
في البدء كانت الكلمة، ثم اكتشف الإنسان بسرعة أن الكلمة وحدها لا تدفع راتباً، ولا تحرّك دبابة، ولا تغيّر سعر الفائدة ولا تفتح باب وزارة. ومع ذلك ما يزال في مدننا جيل كامل يؤمن بأن التاريخ، ذلك الوحش الثقيل، يمكن إقناعه ببيان أنيق يُقرأ فوق طاولة خشبية، بين كأس «بيرة» باردة و«شيشة» بنكهة التفاح.
للمناضل الشاب، خصوصاً في نسخته اليسارية الرومانسية، جاذبية لا تُنكر. لغته جميلة، قاموسه مزدحم بالعدالة والمساواة والتحرر والكرامة والحريات الفردية وحقوق الشعوب. إنه يتحدث كما لو أن البشرية أضاعت الطريق لأنها لم تستمع بعد إلى مداخلته في الحلقة النقاشية. وحين ينتهي يصفق الرفاق بحرارة، فيشعر الجميع بأن الرأسمالية تلقت ضربة موجعة، قبل أن يطلبوا الفاتورة منفصلة.
المشكلة ليست في الأحلام، فالعالم بلا أحلام مجرد شركة محاسبة ضخمة. المشكلة تبدأ حين تتحول الأحلام إلى بديل عن فهم السلطة. فالسياسة، منذ أول معبد وأول قصر وأول جيش، لم تكن مسابقة في نقاء النوايا. كانت دائماً هندسة للقوة: دين يمنح الشرعية، دولة تحتكر الإكراه، جيش يحرس الحدود والمصالح، اقتصاد يشتري الوقت وتحالفات تُعقد لأن الخصوم يحتاج بعضهم إلى بعض، لا لأنهم اكتشفوا فجأة فضائل التسامح.
لكن العقل النضالي الرومانسي يكره هذه التفاصيل المزعجة. الواقعية تبدو له خيانة، والتسوية انتهازية وحساب موازين القوى جبناً أخلاقياً. إنه يريد عالماً نقياً، لذلك ينتهي غالباً إلى ممارسة السياسة في الأماكن الوحيدة التي تسمح بالنقاء الكامل: المقاهي، وصفحات التواصل والندوات التي لا يملك أحد فيها سلطة تنفيذ شيء.
علم النفس السياسي يفسر جانباً من الحكاية. فالشعار لا يغير الواقع دائماً، لكنه يغير صورة صاحبه عن نفسه. يمنحه هوية أخلاقية فورية: أنا مع المظلوم، إذن أنا جيد، أنا ضد الاستبداد، إذن أنا حر، أنا أرفض النظام العالمي، إذن أنا لست جزءاً منه. وهكذا يتحول النضال أحياناً من مشروع لتغيير البنية إلى طقس لتطهير الضمير. يكفي أن تلعن المنظومة كي تنام مرتاحاً داخلها.
في المغرب قدمت سنة 2011 مختبراً شديد الطرافة لهذه المفارقة. في ذروة الربيع العربي امتلأت الساحات والحلقات والفضاءات القريبة من فندق «باليما» الشهير بشباب يتحدثون بثقة من يحمل مفاتيح الجمهورية الفاضلة في حقيبة ظهر. كانت الثورة تبدو قريبة، والدولة تبدو، في المخيلة، بناءً قديماً يكفي أن نهتف أمامه طويلاً حتى يسقط من فرط الإحراج.
ثم فعل الزمن ما يفعله دائماً: هدأت الشوارع، تعقدت الوقائع، ظهرت حدود الممكن وعاد التاريخ إلى عادته الحميدة في رفض السيناريوهات الشعرية. بعض أولئك الثوار اكتشفوا لاحقاً أن الإدارة ليست وحشاً ميتافيزيقياً، بل رب عمل محترماً يوفر أجرة وتعويضات وترقية وتقاعداً. فدخلوا الوزارات والمؤسسات، حملوا بطاقات الموظف، تعلموا لغة المذكرات الداخلية وصاروا يصلون في الموعد إلى الاجتماعات التي كانت مؤسساتها، قبل سنوات، جزءاً من «البنية التي يجب تفكيكها».
هنا لا توجد فضيحة بالضرورة. الإنسان يكبر، ومسؤولياته تكبر والإيجار أكثر إقناعاً من البيان الثوري. السخرية فقط في المسافة بين اليقين القديم والمرونة الجديدة. من كان يطالب بإسقاط المنظومة صار يطالب اليوم بتحسين شروط التعويض عن التنقل داخلها. ومن كان يرى الفنادق الفاخرة رمزاً للبرجوازية المتعفنة، ارتقى بنضاله جغرافياً من «باليما» إلى «الماريوت» و«السوفيتيل»، حيث تصبح الثورة، لسبب غامض، أكثر نضجاً قرب «البوفيه» المفتوح.
والأطرف أن البراغماتية، التي كانت تُشتم في العشرين، تصبح، بعد الأربعين، اسماً للحكمة. تتبدل المفردات قبل المواقف: «المساومة» تصبح «تدبيراً للتوافق»، و«الاندماج في المنظومة» يصير «عملاً من داخل المؤسسات»، أما الراتب فلم يعد أداة استلاب، بل استحقاقاً لا يجوز المساس به. هكذا ينجح الإنسان في مصالحة ضميره مع حسابه البنكي دون مؤتمر استثنائي.
ليس في ذلك ما يدعو إلى محاكمة جيل. فالنضج قد يكون الانتقال من وهم القدرة المطلقة إلى فهم الممكن، لكن المفارقة تستحق التأمل حين يواصل المرء إلقاء الخطب بالنبرة نفسها، بينما تغير موقعه ومصلحته وكرسيه. عندها يصبح النضال نوعاً من «الإكسسوار» النفسي: شارة قديمة يحتفظ بها صاحبها كي لا يعترف بأن التاريخ روّضه أكثر مما روّض هو التاريخ.
هذا تحديداً درس السياسة: العالم لا يتحرك لأن فكرتك أجمل، بل لأنك استطعت تحويلها إلى قوة ومصلحة وتنظيم ومؤسسات وتحالفات. الحقوق نفسها لم تنتصر بالشعر وحده، احتاجت نقابات وأحزاباً وقوانين وضغطاً ومفاوضات وتنازلات وتراكماً طويلاً. حتى أنبل القضايا تحتاج إلى حساب بارد كي تعيش.
لذلك لا ينبغي السخرية من الحلم، بل من اعتباره خطة عمل. العدالة قيمة عظيمة، لكنها لا تملك ميزانية. الحرية ساحرة، لكنها تحتاج مؤسسات تحميها.. والمساواة قصيدة نبيلة، لكنها، حين تدخل البرلمان، تحتاج أرقاماً وأغلبية وتصويتاً.
أما الثورة، التي تكتفي بتغيير المقهى، فهي ناجحة بلا شك: بدأت بكراسي «باليما» وانتهت بأرائك فندق خمس نجوم. وربما هذا هو الانتصار الوحيد الذي تحقق كاملاً: لم يتغير العالم كثيراً، لكن المناضل حصل، أخيراً، على ترقية محترمة في مستوى الجلوس.





