
يونس جنوحي
دائما ما يتم الربط بين أجهزة الاستخبارات الدولية وبين خيال الأفلام وقصص الجواسيس والمعلومات المودعة في الحقائب السوداء والجواسيس الذين يجلسون في مقاعد الطائرات ويطالعون الجرائد. لكن الواقع أن أقوى حكومات العالم تملك أجهزة للتجسس وجمع المعلومات حول العالم.
فيديو جنسي يجبر مرشحا لمنصب عمدة باريس على الانسحاب الفوري والنهائي من السباق لعمودية واحدة من أهم العواصم العالمية. فقد اضطر بنجامين غريفو للتخلي عن السباق المحموم بحكم «الإحراج»، كما وصفته صحف عالمية، الذي سببه له ظهوره في وضعية مُخلة بمقطع فيديو نسبته الصحافة الدولية له، وذكر اسم ناشط روسي باعتباره المروج الأول للفيديو ومُفجر الفضيحة. وهكذا يُثار من جديد دور الاستخبارات الروسية في ممارسة فن «الابتزاز» وضلوع أنظمة قوية في نشر فضائح المشاهير والسياسيين.
ومؤخرا نُشرت مقالات في الصحافة العالمية عن الدور الذي تلعبه الأجهزة الاستخباراتية في قوة النظام الروسي، منذ أيام الاتحاد السوفياتي إلى اليوم، والسلاح القوي الذي تضعه بين يدي الرئيس الحالي فلاديمير بوتين، الذي كان في الحقيقة مديرا لجهاز الأمن الروسي خلال التسعينيات.
الـ«كومبرومات.. فن الابتزاز الروسي» عنوان مقال نشرته الصحافة الفرنسية الأسبوع الماضي، يكشف أساليب الحكومات، خصوصا النموذج الروسي، في امتلاك المعلومة التي تمكنها من التحكم في مصير مسؤولين ونافذين كبار من جنسيات مختلفة. وفي بعض الحالات يتحول الأمر إلى ابتزاز عن طريق عملاء تلك الأجهزة.
منذ الحرب الباردة والعالم يعيش على إيقاع حرب امتلاك المعلومة. وباستثناء حروب النفط، فإن حرب المعلومة أغنت عددا من الأنظمة عن خوض حروبها بالجيوش، واكتفت بالسعي إلى امتلاك معلومات حساسة عن الدول أو الأنظمة التي تشكل مصدر منافسة لها أو مصدر تهديد أمني محتمل.الروس كانوا سباقين في هذا المجال، واستطاعوا اختراق الأمريكيين منذ أزيد من 60 سنة، عندما أهدوا السفير الأمريكي هدية عُرف لاحقا أنها مجرد وسيلة للتنصت على الاجتماعات الدبلوماسية السرية، وتحويلها إلى معلومات مفيدة يتم الاحتفاظ بها إلى الوقت المناسب.
أما اليوم فقد تغيرت الأمور كثيرا، وأصبحت الهواتف النقالة تغني الحكومات عن صرف الميزانيات في التعقب والتجسس. والنتيجة أن شخصيات كبرى في مراكز القرار الدولي وفي المؤسسات الدولية الاقتصادية والسياسية الكبرى، كانت، خلال السنوات العشر الأخيرة، في قلب عواصف أخلاقية كلفت الكثيرين منهم مسارهم المهني، وابتعدوا عن الحياة العامة بعد تسريب مقاطع لهم سُرقت إما من هواتفهم أو من هواتف المتورطين معهم. وبطبيعة الحال، فإن صحة تلك المعلومات المسربة لم تكن لتهم الرأي العام العالمي ووسائل الإعلام بقدر ما كان التركيز منصبا على المحتوى وسرعة انتشاره التي تفوق بكثير انتشار النار في الهشيم.
من طرائف ما ورد في المقال الفرنسي أن الرئيس فلاديمير بوتين عين سنة 1998 على رأس مجلس الأمن الاتحادي في روسيا، وهو جهاز الأمن العام الذي يمثل عصب الاستخبارات. وكانت وقتها قد تفجرت فضيحة جنسية لمسؤول روسي، انتشرت في الصحافة بقوة، وكان بوتين شاهدا على صحة المقطع الجنسي. وطبعا، لن نعدم أمثلة في هذا الباب، فقد تورط سياسيون كثر، بسبب حرب المعلومات هذه، منذ فترة الحرب الباردة، وفترة السبعينيات بمشاركة ممثلات ونجوم من السينما في توريط مشاهير وسياسيين، وصولا إلى اليوم حيث يملك كل واحد من الشخصيات العامة هاتفا في جيبه بإمكانه أن يُدينه في أية لحظة، ويكفي اختراق هاتفه بدل إنفاق ميزانيات وتخصيص مراقبين لفضحه.
في روسيا سنة 2016 تم تصوير منافس لفلاديمير بوتين في الانتخابات الرئاسية دون علمه، وهو يتحدث إلى معاونه رفقة من وُصفت بعشيقته. وكان الفيديو الفضيحة كافيا لإضعاف حظوظه في استطلاعات الرأي.
إننا نعيش الآن في عهد «المعلومة». امتلاكها أصبح أكثر أهمية من امتلاك الرؤوس النووية. لذلك أصبحنا نرى مؤخرا كيف أن الرئيس الفرنسي الأسبق عانى سياسيا، سنة 2015، من تسريب مقطع له وهو يزور إقامة فنانة فرنسية ممتطيا دراجة نارية ومخفيا هويته بخوذة، نسي معها ربما أن من يتعقبونه لن تحول خوذته بينه وبينهم.




