
لم تعد حروب العصر المدمرة للبشر والحجر تقتصر على الدبابات الثقيلة والطائرات الشبح والصواريخ العابرة للقارات، بل أصبحت البشرية تواجه نوعا أكثر خطورة وفتكا، يتمثل في حروب الفيروسات والأوبئة التي تستطيع في زمن قياسي شل حركة العالم، وإرباك أقوى الاقتصادات وإسقاط المنظومات الصحية مهما بلغت درجة تطورها، إذ بعد الكوارث الإنسانية والاقتصادية والنفسية التي خلفها فيروس كورونا، يطل علينا فيروس «هانتا» برأسه من جديد، وسط مخاوف عالمية من تكرار سيناريو الحجر الصحي، وتعطل الحياة العامة وعودة الهلع الجماعي الذي عاشته الشعوب خلال السنوات القليلة الماضية.
ومهما تعددت الفرضيات حول مصادر هذه الفيروسات، وهل هي طبيعية أم مصنوعة داخل مختبرات سرية وتخضع لأجندات وتحكمات خفية، فإن المؤكد أن المملكة الشريفة أصبحت مطالبة بالاستعداد الدائم لأسوأ السيناريوهات الممكنة، لأن الحروب الفيروسية لم تعد مجرد مشاهد من أفلام الخيال العلمي، بل تحولت إلى واقع معيش يهدد الأمن الصحي والاقتصادي والاجتماعي للدول، ويكشف هشاشة المنظومات الصحية المتأخرة في الاستثمار في البحث العلمي والصحة العمومية.
لقد أظهرت جائحة كوفيد 19 أن انهيار المنظومات الصحية يمكن أن يحدث في لحظات حرجة، وأن أصحاب البذلات البيضاء يشكلون خط الدفاع الأول في مواجهة الأخطار الوبائية، لذلك فإن تقوية القطاع الصحي العمومي وتحسين ظروف اشتغال الأطر الطبية والتمريضية ونجاح مشروع المجموعات الصحية الترابية، وتوفير التجهيزات الحديثة وتشجيع البحث العلمي، أصبحت رهانات استراتيجية لا تقل أهمية عن التسلح العسكري الدفاعي وحماية الحدود، ناهيك عن أن الحفاظ على الأمن الصحي يقتضي تطوير آليات اليقظة والرصد المبكر، والاستثمار في الصناعات الدوائية والتكنولوجية، حتى لا تبقى الدولة رهينة لأسواق الخارج وتقلباتها في أوقات الأزمات، وانكماش كل دولة على نفسها لسد حاجياتها أولا من الدواء والغذاء.
في هذا السياق راكمت المملكة المغربية تجارب مهمة في تدبير الأزمات الصحية، يمكن البناء عليها لتعزيز المناعة الوطنية ضد الأخطار الوبائية، خاصة من خلال تطوير مشاريع الرقمنة، وتشجيع المعاملات والعمل عن بُعد والبحث عن حلول اقتصادية مرنة قادرة على مواجهة الصدمات المفاجئة، حتى لا تتكرر الانهيارات الحادة التي مست قطاعات حيوية خلال فترات الحجر الصحي.
إن حروب المستقبل لن تحسم فقط بالقوة العسكرية، بل كذلك بالتفوق العلمي والتكنولوجي والقدرة على الابتكار واكتشاف اللقاحات ضد الفيروسات الفتاكة وتأمين الأمن الصحي والغذائي والرقمي، لذلك فإن القوة على المديين القريب والمتوسط ستكون للأمم التي تستثمر في العلم والمعرفة والبحث العلمي، وليس لمن يستغرق في التفاهة وقتل الوقت، والدوران في حلقة مفرغة من السياسات الفاشلة والتخلف عن ركب المشاريع الملكية الكبرى وأهدافها الاستراتيجية. إنه زمن الرداءة والفيروسات والحروب الطاحنة على المصالح الكبرى ومن يريد البقاء عليه حتما الاستعداد لأسوأ السيناريوهات والوعي العميق بالتحولات العالمية في جميع المجالات.





