
النعمان اليعلاوي
علمت “الأخبار” من مصادر جيدة الاطلاع أن عناصر من المفتشية العامة للمالية باشرت خلال الأيام الأخيرة مهام افتحاص وتدقيق واسعة بعدد من المؤسسات والمقاولات العمومية، على خلفية شبهات تتعلق باستعمال شرط “القرب الجغرافي” في عدد من الصفقات العمومية، بما قد يكون أدى إلى إقصاء مقاولات من المنافسة وتضييق الولوج إلى طلبات عروض بمبالغ مالية مهمة.
وأفادت المصادر ذاتها بأن مرحلة أولى من عمليات الافتحاص همت مؤسسات ومقاولات عمومية وملحقات تابعة لها، مع إمكانية توسيع دائرة التحقيقات لتشمل مؤسسات أخرى تبعا لما ستسفر عنه النتائج الأولية. ويركز مفتشو المالية على مراجعة دفاتر الشروط الخاصة، ووثائق طلبات العروض، ومحاضر لجان فتح الأظرفة، وتقارير تقييم العروض، للتأكد من الكيفية التي أدرج بها شرط التواجد داخل الجهة أو بالقرب من مواقع إنجاز المشاريع.
وأضافت المصادر أن المفتشين يسعون إلى التحقق مما إذا كان اعتماد هذا الشرط يستند إلى مبررات تقنية وتشغيلية حقيقية تفرضها طبيعة بعض المشاريع، أم أنه تحول إلى آلية لتقييد المنافسة وإقصاء مقاولات تتوفر على الكفاءة والخبرة اللازمتين لإنجاز الصفقات، خصوصا في مجالات البناء والتجهيز والأشغال العمومية.
وفي السياق نفسه، أخضعت المفتشية ملفات صفقات سبق أن رست على شركات بعينها للمراجعة، مع مقارنة شروط المشاركة الواردة في دفاتر التحملات بنتائج تنفيذ تلك المشاريع، وذلك لرصد مدى مشروعية اللجوء إلى شرط “القرب الجغرافي” وما إذا كان قد استعمل بشكل استثنائي أم أصبح ممارسة متكررة تحد من مبدأ تكافؤ الفرص بين المتنافسين.
وكشفت المصادر أن مسؤولي أقسام الصفقات والمشتريات بالمؤسسات المعنية تلقوا طلبات رسمية لمد المفتشية بجميع الوثائق والمذكرات الداخلية والدراسات التقنية التي بررت اعتماد هذا الشرط، إلى جانب الدراسات المتعلقة بالحاجيات قبل إطلاق طلبات العروض، وذلك للتحقق من مدى استناد القرارات إلى معايير موضوعية واحترامها للقواعد المنظمة للطلبيات العمومية.
وامتدت عمليات التدقيق أيضا إلى مراجعة ملفات المقاولات التي تم إقصاؤها من المنافسة، ومقارنة مؤهلاتها التقنية وسوابقها المهنية مع الشركات التي فازت بالصفقات، بحثا عن مؤشرات قد تفيد بوجود توجيه للمنافسة أو تفصيل شروط المشاركة على مقاس متنافسين محددين، خاصة في الصفقات المتعلقة بالخدمات والدراسات والأشغال المتكررة.
وأكدت المصادر أن مفتشي المالية يركزون كذلك على مدى احترام المؤسسات المعنية لمقتضيات المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية، سيما المادة 21 منه، التي تجيز، عند الاقتضاء، مراعاة تواجد المتنافس داخل الجهة بالنسبة لبعض صفقات الخدمات، شريطة أن يكون ذلك مبررا بطبيعة المشروع ولا يمس بمبادئ المنافسة الحرة والمساواة بين المتنافسين.
ولم تستبعد المصادر أن تفضي نتائج هذا الافتحاص إلى إصدار توصيات تقضي بمراجعة دفاتر الشروط النموذجية المعتمدة لدى عدد من المؤسسات العمومية، وتشديد الرقابة على معايير التأهيل والانتقاء في طلبات العروض، مع ترتيب المسؤوليات الإدارية في حال ثبوت اعتماد شروط غير مبررة أخلت بمبادئ الشفافية والمساواة وحرية الولوج إلى الصفقات العمومية، في إطار تعزيز حكامة الإنفاق العمومي وضمان المنافسة النزيهة بين المقاولات.





