
جمع المولى عبد العزيز وزراءه، وكان المنبهي من بينهم، وحثهم في خطاب مؤثر على ألا يستغلوا قربهم منه وثقته فيهم ليستخلصوا المال لأنفسهم، وأدوا أمامه القسم، في جو قرآني مهيب، ألا يعود أيّ منهم نهائيا إلى الارتشاء أو التعسف لجمع المال
يونس جنوحي
لم يكن بمقدور المهدي المنبهي أن يزيل عن نفسه تهمة إخفاء الحقيقة عن المولى عبد العزيز مع بداية سنة 1902.
فحتى في فترة تقاعده المريحة في طنجة الدولية، لم يستطع المنبهي أن يبرئ نفسه من تهمة المراوغات والتقليل من أهمية ثورة بوحمارة.. فهناك من حمله مسؤولية مقتل مئات الجنود المغاربة النظاميين، على يد رجال بوحمارة، بسبب سوء تقدير الوضع.
أسرار في قلب البلاط
فطن الإنجليز إلى أن المهدي المنبهي أصبح أقوى من أي وقت مضى منذ عودته من رحلته الرسمية إلى بريطانيا في يونيو 1901. وتذكر وثيقة من أرشيف المفوضية البريطانية أن المنبهي لم يعد فقط أقوى من ذي قبل، بل صاحب أنظف ذمة مالية من بين كل المسؤولين، وهو الذي كانت تلاحقه، إلى وقت قريب، تهم الفساد والارتشاء والاختلاس.
تقول المراسلة، التي صدرت عن المفوضية البريطانية في طنجة الدولية، إن المولى عبد العزيز جمع وزراءه، وكان المنبهي من بينهم، وحثهم في خطاب مؤثر على ألا يستغلوا قربهم منه وثقته فيهم ليستخلصوا المال لأنفسهم، وأدوا أمامه القسم، في جو قرآني مهيب، ألا يعود أيّ منهم نهائيا إلى الارتشاء أو التعسف لجمع المال، وخرج الوزراء من قاعة العرش كما لو أنهم في ولاية حكم جديدة.
الأمر الوحيد، الذي كدّر على المهدي المنبهي هذه «التوبة»، وصول أخبار تقدم «بوحمارة» على الأرض.
وانتبه الإنجليز إلى أن المنبهي كان المسؤول الأول أمام السلطان عن الوضع. وظهر جليا أن الوزير، العلاف الكبير ووزير الحرب، أخفى الحقيقة عن السلطان، وفضل ألا يخبره بتطورات الأوضاع في منطقة نشاط بوحمارة قبل أن تتسع حركته ويصل الخبر إلى السلطان من قنوات أخرى، أولها الصدر الأعظم، وخلفاء المخزن في المناطق التي وصل إليها «بوحمارة»، أو الجيلالي الزرهوني.. حتى أن المولى عبد العزيز عندما سُئل لأول مرة، من طرف أصدقائه الأجانب، عن سر حركة «بوحمارة»، أجابهم بأن كل ما يتوفر لديه من معلومات أن هذا المتمرد يدعي أنه الابن الأكبر للمولى الحسن الأول، وهي كذبة لم تكن لتنطلي على ابن السلطان الذي كان يعرف جميع إخوته، ولم يكن واردا نهائيا في حالة المولى الحسن الأول، أن يكون لديه ولد آخر سرا، خرج أخيرا ليطالب بالعرش بعد حوالي ثماني سنوات على وفاة والده.
لم يكن المولى عبد العزيز يتوفر على معطيات كافية بشأن تقدم «بوحمارة» ولا أعداد مريديه، رغم أن وزيره المهدي المنبهي لم يكن يفارقه نهائيا ويمضي معه أغلب أوقات اليوم داخل القصر الملكي.
كذبة «بوحمارة»..
لم يكن المهدي المنبهي نفسه يعرف الجيلالي الزرهوني من قبل. لم يجمعهما أي ظرف سياسي من قبلُ. وفي سنة 1902 أصبح الرجلان ندين لبعضهما.
من الحقائق غير المعروفة عن «بوحمارة»، بحسب الأرشيف البريطاني الذي وثق لشخصيته جيدا، أنه سبق له أن درس في فاس، قادما إليها من الشرق، ويعرف دهاليز دار المخزن جيدا قبل أن يعلن ثورته، بحكم أنه اشتغل في ديوان بعض الكتاب المخزنيين متدربا، في سنوات شبابه الأولى، قبل أن يغادر فاس ويعود إلى الشرق، حيث كان والده في انتظاره.
وحسب أرشيف المفوضية البريطانية، التي تابعت حركة هذا الثائر، فإنه يستحيل أن يكون وُلد قبل سنة 1865 -وهو التاريخ الذي أكده مؤرخون مغاربة ثقاة أولهم المؤرخ عبد الوهاب بن منصور- أي أنه وُلد قبل أن يصبح المولى الحسن الأول سلطانا للمغرب بثماني سنوات كاملة.
لم تكن حركة «بوحمارة» لتحظى بالشعبية التي كانت عليها لولا أنه استغل مسألة الأضرحة، وادعى أنه شيخ زاوية، ليجتمع حوله المريدون في فترة حرجة من تاريخ المغرب، في الجهة الشرقية، حتى أن بعض أنشطته وصلت إلى الجزائر، قبل أن يقود حركته من وجدة نازحا في اتجاه فاس، ببطء.
كان ممكنا أن يتعامل المهدي المنبهي مع حركة بوحمارة في بدايتها، ويُطفئها في مهدها، لكنه «تعالى» كثيرا وقلل من شأن الجيلالي الزرهوني، الذي كان الناس في فاس نسوا أنه عاش فعليا بينهم.
هاجم بوحمارة الحكومة المغربية، واتهم المهدي المنبهي، في خطبه أمام الناس، بأنه رجل فاسد ومسؤول عن فساد أغلب رجال المخزن الذين زرعهم في فلكه.. ومع ذلك بقي المنبهي مصرا على التقليل من شأن غريمه، الذي أصبح يهاجم السلطان شخصيا، ولم يعد يكتفي بمهاجمة وزيره القوي وحده.. إلى أن وصل الزرهوني مرحلة أعلن فيها أنه ابن السلطان الحسن الأول، وأنه أحق بالعرش.. وقاد أتباعه، صوب فاس، مقتربا شيئا فشيئا من العاصمة.
كان «بوحمارة» يغذي شعبيته بين الناس، بحسب ما أكده أكثر من مصدر تاريخي، بتأجيجهم ضد الوجود الأجنبي في المغرب، ويتهم السلطان المولى عبد العزيز شخصيا بارتكاب جريمة التواصل مع الأجانب، خصوصا الإنجليز. في حين كان المهدي المنبهي صديقا مفضلا للوزير البريطاني الذي كان يرأس المفوضية البريطانية. ليعلن عليه «بوحمارة» الحرب أيضا..





