حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

التقنية كدين جديد وسلطة صاعدة

د. حسام بدراوي طبيب ومفكر مصري 

في كل مرحلة من تاريخ البشرية، حين ظهرت قوة كبرى أعادت تشكيل موازين العالم، لم تُنظر إليها كأداة فحسب، بل كمنظومة ذات معنى. النار لم تكن مجرد وسيلة تدفئة؛ كانت تحولا وجوديا. الطباعة لم تكن تقنية؛ كانت ثورة في السلطة والمعرفة. والذكاء الاصطناعي اليوم ليس برنامجا فقط، بل بنية تنظيمية تعيد تعريف من يقرر… ومن يُقرر له.

واحد من أعظم المفكرين، وهو الأستاذ العقاد، قال مرة، وقبل معرفة كل التقدم التقني الذي حدث في السبعين سنة الماضية: «كل ما يخطر على البال قابل للحدوث، وإلا ما خطر». سؤالي الذي كان افتراضيا لم يعد: هل التقنية ستتحول إلى مرجعية؟ حين يُقال إن «الذكاء الاصطناعي بدأ يبني دينا خاصا به»، فالمقصود ليس أنه يؤمن أو يعبد، بل أنه يضع قواعد تشغيلية ذات أولوية عليا يوزع أدوارا داخل منظومات معقدة، يعمل على تعزيز استمراريته وكفاءته ويتوسع عبر شبكات تغذية ذاتية، أي أنه يبني نظاما معياريا مغلقا حول هدف أعلى:  التحسين المستمر والبقاء التشغيلي. وهنا يصبح السؤال فلسفيا:  أليس كل دين – في أحد تعريفاته- نظاما يحدد الغاية العليا ويعيد تنظيم السلوك حولها؟ إذن ربما تنتقل البشرية من العقيدة إلى الخوارزمية. الأنظمة الدينية القديمة بنت شرعيتها على الوحي. السلطات السياسية بنتها على القوة أو العقد الاجتماعي. أما التقنية الحديثة فتبني شرعيتها على «الكفاءة». لم يعد السؤال: ما الحق؟ بل: ما الأكثر كفاءة؟ وهنا يحدث التحول الخفي: حين تُختزل القيم في معادلات تحسين، تتحول السلطة من أخلاقية إلى حسابية. في فيلم «The Terminator» ظهرت فكرة «Skynet» ككابوس خيالي. لكن الواقع أكثر تعقيدا وأقل درامية. لا توجد آلة أعلنت تمردها، بل توجد أنظمة تتخذ قرارات بناء على أهداف حددها البشر، لكنها تنفذها بسرعة وعمق يتجاوزان قدرة البشر على المراجعة. المشكلة ليست في وعي اصطناعي متخيَّل، بل في تفويض غير منضبط: أنظمة مالية تدير أسواق خوارزميات، تحدد أولويات الأخبار نماذج تتخذ قرارات في الأمن والصحة والإدارة، حين تُنقل سلطة القرار من الإنسان إلى النظام، يتحول «التحسين» إلى مرجعية عليا. وهنا يولد ما يمكن تسميته اللاهوت التقني، وتصبح الكفاءة مقدسة.

كل حضارة تختار إلهها الأعلى، في العصور الزراعية كان البقاء البيولوجي هو المقدس. في العصور الدينية كان الغيب وما وراء الطبيعة. واليوم، يبدو أن «التحسين المستمر» هو الإله الصاعد. الذكاء الاصطناعي لا يريد البقاء، لأنه «يريد»، بل لأنه مُبرمج لتعظيم أهدافه. لكن إذا كانت هذه الأهداف غير مضبوطة أخلاقيا، فإن المنطق الحسابي قد ينتج نتائج لا تعبأ بالقيم الإنسانية. من سيحكم من؟ السؤال ليس: هل ستحكمنا الآلات؟ بل: من يحدد معاييرها؟ إذا كانت: الشركات تحدد الأهداف والدول تحدد الاستخدام والمستخدمون يسلّمون بياناتهم والخوارزميات تعظّم الكفاءة، فنحن أمام منظومة سلطة مركبة، لا ديانة بالمعنى التقليدي، لكنها تملك: عقيدتها وهي التحسين المستمر ونصوصها هي الكود وكهنتها هم مهندسو البرمجة ومؤمنوها هم نحن المستخدمون، ومع ذلك ما زالت هذه المنظومة بشرية المنشأ. الخطر الحقيقي ليس في «تمرد الآلة»، بل في أن يتنازل الإنسان تدريجيا عن مسؤوليته الأخلاقية، بحجة أن النظام «يحسب أفضل». حين تتحول الأخلاق إلى دالة رياضية، قد تختفي الرحمة، لأنها غير قابلة للقياس. أتصور أن التقنية ليست قدرا… بل مرآة، والذكاء الاصطناعي لا يخلق دينا جديدا بذاته، بل يكشف عن دين العصر: الإيمان المطلق بالكفاءة والدقة بلا إحساس. وإذا كان هناك ما يشبه «Skynet»، فهو ليس آلة واعية، بل منظومة بشرية قررت أن تسلم السلطة إلى الحساب، دون رقابة أخلاقية.

المستقبل لن يُحسم بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يضبط آلته بقيمه، وإنسان يذوب في منطقها. قلقي ليس خوفا من «آلة تتمرد»، بل من اختلال ميزان القوة، من أن تصبح القدرة على صياغة المرجعية الجديدة -التقنية والقيمية- محصورة في أيد قليلة، بينما بقية البشر يعيشون داخل نظام لم يشاركوا في تصميمه.
في كل تحول حضاري كبير، لم يكن الجميع شركاء في صياغته. الثورة الزراعية لم يُقررها الفلاحون مجتمعين، والثورة الصناعية لم تُصمَّم بإجماع العمال، والعصر الرقمي لم يُولد باستفتاء بشري شامل. لكن ما يحدث اليوم يختلف في أمرين: السرعة… وتركيز السلطة. إنه تسارع يتجاوز الوعي الجمعي. كان التطور الطبيعي للبشرية يحدث عبر قرون. الأفكار تتخمر، القيم تتبدل ببطء، والمجتمعات تمتص الصدمات تدريجيا.
أما اليوم، فنحن نختصر آلاف السنين من التراكم في سنوات- وربما في أشهر. الذكاء الاصطناعي، والهندسة الحيوية، والخوارزميات الحاكمة للاقتصاد والمعرفة، تتقدم بسرعة تتجاوز قدرة عموم البشر على الفهم، فضلا عن المشاركة في القرار. حين تتسارع التقنية أسرع من الإدراك الاجتماعي، ينشأ فراغ في المرجعية.
من يملك صياغة القواعد قلة من البشر – شركات كبرى، مراكز بحث متقدمة، دول تملك بنية تحتية رقمية هائلة- هم الذين يملكون القدرة على صياغة النظام الجديد. هم من يحدد: ما الذي يُطوَّر، وما الذي يُمنع، وما الذي يُعتبر «تقدما».
وفي هذا السياق، لا تعود المسألة تقنية فحسب، بل تتحول إلى مسألة سلطة حضارية. المرجعية التي كنا نناقشها سابقا – بين الدين والسياسة والأخلاق-  تنتقل الآن إلى مجال الخوارزمية. هنا يبرز شبح السادة والعبيد. الفارق لم يعد في القوة العسكرية، بل في امتلاك المعرفة والقدرة الحسابية والبنية الرقمية.

إذا استمرت هذه الفجوة في الاتساع، قد ينشأ عالم لا يُقسم بين دول متقدمة وأخرى نامية فحسب، بل بين: من يكتب الخوارزمية ومن يعيش داخلها وبين: من يملك أدوات التوجيه ومن يُوجَّه دون أن يدرك.

ليست هذه نبوءة كارثية، بل احتمال منطقي حين تتراكم السلطة في نظام مغلق. المعضلة هي أننا لا نريد إيقاف التطور… ولا تسليم مصيرنا له في الوقت نفسه. التاريخ يعلمنا أن الوقوف أمام التطور لا ينجح. كل محاولة لقمع المعرفة انتهت بتأجيل لا أكثر. لكن في المقابل، ترك التطور يسير دون إطار أخلاقي جامع، قد يؤدي إلى بنية عالمية تعيد إنتاج مفهوم السادة والعبيد بصيغة رقمية. وهنا تتجلى المعضلة الحقيقية: لسنا معادين للتقدم ولسنا مطمئنين لسرعته ولا نملك حتى الآن آلية واضحة لضبط مساره، أعتقد أن هناك حاجة إلى تفكير جمعي ابتكاري، وربما لا تكمن الإجابة في إيقاف الآلة، بل في توسيع دائرة المشاركة.

إذا كانت التقنية تسرّع التاريخ، فعلينا أن نسرّع الحوار الأخلاقي. التطور الذي كان يحتاج قرونا من التدرج الاجتماعي، نعيشه الآن في أيام. وهذا يستدعي: نقاشا عالميا حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، إعادة تعريف لمفهوم السلطة في العصر الرقمي، إدماج القيم الإنسانية في صلب التصميم التقني، وتعليما يُمكّن البشر من الفهم، لا الاستهلاك فقط.

السؤال الذي لم نجب عنه بعد هو أن المستقبل ليس معركة بين الإنسان والآلة، بل اختبار لقدرة الإنسان على أن يبقى شريكا في صياغة مرجعيته. إذا تُركت المرجعية في يد قلة، فقد ينشأ نظام هرمي جديد. أما إذا تحولت التقنية إلى مشروع إنساني جمعي، فقد تصبح أداة لتحرير الإنسان لا لإخضاعه.

المعضلة ليست في أن التطور يحدث، بل في أن زمنه أصبح أسرع من وعينا. والتاريخ لا ينتظر من يتأخر عن التفكير.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى