
حسن البصري
دخلت البرلمان المغربي مرة واحدة، ومررت من جانبه عشرات المرات، كان دخولي إلى هذه المؤسسة الدستورية بدعوة من إدارته، بمناسبة «اليوم العالمي للرياضة»، لاحظت حجم المفاجأة على تقاسيم وجوه كثير من البرلمانيين والموظفين، استغربوا لوجود كائنات رياضية في ممرات المجلس، اختلطت مع كائنات سياسية في فضاء دستوري، فسادت الروح الرياضية أحيانا وتسللت المجاملات أحيانا أخرى، وتبين أن هذه المداهمة المفاجئة قد أخرت جلسة الأسئلة الشفوية لدقائق، بسبب انشغال ممثلي الشعب في التقاط «سيلفيات» للذكرى مع وجوه رياضية نادرا ما تطأ أقدامها قبة البرلمان.
في اليوم العالمي للرياضة حضر نجوم الرياضة: نوال المتوكل، حسن أقصبي، عزيز بودربالة، هشام الكروج، محمد التيمومي، عبد العالي الزهراوي، صلاح الدين بصير، موهوب الغزواني، خالد السكاح، حسناء لشكر، وغيرهم من النجوم منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومنهم من استهوته الجلسة في القبة، لكن غاب وزير الرياضة آنذاك، رشيد الطالبي العلمي.
لنتصور احتفالا بالرياضة تحت قبة البرلمان في غياب وزير الرياضة، الذي سيصبح رئيسا لمجلس النواب وسيعاتب المتغيبين. حلت الكاتبة العامة للوزارة وأعلنت نيابتها عن وزير غائب، فردد الحبيب المالكي، رئيس مجلس النواب، على مضض: «الغايب حجتو معاه».
اعتقد الرياضيون أن وجودهم في البرلمان سيكون فرصة لإخراج الكثير من التشريعات الرياضية من دواليب النسيان، وفتح ورشات نقاش مباشر بين الرياضيين وممثلي الأمة، خاصة في ظل الحاجة إلى تشريعات وقائية للرياضي بعد الاعتزال، كي لا يظل رهينة بين يدي سياسيين يرتدون قمصانا رياضية، لكن لا شيء حصل.
في القاعة رقم 11 بالبرلمان سجل غياب كثير من نجوم الرياضة الذين فقدوا الثقة في السياسيين، لذا لم يهتم الحاضرون بخطبة عصماء للمالكي الذي تحدث عن التنمية والسلام والمناخ والبيئة والمونديال والتأمين والملاعب والأمم المتحدة وتعويم الدرهم، فتاه الحاضرون في سراديب خطبة أشبه بالمتاهة.
تبادل الرياضيون النظرات، وكأني بهم ينتظرون رفع راية الشرود من طرف حكم الشرط، يوقف الخطبة المملة التي تفنن الخطيب في انتقاء كلماتها.
وقبل الختام، وفي لحظة حماس زائد، بشرنا المالكي بامتلاكه براءة اختراع اليوم العالمي للفلسفة. همس لاعب سابق في أذني قائلا: «قل للخطيب باركا من الفلسفة».
اختار البرلمان المغربي الاحتفال باليوم العالمي للرياضة في يوم احتفال علماء الآثار باليوم العالمي للآثار، لهذا يمكن أن نفهم سر وجود رياضيين نالوا ما تيسر من التهميش، حتى تحولوا إلى قطع أثرية تؤثث مثل هذه الملتقيات.
دعي الرياضيون لحضور جلسة الأسئلة الشفوية، جلسوا في منصة تحت قبة البرلمان، وقبل أن يعطي رئيس الجلسة انطلاقة المواجهة، غادروا القاعة كي لا يشهدوا على أسئلة لا علاقة لها بالشأن الرياضي.
بدا وكأن خطبة المالكي والترحاب البروتوكولي لممثلة الوزير، والنقاش السطحي في الرياضة، مجرد مباراة رفع الستار، أما المباراة الرئيسية فهي جلسة الأسئلة الشفوية التي لم تلامس الرياضة. لذا سقطت التوصيات سهوا أو لهوا من برنامج مباراة جمعت السياسيين بالرياضيين وانتهت بلا غالب ولا مغلوب.
يمر اليوم العالمي للرياضة مرور اللئام، لا يحظى بالترويج الإعلامي ولا يملك في التلفزيون نصف وصلة دعائية، أما الرياضيون فقد انسحبوا بهدوء وسط صخب نقط النظام ونقط النظام المضادة، وهم يتساءلون عن شروط نيل صفة برلماني محترف.
قال لاعب دولي مازحا:
.«لهلا يحرمنا من هاد المقام»
وحين كنا نهم بمغادر مقر البرلمان، صاح ماسح أحذية في وجوهنا، وهو يتأبط صندوقه الخشبي:
«واش هذا برلمان ولا رجعوه جامعة ديال الكرة؟».
فضحكنا ضحك طفلين معا، وعدونا وسبقنا ظلنا.





