حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

 المغرب بعيون الآخرين ….بول بولز في طنجة

2

سعيد الباز:

لم يسبق لبول بولز، الموسيقي والروائي والمترجم الأمريكي، أن فكر يوما في زيارة لمدينة طنجة أو بالأحرى الإقامة فيها. كانت الفكرة من وحي وتشجيع الكاتبة الأمريكية جيرترود شتاين التي نصحته رفقة صديقه الموسيقي والملحن آرون كوبلاند أثناء إقامتهما في بيتها في فرنسا. يحكي عن ذلك بول بولز في سيرته الذاتية “بدون توقف”: “عليكم بالذهاب إلى طنجة. إنها مكان رائع. خصوصا وأن الشمس تشرق كل يوم على الأقل خلال الصيف”.

 

 طنجة سحرتني كمدينة أحلام

كان وصول بول بولز إلى طنجة عبر سبتة وتطوان حيث يصور هذه اللحظة: “بمدينة تطوان… كان المغاربة أكثر إثارة وضوضاء حيث كانوا ينخرطون في جدالات حامية تبدو دائما على شفا الانزلاق إلى مشارف العنف الجسدي… يخلق كل مغربي الانطباع بأنه يمثل جزءا من مسرحية ضخمة إذ لا ينخرط فقط مع الآخرين في شجار بل أيضا مع الجمهور الذي يقابله…

يواجه كل واحد منهم الجمهور غير المرئي وينظر إليه شزرا بينما تشي تقاسيمه بالغضب وعدم التصديق… لو قلت إن طنجة سحرتني كمدينة أحلام فإنني أقصد بذلك المعنى الحرفي للكلمة. فطوبغرافيتها تزخر بمشاهد حلمية نموذجية: شوارع مغطاة كما لو كانت ردهات تفضي أبوابها إلى غرف في كل جهة، سطوح متوارية تطل على البحر، ساحات صغيرة مشيدة على أرض خفيضة حتى لأنها تبدو كقاعات للبالي مشكلة من منظور خاطئ مع طرقات تؤدي إلى وجهات كثيرة…

حتى ذلك الحين كانت طنجة بمنأى عن حالة التردي التي نجمت عن زحمة المواصلات… كانت المدينة مكتفية بذاتها كمدينة ألعاب تم تجميد حياتها الاجتماعية والاقتصادية في وضع ثابت ودائم فرضته الإدارة الدولية وأجهزتها الأمنية الفعالة. تنعدم حوادث الإجرام، فلم يكن واردا في الحسبان عدم احترام الأوروبي الذي يعد حضوره إضافة إيجابية للجماعة. (لا يصح الأمر بتاتا بالنسبة للإسبان… لم يكن ينظر إليهم كأوروبيين).

أمضى بول بولز معظم حياته في طنجة وكتب كل أعماله من وحي هذه المدينة خاصة في مرحلة طنجة الدولية، يكتب إبراهيم الخطيب مترجم يوميات طنجة: “يعكس الكتاب حياة الكاتب الأمريكي بول بولز في مدينة البوغاز، خلال السنتين المذكورتين (1987-1989)، أي عشر سنوات قبل رحيله (1999). يتعلق الأمر بيوميات تصور معيشه اليومي، وعلاقاته، وصداقاته، وردود أفعاله، ومشاكله مع ناشري إنتاجه، وهواجسه الصحية. لقد حل بول بولز في طنجة أول مرة، في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، نزولا عند نصيحة “جيرترود ستاين” التي سبق لها أن زارت المدينة، وأعجبت بمناخها.

كانت زيارة بولز حينئذ، عابرة، لكن مجيئه للإقامة في طنجة إنما حدث في أواسط الأربعينيات، قبل أن تلتحق به زوجته “جين آور-بولز”. تنقل الزوجان بين عدة مساكن في المدينة القديمة… إلى أن استقر بهما المقام على هضبة مرشان. لقد كانت طنجة، في ذلك الوقت، جذابة وهادئة… غير أنها، بعد فقدانها صفتها “منطقة دولية” 1960، عرفت تحولات عميقة”.

 

الأشياء الجميلة لا تبقى

كانت نظرة بولز لطنجة مختزلة في هذه المرحلة التي تحكمت في رؤيته ومن بينها الطقوس الاجتماعية والدينية كما وردت في يومياته: “لا أحد يدري، بالضبط، ما إذا كان شهر رمضان سيبدأ اليوم أو غدا. لقد علمنا، أمس مساء فقط، عندما دوت صفارات، أن الصيام سيبدأ اليوم (هذا هو رمضان الثاني الذي استُعملت فيه صفارات الإنذار، عوض المدفع !…). ضربة مدفع تكون كافية لتجد نفسك في الجانب الآخر من الحدود، في بلد الممنوع. البعض يزعمون أنه، بسبب جولان السيارات، يتعذر سماع المدفع.

ربما كان هذا صحيحا عند غروب الشمس، أما في الرابعة والنصف صباحا، فالمدينة تكون صامتة… هم يقولون إن العطش أشد إيلاما من الجوع، والمدخنون يغدون حانقين في الأيام الأولى للصيام… من ميزات شهر رمضان، ذلك العزف المنفرد على الغيطة، في صوامع المساجد، قبل الآذان. في هذه السنة، تم إلغاء ذلك.

أتخيل أن أحدهم، ربما، ارتأى أن تلك الممارسة متخلفة، أو أنها غير شرعية. يوضح عبد الواحد: على أية حال، لم يعد الناس يريدون سماع رجل ينفخ في الغيطة، فلديهم موسيقى في التلفزة. في سنة 1977، قمت بتسجيل معزوفات المزامير الليلية، طيلة شهر رمضان. لعلني، دون أن أنتبه إلى ذلك، كنت أرتاب بالتأكيد في أنهم سيقومون بإلغاء العزف، عاجلا أو آجلا. فالأشياء الجميلة، للأسف، لا تبقى”.

عاش بول بولز خلال مقامه الطويل في طنجة تحولاتها الاجتماعية والاقتصادية وانعكاساتها وتطوراتها المختلفة سجلها في يومياته: “لن أقترب من الشاطئ بعد اليوم. قبل خمسين عاما، كنت أقضي هنا أيامي في فصل الصيف، وإذا حدث لسبب من الأسباب مانع، ولم أذهب إلى الشاطئ. ترسب لدي انطباع بأيام لا وجود لها أو فاشلة. كان المغاربة يعتبرونني أشبه بشخص أخرق، فحتى الرجال لم يكونوا يأخذون حمام شمس. في تلك الفترة، كانوا يعتقدون أن الشمس ضارة.

بعد الحرب العالمية الثانية أخذ الشبان يلعبون كرة القدم على الشاطئ. ومن وقت لآخر كان بالإمكان رؤية امرأة وهي تمشي وسط الموج، وقد ارتدت كافة ملابسها، بطبيعة الحال. لقد تعودت الفتاة التي كانت تقطن بجانبنا في شارع الميموني، على اصطحاب جاراتها إلى الشاطئ. بعد الزوال، وكن يعدن جد مسرورات، قبل الغروب”.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى