاهة الانتخابات.

واللافت أن النقاش لم يعد مقتصرا على الأخبار الكاذبة بالمعنى التقليدي، بل أصبح يشمل المحتويات المنتجة أو المعدلة بواسطة الذكاء الاصطناعي. وهذا يعني أن الأحزاب والمرشحين أمام مسؤولية مضاعفة: مسؤولية سياسية عن مضمون الرسالة، ومسؤولية قانونية عن الطريقة التي تم بها إنتاجها وتوزيعها.

فاستعمال الذكاء الاصطناعي لإعداد خطاب أو تصميم منشور لا يعفي المرشح من المسؤولية عن المعلومات الواردة فيه، كما أن إعادة نشر محتوى مجهول المصدر لا يمكن أن تتحول إلى وسيلة للإفلات من المسؤولية، عندما يتعلق الأمر بالتشهير أو التضليل.

 

الحملة الانتخابية تتحول إلى معركة على الصورة

لا تغير التكنولوجيا طريقة إنتاج الخطاب فقط، بل تغير طبيعة المنافسة نفسها. فالحزب الذي يمتلك فريقا رقميا محترفا يستطيع متابعة ما يلقى رواجا في المنصات، وقياس التفاعل مع خطابات المرشحين، وتحديد الموضوعات التي تستقطب اهتمام الجمهور.

وفي المقابل، يمكن للمرشح المحلي أن يتحول، في ظرف أيام، إلى شخصية معروفة خارج دائرته الانتخابية، بفضل مقطع فيديو واحد يحظى بانتشار واسع. وهنا تصبح جودة الصورة وطريقة الحديث وسرعة التفاعل مع الأحداث عناصر لا تقل أهمية عن مضمون الخطاب.

وبذلك، أصبح المرشح يخوض حملتين في الوقت نفسه: واحدة في الشارع، حيث اللقاءات والجولات والتجمعات، وأخرى في العالم الرقمي، حيث المشاهدات والتعليقات والمشاركة وإعادة النشر.

 

من البرنامج الانتخابي إلى «المحتوى القصير»

تطرح التكنولوجيا مفارقة أساسية أمام الأحزاب. فهي تتيح تبسيط البرامج الانتخابية والوصول بها إلى جمهور أوسع، لكنها في الوقت نفسه قد تدفع نحو اختزال النقاش السياسي في الشعارات والصور والمقاطع القصيرة.

فبرنامج انتخابي من مئات الصفحات يحتاج إلى وقت للقراءة والتحليل، بينما يمكن لمقطع مدته ثلاثون ثانية أن يحصد آلاف أو ملايين المشاهدات. وهذا يجعل الأحزاب أمام تحدي تحويل البرامج المعقدة إلى رسائل سهلة الفهم دون تفريغها من مضمونها.

وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون مفيدا، إذا استعمل لتبسيط المعلومات وتقديمها إلى الناخبين، وليس لتحويل المنافسة إلى سباق لإنتاج أكبر عدد من المحتويات.

ورغم كل هذا التحول، لا يبدو أن التكنولوجيا ستلغي الحملة الانتخابية التقليدية. فما زال المرشح محتاجا إلى النزول إلى الميدان، وطرق أبواب الناخبين، وتنظيم اللقاءات والتواصل المباشر مع السكان.

لكن الفرق أن اللقاء لم يعد ينتهي بانتهاء التجمع. فكل كلمة يمكن تصويرها، وكل نقاش يمكن تحويله إلى مقطع، وكل وعد يمكن إعادة نشره ومقارنته لاحقا بالحصيلة.

وهكذا أصبح الهاتف المحمول امتدادا للمقر الانتخابي، وأصبحت المنصة الرقمية امتدادا للتجمع الانتخابي، فيما تحول المرشح نفسه إلى منتج دائم للمحتوى السياسي.

ثلاثة أسئلة لأمال بنبراهيم * :

الدستور ربط الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة بمشروعية التمثيل الديمقراطي

 

المشرع حدد زمن الحملة ووسائلها وتمويلها وحضورها الإعلامي والرقمي

 

 

  1. كيف أطر المشرع الحملات الانتخابية؟

أخضع المشرع المغربي الحملات الانتخابية لتأطير قانوني دقيق، انطلاقا من أن نزاهة الانتخابات ترتبط أيضا بالظروف التي تسبق يوم الاقتراع. فالناخب يتخذ قراره بعد تعرضه للبرامج والخطابات والحملات الدعائية، وقد يتأثر كذلك بالمال أو الإعلام أو المحتوى الرقمي. لذلك تبدأ حماية حرية التصويت من ضمان أن يتخذ الناخب قراره في ظروف تسمح له بالاختيار بحرية.

ويجد هذا التأطير أساسه في الفصل 11 من الدستور، الذي ربط الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة بمشروعية التمثيل الديمقراطي. وعلى هذا الأساس نظم المشرع زمن الحملة ووسائلها وتمويلها وحضورها الإعلامي والرقمي، وجرّم الأفعال التي تمس حرية الناخب أو تكافؤ الفرص بين المتنافسين. وقد عززت إصلاحات 2026 هذه الضمانات، خاصة من خلال القانون التنظيمي رقم 53.25 المغير والمتمم للقانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، والقانون رقم 55.25 المغير والمتمم للقانون رقم 57.11، إلى جانب التعديلات التي شملت القانون التنظيمي للأحزاب السياسية.

ويظهر ذلك أولا في تحديد زمن الحملة الانتخابية، إذ وضع القانون لها بداية ونهاية، ومنع بعض أشكال الدعاية يوم الاقتراع. ويساعد هذا التحديد على تنظيم المنافسة ومنح الناخب، قبيل التصويت، قدرا من الاستقلال عن الضغط الدعائي المباشر.

كما حرص المشرع على تكافؤ الفرص بين المتنافسين، فمنع استخدام الإدارة والوسائل والممتلكات العمومية لمنح أفضلية انتخابية لطرف معين. وحياد الإدارة أساسي في هذا المجال، لأن الثقة في الانتخابات تتأثر بالطريقة التي تطبق بها القواعد على مختلف الأحزاب والمترشحين. فالمؤسسات مطالبة بحماية قواعد المنافسة والبقاء على المسافة القانونية نفسها من الجميع.

أما المال الانتخابي، فقد أخضعه المشرع لسقف للإنفاق وقواعد تتعلق بمصادر التمويل ومراقبة حسابات الحملات. والهدف هو الحد من أثر التفاوت المالي في المنافسة، لأن اتساع الفوارق في الموارد قد يمنح بعض المترشحين قدرة أكبر على الوصول إلى الناخبين والتأثير فيهم. ولهذا ترتبط شفافية التمويل مباشرة بتكافؤ الفرص ونزاهة الانتخابات.

ويتصل بذلك تجريم شراء الأصوات والتأثير غير المشروع في الناخبين، سواء عن طريق الهدايا والتبرعات والوعود بالمنافع والوظائف، أو بواسطة الضغط والتهديد والتخويف بقصد توجيه التصويت. والغاية هنا واضحة: أن يكون الصوت الانتخابي نتيجة اختيار حر، لا نتيجة منفعة أو ضغط.

ومن أبرز مستجدات إصلاحات 2026 امتداد التنظيم الانتخابي إلى المجال الرقمي. فقد أصبحت النصوص تشير صراحة إلى شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات والتطبيقات الإلكترونية والأنظمة المعلوماتية وأدوات الذكاء الاصطناعي. وهذا التطور كان ضروريا بعدما أصبح جزء كبير من الحملات يجري عبر الهاتف والمنصات الرقمية، حيث يمكن لمحتوى مزيف أو مضلل أن ينتشر بسرعة ويؤثر في عدد كبير من الناخبين.

وفي هذا السياق جاءت المادة 51 المكررة من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب لتجريم صور محددة من المحتويات المختلقة أو المدلسة والأخبار والادعاءات الكاذبة واستعمال الوسائل الرقمية والذكاء الاصطناعي، متى توافرت الشروط والقصد الذي حدده النص، ومن ذلك المساس بنزاهة وصدق العمليات الانتخابية. والمقصود هو الحد من تأثير التضليل المتعمد في اختيار الناخب. وفي المقابل، ينبغي تطبيق هذه المقتضيات بما يحفظ حرية التعبير والنقد السياسي والسخرية والاختلاف المشروع في الرأي.

ويمتد التأطير كذلك إلى الإعلام السمعي البصري وضمان التعددية السياسية. فتنظيم الولوج إلى وسائل الإعلام يتيح للمواطن التعرف على برامج ومواقف متعددة، ويحد من احتكار المجال الإعلامي من طرف جهة سياسية واحدة.

ويمكن جمع هذه الضوابط في أربعة مرتكزات: حرية الإقناع، وتكافؤ الفرص، وشفافية الوسائل، وحماية إرادة الناخب من الضغط والتضليل.

واللافت في إصلاحات 2026 أنها وسعت مجال الاهتمام القانوني ليشمل الطريقة التي تتكون بها اختيارات الناخبين. فإلى جانب المخالفات التقليدية المرتبطة بالتصويت والرشوة واستعمال وسائل الدولة، برزت مسائل تتعلق بتمويل الرسائل الانتخابية، وصناعة المحتوى، واستعمال التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، والتمييز بين المعلومة الحقيقية والمحتوى المصطنع.

وهكذا تمتد الحماية القانونية من يوم الاقتراع إلى الفترة التي يتكون خلالها قرار الناخب. وهذا تطور مهم، لأن نزاهة الانتخابات ترتبط أيضا بالظروف السياسية والمالية والإعلامية والمعلوماتية التي تسبق وضع ورقة التصويت في الصندوق.

ويبقى التحدي في التطبيق، خاصة من حيث سرعة رصد المخالفات، وفعالية الرقابة، ووضوح الاجتهاد القضائي، والقدرة على مواكبة التقنيات الرقمية التي تتطور بسرعة. فالغاية هي الحفاظ على مجال مفتوح للتنافس والنقاش السياسي، مع منع الوسائل التي تفسد حرية الاختيار الانتخابي.

 

  1. ما الدور المنوط بالداخلية إبان الحملات الانتخابية؟

لوزارة الداخلية موقع بالغ الحساسية إبان الحملات الانتخابية، لأنها توجد عند نقطة التماس بين سلطة الدولة وحرية التنافس السياسي. فدورها يقوم على معادلة دقيقة طرفاها تأمين الشروط القانونية والمادية لإجراء المنافسة الانتخابية في انتظام، وضمان حياد الإدارة تجاه جميع المتنافسين. فهي مطالبة بأن تكون حاضرة بقوة حيث ينبغي تطبيق القانون، وأن تظل بعيدة عن كل ما يمكن أن يؤثر في اتجاه الاختيار الانتخابي. ولهذا يمكن توصيف وظيفتها خلال الحملة بأنها حارسة لقواعد المنافسة وليست طرفا فيها.

ويتجسد ذلك، بداية، في التدبير الإداري والتنظيمي للعملية الانتخابية. فالوزارة، عبر الإدارة الترابية والسلطات المحلية، تضطلع بمهام ميدانية تمتد من تدبير اللوائح الانتخابية والترشيحات إلى تنظيم بعض الجوانب المرتبطة بالحملة وتهيئة الظروف اللازمة للاقتراع. وخلال الحملة، تتولى السلطات المختصة تنظيم استعمال الفضاء العام وتحديد الأماكن المخصصة للإعلانات الانتخابية وفق القواعد القانونية، بما يضمن المساواة بين اللوائح والمترشحين. هذه التفاصيل الإدارية تحمل مضمونا ديمقراطيا عميقا؛ فالمساواة السياسية تبدأ أحيانا من مكان الملصق ومن تطبيق القاعدة نفسها على الجميع.

ويبرز دور وزارة الداخلية أيضا في حماية النظام العام الانتخابي. فالحملة فترة يشتد فيها التنافس وتتعدد التجمعات واللقاءات والتنقلات، بما يقتضي ضمان الأمن وحرية التنقل وسلامة التجمعات والتصدي للعنف والتهديد. غير أن النظام العام خلال الانتخابات ينبغي أن يدار بحس ديمقراطي دقيق؛ فحدة الخطاب والنقد السياسي والتعبئة الجماهيرية تظل من طبيعة المنافسة الانتخابية ما دامت داخل حدود القانون. وبالتالي، فإن وظيفة الأمن خلال الفترة الانتخابية تتمثل في توفير البيئة التي تمارس فيها الحريات السياسية بأمان وانتظام، مع التدخل بالقدر الذي يقتضيه احترام القانون وصون النظام العام.

أما المسألة الأكثر حساسية فتتعلق بـحياد الإدارة. فوزارة الداخلية، بحكم امتدادها الترابي وسلطاتها الميدانية، مطالبة بألا تستخدم الوسائل الإدارية أو الموارد العمومية أو سلطة القرار بما يمنح أفضلية لهذا الطرف أو ذاك، وأن تطبق القواعد الانتخابية بالمعيار نفسه على الجميع. وحياد الإدارة هنا يتجاوز مقتضيات التدبير الإداري إلى صميم الثقة في الانتخابات. فالمواطن يحتاج إلى أن تكون الإدارة محايدة، وأن يطمئن أيضا إلى حيادها؛ لأن الثقة في النتيجة تبدأ من الثقة في الجهة التي تسهر على شروط المنافسة. وكلما نشأ شعور بأن الإدارة اقتربت من أحد المتنافسين، أصبح النقاش لا يتعلق فقط بسلوك إداري معين، بل بمصداقية العملية الانتخابية برمتها.

ويتصل بذلك دورها في التصدي للمخالفات الانتخابية، في حدود الاختصاصات التي يمنحها القانون، وإحالة ما يستوجب المتابعة على الجهات المختصة، خصوصا ما يرتبط باستعمال المال للتأثير في الناخبين، والضغط والتهديد، وتسخير الموارد العمومية، ومخالفة قواعد الدعاية.

وقد أصبحت هذه الوظيفة أكثر تعقيدا مع إصلاحات 2026 ودخول المجال الرقمي والذكاء الاصطناعي إلى قلب المنافسة الانتخابية. فالسلطة المحلية تستطيع معاينة ملصق مخالف أو التدخل إزاء تجمع يهدد النظام العام، لكن المحتوى الرقمي قد ينتشر في ثوان، ويصدر عن حساب مجهول أو منصة توجد خارج الحدود الوطنية. وهنا يبرز تحد جديد أمام الإدارة الانتخابية، يتعلق بمدى قدرتها على إنفاذ القانون في فضاء رقمي يتجاوز الحدود الترابية التقليدية للاختصاص الإداري والجواب يمر، في جانب منه، عبر التنسيق المؤسساتي؛ لأن وزارة الداخلية لا تحتكر الرقابة على الانتخابات. فالقضاء يمارس اختصاصاته في المنازعات والمتابعات، والمجلس الأعلى للحسابات يتولى مهامه في مراقبة حسابات الحملات وتمويلها، والهيئة العليا للاتصال السمعي البصري تضطلع باختصاصاتها في مجال التعددية والتغطية الإعلامية. وتوزيع هذه الوظائف يشكل عنصرا مهما في توازن منظومة الرقابة الانتخابية.

ومن هنا ينبغي التمييز بدقة بين إدارة الانتخابات والتحكم في الانتخابات. فالأولى ضرورة مؤسساتية، لأن الاقتراع يحتاج إلى إدارة تنظم وتحمي وتطبق القانون؛ أما الثانية فتتناقض مع حرية الاختيار الديمقراطي. وتتجلى جودة الإدارة الانتخابية في قدرتها على تطبيق القانون بحزم، مع صون استقلال إرادة الناخب والامتناع عن كل ما من شأنه التأثير في اختياره السياسي.

وفي تقديري، فإن التطور المطلوب في الثقافة الانتخابية المغربية هو ترسيخ صورة وزارة الداخلية باعتبارها ضامنة لشروط الانتخابات لا صانعة لنتائجها. فنجاحها لا يقاس باسم الحزب الذي يتصدر الاقتراع، وإنما بمدى قدرتها على جعل تحديد الفائز اختصاصا حصريا للناخب.

 

  1. ما القيود المفروضة على صرف الأموال خلال الحملات الانتخابية؟

المال عنصر حاسم في أي حملة انتخابية؛ فهو يمول التواصل والدعاية والتنقل والوصول إلى الناخبين، لكن خطورته تبدأ حين يتحول من وسيلة لتمويل التنافس السياسي إلى أداة لصناعة تفوق انتخابي غير متكافئ. لذلك أخضع المشرع المغربي الإنفاق الانتخابي لضوابط تستهدف حماية تكافؤ الفرص بين المتنافسين وحرية إرادة الناخبين.

في مقدمة هذه الضوابط يأتي سقف الإنفاق الانتخابي، الذي يبلغ بالنسبة لانتخابات مجلس النواب 500 ألف درهم لكل مترشح. والغاية منه الحد من التفاوت المالي بين المتنافسين، حتى تظل القدرة على الإقناع والبرنامج السياسي أساس المنافسة، وألا تتحول وفرة الموارد إلى امتياز انتخابي يحسم السباق مسبقا.

ويمتد التأطير إلى مصدر الأموال ووجهة صرفها وإثباتها. فحساب الحملة يجب أن يبين مصادر التمويل والمصاريف المنجزة، مدعمة بالوثائق التي تسمح بتتبع حركة المال والتحقق من استعماله. وتزداد هذه الصرامة عندما يتعلق الأمر بالدعم العمومي، إذ أوجبت إصلاحات 2026 تبرير استعمال المبالغ المتأتية من مساهمة الدولة وإرجاع غير المبرر منها إلى الخزينة، ورتبت على عدم التبرير أو عدم الإرجاع، وفق الحالات المحددة قانونا، أحكاما تصل إلى اعتبار ذلك اختلاسا للمال العام.

وعزز القانون التنظيمي رقم 53.25 هذا التوجه بإلزام وكيل اللائحة أو المترشح بإيداع حساب الحملة داخل أجل تسعين يوما من تاريخ الإعلان عن نتائج الاقتراع، وفق الكيفيات القانونية المعتمدة لدى المجلس الأعلى للحسابات. كما يقوم نظام الدعم المقرر سنة 2026 لبعض لوائح المترشحات والمترشحين الذين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة على حساب بنكي خاص بالحملة، بما يجعل الموارد والنفقات أكثر قابلية للتتبع والتحقق.

وتخضع أوجه صرف المال الانتخابي بدورها لضوابط دقيقة، إذ يجرم القانون توجيه نفقات الحملة إلى تقديم الهدايا أو التبرعات أو الوعود بالمنافع والوظائف بقصد الحصول على أصوات الناخبين أو التأثير في اختياراتهم. وهنا يتضح لنا الحد الفاصل بين تمويل الإقناع السياسي والتأثير المالي في الاختيار الانتخابي: فالإنفاق على البرنامج والتواصل يخدم المنافسة، بينما يحول شراء الأصوات العلاقة مع الناخب من اقتناع سياسي إلى تبادل للمنفعة.

ويتولى المجلس الأعلى للحسابات موقعا مركزيا في الرقابة على هذا المجال، انسجاما مع الفصل 147 من الدستور، من خلال فحص حسابات الحملات ومصادر تمويلها ومصاريفها والوثائق المثبتة لها. وبذلك تستمر المسؤولية المالية للمترشح بعد إعلان النتائج إلى حين التحقق من احترام الأموال المستعملة للقواعد القانونية.

غير أن الصعوبة الأكبر تكمن في الوصول إلى الإنفاق الحقيقي للحملة. فقد تتحرك بعض المصاريف خارج الحسابات المصرح بها، أو تمر عبر وسطاء وأطراف ثالثة، أو تقدم في صورة خدمات ومنافع يصعب تحديد قيمتها وإثبات صلتها بالمترشح. ويزداد الأمر تعقيدا في حالات شراء الأصوات التي قد تتم نقدا أو عبر وسطاء، بما يجعل اكتشافها وإثباتها أكثر صعوبة من النفقات التي تترك أثرا محاسبيا واضحا.

ويضيف الفضاء الرقمي تحديات جديدة؛ فالإعلانات الممولة وصناعة المحتوى والاستهداف عبر المنصات والخدمات المقدمة من داخل المغرب أو خارجه تثير أسئلة حول الجهة التي تحملت التكلفة، والمستفيد الفعلي منها، وقيمتها الحقيقية، ومدى إدراجها في حساب الحملة. وقد تظهر بعض هذه المخالفات بعد انتهاء الاقتراع، أي بعد أن يكون الإنفاق قد ترك أثره في المنافسة واختيارات الناخبين، وهو ما يجعل سرعة الرصد والتدخل عاملا حاسما في فعالية الرقابة.

وتنعكس هذه الصعوبات على تكافؤ الفرص وحرية الاختيار والثقة في الانتخابات. فالمترشح الذي يستطيع تجاوز السقف عبر نفقات خفية يحصل على حضور انتخابي يفوق ما يسمح به القانون، واستعمال المال لشراء الأصوات يمس حرية الناخب مباشرة، بينما يؤدي ضعف القدرة على كشف هذه الممارسات إلى إضعاف الثقة في عدالة المنافسة.

لهذا تحتاج الرقابة إلى تكامل فحص الحسابات والتتبع الميداني وتبادل المعلومات بين المؤسسات المختصة ورصد الإنفاق الرقمي وسرعة التعامل مع المخالفات. والغاية هي تقليص المسافة بين ما يظهر في الحساب الرسمي للحملة وما أنفق فعليا على أرض الواقع.

وهكذا يقوم ضبط المال الانتخابي على ثلاث قواعد مترابطة: مصدر معلوم، وإنفاق محدد السقف والوجهة، وحساب قابل للإثبات والتتبع. ويبقى الرهان الحقيقي هو القدرة على كشف الأموال التي تتحرك خارج القنوات المصرح بها، لأن المال حين يتجاوز دوره في تمويل التواصل السياسي يمكن أن يتحول إلى عامل يخل بالمساواة بين المتنافسين ويمس حرية الاختيار الانتخابي.

 

أستاذة القانون العام – كلية العلوم القانونية والسياسية – ابن طفيل

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى