ابن القايد الذي جعله اليُتم يهرب من القرية إلى مراكش
سيرة الوزير المنبهي المخزني الدي خلد إسمه في وزارة الحرب

طفولة بئيسة. هكذا يمكن وصف طفولة المهدي المنبهي، أو هكذا وصفها بنفسه في أحاديثه مع أصدقائه الإنجليز عندما “تقاعد” في طنجة الدولية. فقد حكى كثيرا عن مرحلة طفولته لأصدقائه من الأجانب، خصوصا Sir Arthur Nicolson “السير آرثر نيكلسون” الوزير المفوض البريطاني في طنجة الدولية ما بين 1895 و1904
يونس جنوحي:
ابن قبيلة المحاربين.. “المنابهة”، في ضواحي مراكش. من قرية صغيرة انطلق المهدي المنبهي، ابنا لعائلة كثيرة الأفراد. والده كان قائدا للقبيلة، بينما أعمامه كانوا يتوقون إلى الحرب في صف المخزن ضد القبائل الثائرة.
عائلة لم ترق إلى صفوف العائلات الثرية في منطقة الحوز، لكن أفرادها عندما وضعوا مقاتلي القبيلة جميعا رهن إشارة المخزن أيام المولى محمد الرابع الذي حكم المغرب ما بين سنوات 1859 و1873، فتحوا لأنفسهم موارد دخل إضافية جعلتهم يحظون بمكانة عن غيرهم من القرى المحيطة، والتي كانت تنتمي إلى نفس القبيلة: المنابهة.
مخزني يتيم..
في العام 1870، ولد المهدي المنبهي، من إحدى زوجات والده القايد. لم يكن محظوظا كفاية لكي يرسم لنفسه مسارا في ظل والده “القايد”، أو حتى أعمامه الذين كان لديهم تأثير واضح على تحركات القبائل في نهاية عهد المولى محمد الرابع.
ما إن بلغ المهدي المنبهي السادسة من عمره، حتى توفي والده. فقدان الأب الذي كان يشغل منصب “القايد”، لم يكن يعني غياب الحظوة فقط، وإنما أيضا ضياع أي فرصة لخلافة والده، خصوصا وأنه كان في سن الطفولة.
طفولة بئيسة. هكذا يمكن وصف طفولة المهدي المنبهي، أو هكذا وصفها بنفسه في أحاديثه مع أصدقائه الإنجليز عندما “تقاعد” في طنجة الدولية. فقد حكى كثيرا عن مرحلة طفولته لأصدقائه من الأجانب، خصوصا Sir Arthur Nicolson “السير آرثر نيكلسون” الوزير المفوض البريطاني في طنجة الدولية ما بين 1895 و1904. فقد حكى عنه في استجواب مع الصحافة البريطانية قبل وفاته سنة 1916، قائلا:
“جمعتني بالوزير المغربي المنبهي ذكريات كثيرة في طنجة الدولية. وأعتبره شخصيا أحد أقرب الأصدقاء المغاربة الذين تعرفت عليهم. فإلى جانب أنه رجل دولة ووزير سابق للدفاع ومسؤول حكومي محنك، فقد كان رجلا يقدّر معنى الصداقة. وعلاقتي به تعود إلى زيارته الأولى إلى بريطانيا لتهنئة الملك إدوارد السابع بالجلوس خلال حفل التنصيب. ومن هناك نمت بيننا صداقة متينة تعززت بعد تقاعده في طنجة الدولية.
(..) لقد حكى لي الوزير عن طفولته، وهو أمر نادر الحدوث، فهو يتحدث عن حياته الشخصية مع أحد. لنقل إنه رجل كتوم جدا بشأن ماضيه. لقد قال لي مرة ونحن نتحدث عن ماضينا:
-لقد عشت طفولة بئيسة. لا يمكن لكم أنتم الإنجليز تصورها. لقد أصبحت عاريا تماما بعد وفاة أبي. ولم أجد أمامي سوى الهروب من القرية وترك كل شيء خلفي هناك. وذهبت رأسا إلى مراكش”.
وصف المهدي المنبهي نفسه بأنه صار عاريا بعد وفاة والده “القايد”.. لكن رحيله، أو هروبه الأول إلى مراكش، كان الفرصة الوحيدة التي أنقذته.
مخزني في مراكش
وصل المهدي المنبهي إلى مراكش، وكان المولى الحسن الأول قد اختارها في ذلك التوقيت عاصمة لحكمه، رغم أنه لم يكن يقيم فيها بشكل دائم. لكن وزيره المفضل، ورجل ثقته الأول “باحماد”، ابن الحاجب الذي ورثه المولى الحسن الأول عن والده المولى محمد الرابع، كان مستقرا في قصره الخاص بمدينة مراكش.. وهناك، في ذلك القصر، بدأ المهدي المنبهي مساره.
لا تتوفر معطيات تاريخية عن الطريقة التي ولج بها المهدي المنبهي، وهو دون الرابع عشرة، قصر الصدر الأعظم “باحماد”. لكنه استثمر أمرا غاية في الأهمية: التعليم الذي تلقاه وهو ابن القايد في قبيلة “امنابهة”، شفع له لكي يختصر المسافة، ويتميز عن غيره من المرشحين للخدمة في قصر الصدر الأعظم.
مراكش وقتها كانت تغلي سياسيا. قلعة حصينة ضد الثورات المندلعة في نواحي الحوز وسوس.. قبائل متمردة وأخرى تردها إلى صوابها لكي تبقى في ظل المخزن، ومتآمرون سريون وعلنيون، يصفون الحسابات “المخزنية” بين بعضهم البعض.
من بين ما حكاه الوزير المهدي المنبهي لصديقه الوزير البريطاني “Sir Arthur Nicolson”: “لقد حرصت في بدايتي مع المخزن على ألا يتكرر معي ما مررت به عندما توفي والدي القايد. في مراكش، أبسط خطأ يقود إلى المشنقة فورا”.
لم يكن المهدي المنبهي يبالغ في وصفه لمراكش التي عاش بين دروبها في بداياته.
في البداية استقر المهدي المنبهي مع أفراد عائلة ينحدرون من قبيلته، وكان النقاش الذي يسيطر على مواضيع الرجال والنساء في تلك الدار، هو “المخزن”، و”دار باحماد”، وكيفية ضمان الاشتغال في ظل المخزن في أجواء متقلبة وغير آمنة. وهكذا كوّن المنبهي عالمه الأول، قبل 1885.. الفترة التي سوف تبدأ فيها حياته في التغير نسبيا.
سوف يلج المهدي المنبهي إلى قصر باحماد، كواحد من المساعدين الصغار، وهي وظيفة أقل بكثير من وظائف “المخازنية” و”الكُتاب”. بدأ المهدي من الصفر، من السخرة تحديدا.. لكن “السخرة” لدى الوزير والصدر الأعظم، كانت فرصة كافية له لكي يغير حياته، بل ولكي يعوّض “باحماد” نفسه الذي كان أسطورة مخزنية حقيقية!




