
نعيمة لحروري
لا أعرف إن كانت السعيدية هي المدينة السياحية الوحيدة في العالم، التي يحرص الناموس فيها على استقبال الزوار قبل أصحاب الفنادق والمقاهي، لكن ما أعرفه يقينا هو أن آلاف المصطافين الذين يقصدون «الجوهرة الزرقاء» كل صيف يعودون إلى طرح السؤال نفسه: ماذا يقع بالضبط في هذه المدينة؟
السؤال ليس جديدا، بل يتكرر كل سنة بالعبارات نفسها تقريبا. شكاوى، تذمر، صور لأطفال مُغَطِّينَ بآثار اللدغات، ونقاشات لا تنتهي على مواقع التواصل الاجتماعي. ثم تبدأ التصريحات المعتادة عن المجهودات المبذولة، والبرامج المسطرة، والشراكات المنجزة، وكأننا أمام مشكل ظهر فجأة ولم يكن أحد يتوقعه.
والحال أن الناموس لا يسقط من السماء، إنه كائن ممل إلى درجة أنه يكرر السلوك نفسه منذ ملايين السنين. يبيض في أماكن معروفة، ويتكاثر في ظروف معروفة، ويمكن توقع ظهوره قبل أشهر من ظهوره. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا انتشر الناموس؟ بل لماذا نتفاجأ به كل سنة وكأنه زائر غير متوقع؟
خلال الأيام الأخيرة، قيل لنا إن حملات للرش والتطهير قد انطلقت لمحاربة هذه الآفة. جميل، لكن أليس هذا شبيها بإطفاء حريق بعد أن يكون المنزل قد احترق؟
علميا، المعركة ضد الناموس لا تبدأ في يونيو ولا في يوليوز، بل قبل ذلك بكثير. تبدأ حين يكون مجرد بيض، أو يرقات في المياه الراكدة والمستنقعات والمجاري المائية والبرك، التي تعرفها السلطات المحلية وتقنيو الصحة والبيئة أكثر مما يعرفها الناموس نفسه.
في دول كثيرة، لا تنتظر السلطات ظهور الحشرة البالغة حتى تتحرك، لأن ذلك يعني عمليا أن جزءا كبيرا من المعركة قد ضاع. التدخل الحقيقي يكون قبل أشهر، حين تكون تكلفة المكافحة أقل ونتائجها أكبر.
أما أن ننتظر وصول المصطافين، وامتلاء الشقق والفنادق، ثم نبدأ الحديث عن الرش بالمبيدات، فهذا يوحي وكأننا نتعامل مع نتائج المشكلة لا مع أسبابها.
ثم إن السؤال الذي لا يطرحه أحد هو: ماذا حققت الحملات السابقة؟
إذا كانت السعيدية تعرف هذا المشكل منذ سنوات، وإذا كانت هناك ميزانيات تصرف واتفاقيات توقع وتدخلات تنجز، فمن حق المواطنين أن يعرفوا أين الخلل. هل المشكلة في نقص الإمكانيات، أم في غياب التتبع، أم في غياب استراتيجية استباقية أصلا؟
لأن المؤشرات على الأرض لا تبدو مطمئنة. فكل سنة يعود الناموس أقوى من النقاشات التي تثار حوله، وأكثر حضورا من البلاغات التي تصدر بشأنه.
السعيدية ليست مجرد مدينة شاطئية. إنها واجهة سياحية للمغرب الشرقي، ووجهة لآلاف أفراد الجالية المغربية الذين يأتون لقضاء عطلتهم بين أهلهم وذويهم. ومن المؤسف أن يصبح أول ما يتذكره بعضهم عن المدينة ليس البحر ولا الكورنيش ولا المارينا، بل معركة يومية مع أسراب الناموس.
ربما آن الأوان لأن نغير طريقة التفكير في هذا الملف. فالمطلوب ليس حملات موسمية تظهر مع ظهور المشكلة، بل خطة دائمة تبدأ عندما يغادر آخر المصطافين المدينة، لا عندما يصل أولهم إليها.
وإلى أن يحدث ذلك، سيظل الناموس، بكل أسف، أكثر الكائنات انتظاما في مواعده بالسعيدية. يصل كل سنة في الوقت المحدد، بينما لا يزال البشر يتناقشون حول أسباب وصوله.





