
نعيمة لحروري
من يسلك الطرق الرابطة بين الناظور ووجدة، أو بين السعيدية ووجدة، لا بد أن يستوقفه العدد الكبير من السدود القضائية ونقط المراقبة، والمتقاربة أحيانا بشكل يطرح سؤالا مشروعا حول جدوى هذا الانتشار، ومدى التوفيق بين متطلبات الأمن وضرورة الحفاظ على انسيابية حركة السير.
لا يتعلق الأمر بالاعتراض على المراقبة، ولا بالتقليل من الدور الذي تضطلع به الأجهزة الأمنية في حماية المواطنين وتأمين الطرق ومحاربة الجريمة والتهريب ومختلف أشكال الخروج عن القانون. فهذا دور لا خلاف حول أهميته، والأمن والاستقرار اللذان ينعم بهما المغرب ثمرة مجهود كبير تبذله هذه المؤسسات ورجالها.
لكن تقدير هذا الدور لا يمنع من التساؤل حول بعض الممارسات التي ربما أصبح من الضروري إعادة النظر فيها، خصوصا في ظل ما قطعه المغرب من أشواط في مجال الرقمنة والتكنولوجيا وتحديث الإدارة.
ويبرز الأمر أكثر خلال فصل الصيف، مع عودة أعداد كبيرة من مغاربة العالم. فكثير منهم يقطعون آلاف الكيلومترات عبر دول أوروبية عدة، دون أن يصادفوا إلا نادرا حاجزا يعترض حركة السير، ثم يفاجؤون بعد وصولهم إلى وطنهم بعدد كبير من نقط المراقبة والسدود على مسافات ليست دائما متباعدة.
والمقارنة هنا ليست بين بلد آمن وآخر أقل أمنا، وإنما بين نموذجين مختلفين في تدبير المراقبة. ففي دول كثيرة تراجعت المراقبة البشرية المباشرة لفائدة منظومات تعتمد أكثر على التكنولوجيا والكاميرات والربط المعلوماتي والرادارات الثابتة والدوريات المتحركة، بحيث تظل المراقبة حاضرة وفعالة دون أن تتحول إلى عبء على حركة المواطنين.
وهذا يقود إلى ملاحظة أخرى تتعلق بمراقبة السرعة.
لا أحد يجادل في ضرورة التصدي للسرعة المفرطة في بلد ما زالت حوادث السير تحصد فيه الأرواح. لكن طريقة المراقبة لا تقل أهمية عن المراقبة نفسها. فمن المشاهد التي نصادفها أحيانا وجود عنصر من الدرك يحمل جهاز مراقبة السرعة في مكان يصعب على السائق رؤيته، تحت شجرة أو في موقع غير بارز على جانب الطريق، فلا ينتبه إليه إلا بعد أن يكون الجهاز قد سجل سرعته.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل الغاية من مراقبة السرعة هي أساسا ضبط المخالفة، أم منع وقوعها؟
إذا كان الهدف الأول هو حماية الأرواح، فإن المراقبة ينبغي أن تكون جزءا من منظومة وقائية تدفع السائق إلى الالتزام بالقانون، لا أن تمنحه الانطباع بأنه وقع في فخ. وليس المقصود أن يعرف السائق مسبقا كل نقطة مراقبة ليخفض سرعته أمامها، ثم يعاود المخالفة، بل أن نعتمد منظومة ذكية تجعل احترام السرعة سلوكا دائما، وتضبط المخالفات بشكل موضوعي ومنتظم.
والأمر نفسه ينطبق على بعض السدود القضائية. فقد تكون هناك اعتبارات أمنية تبرر وجود نقطة مراقبة في مكان معين، لكن حين يصبح تعدد السدود مشهدا دائما، فمن المشروع التساؤل عن إمكانية عقلنتها، وتقييم مردوديتها، وتعويض جزء منها بالمراقبة الذكية والدوريات المتحركة والربط الفوري لقواعد البيانات.
فالدولة الحديثة لا تقاس بكثرة مظاهر المراقبة، وإنما بفعاليتها، والأمن الناجح ليس بالضرورة ذلك الذي نراه في كل مكان، بل ذلك الذي نشعر بنتائجه في كل مكان.
ولا ينتقص هذا الكلام في شيء من التقدير الواجب لرجال الدرك الملكي والأمن الوطني، الذين يتحملون يوميا أعباء ثقيلة لتأمين طرقنا وحماية أرواحنا وممتلكاتنا، ويقفون لساعات طويلة تحت شمس الصيف وبرد الشتاء حتى نعبر نحن بأمان.
لهؤلاء كل الشكر والتقدير. ولعل أفضل تقدير لجهودهم هو أن نضع التكنولوجيا الحديثة في خدمتهم، ونخفف عنهم ما تستطيع الآلة القيام به، حتى تظل طرقنا آمنة، ولكن أكثر انسيابية، ويظل الأمن حاضرا وفاعلا دون أن يكون حضوره عبئا على من يحميهم.





