
طنجة: محمد أبطاش
كشف التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات الصادر أخيرا، عن اختلالات عميقة في تدبير المرافق الصحية التابعة للجماعات الترابية بجهة طنجة- تطوان- الحسيمة، وذلك في إطار المهمات الذاتية التي أنجزها المجلس الجهوي للحسابات بطنجة، وفق منهجية «المراقبة المندمجة»، التي تجمع بين آليات مراقبة التسيير والمساءلة ذات الطابع القضائي. هذه المراقبة شملت عددا من الجماعات الحضرية وشبه الحضرية بالجهة، من بينها طنجة ومحيطها، في سياق يعرف ضغطا متزايدا على الخدمات الصحية، بفعل النمو الديموغرافي والتوسع العمراني.
وأبرز التقرير وجود فجوة واضحة بين الاستثمارات العمومية المنجزة في المجال الصحي وبين مستوى الخدمات المقدمة فعليا للمواطنين، حيث سجل قضاة المجلس ضعفا في الحكامة المحلية، تجلى أساسا في غياب أنظمة فعالة للمراقبة الداخلية، وعدم توفر دلائل مساطر مكتوبة تؤطر تدبير المرافق الصحية الجماعية. هذا الخلل التنظيمي انعكس بشكل مباشر على نجاعة الأداء، وحول عددا من المرافق إلى بنايات قائمة دون مردودية اجتماعية حقيقية، وفق قضاة الحسابات.
وفي ما يخص مكاتب حفظ الصحة الجماعية، سجل التقرير وضعية مقلقة بهذه المرافق الحيوية، خاصة في المدن الكبرى وعلى رأسها طنجة، حيث تعاني من تهالك البنايات وغياب الصيانة الوقائية للمعدات، إضافة إلى نقص حاد في الموارد البشرية المؤهلة من أطباء وتقنيين وبياطرة.
وسجل التقرير، في ما وصفه بمعطى يعكس اختلال التنسيق المؤسساتي، أن عددا من المنشآت الصحية المكتملة البناء بجهة طنجة- تطوان-الحسيمة ما زالت خارج الخدمة، في انسجام مع معطيات وطنية كشفت عن وجود 188 بنية صحية وتعليمية منجزة دون أن يتم استغلالها. وأرجع المجلس هذا الشلل التشغيلي إلى أسباب محددة، أبرزها غياب الموارد البشرية بنسبة 42 في المائة، ونقص التجهيزات الأساسية بنسبة 25 في المائة، إضافة إلى عدم ربط بعض المرافق بشبكات الماء والكهرباء بنسبة 19 في المائة، وهو ما اعتبره التقرير مؤشرا على ضعف التخطيط القبلي، وتدبير المشاريع بمعزل عن شروط تشغيلها الفعلي.
وأكد المجلس الأعلى للحسابات أن هذه الوضعية لا ترتبط فقط بإكراهات محلية، بل تعكس إشكالا وطنيا في تدبير المرافق العمومية ذات الطابع الصحي على المستوى الترابي، حيث يستمر منطق التدبير المجزأ في إنتاج اختلالات متكررة، رغم حجم الاعتمادات المرصودة. ودعا التقرير إلى اعتماد مقاربة مندمجة تقوم على التنسيق المسبق بين الجماعات الترابية والقطاعات الوزارية المعنية، وضمان التزامن بين إنجاز البنيات الصحية، وتوفير الموارد البشرية والتجهيزات الضرورية لتشغيلها.
وخَلُص التقرير إلى أن الرهان الحقيقي بجهة طنجة لا يكمن في تشييد مرافق صحية جديدة، بقدر ما يرتبط بإصلاح منظومة الحكامة المحلية وتحسين شروط تدبير الموجود منها، بما يضمن حسن استعمال المال العام، ويكرس حق المواطنين في الولوج إلى خدمات صحية لائقة ومستدامة، بعيدا عن منطق الاستثمار غير المنتج، الذي أبان عن محدوديته على المستويين الجهوي والوطني، حسب نص التقرير.





