حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

حكومة حلال

استغلال الدين في السياسة ليس مجرد انزلاق أخلاقي عابر، بل مغالطة منطقية كبرى تُسوَّق في ثوب الورع وتُدار بعقلية التاجر لا بعقلية المؤمن. فحين يتحول الخطاب الديني إلى أداة انتخابية، يصبح الدين سلعة رمزية، وتغدو السياسة مسرحًا للوعظ بدل أن تكون آلية عقلانية لتدبير الشأن العام. هنا تبدأ الكارثة: يُختزل الإيمان في شعار، وتُختزل السياسة في دعاء جماعي ويُطلب من المواطن أن يصوت بخشوع لا بوعي.

التاريخ، لمن يريد أن يتعلم، مليء بالأمثلة التي تؤكد أن خلط المقدس بالسلطة لم يكن يومًا بريئًا. باسم الدين شُنَّت حروب، وصودرت حريات، وجُمعت ثروات وصُنعت طبقات من «الأوصياء» الذين يحتكرون تفسير السماء ويديرون الأرض. الربيع العربي، في أحد أوجهه الأقل رومانسية، كشف كيف يمكن للخطاب الديني أن يتحول إلى وقود سياسي سريع الاشتعال: وعود بالخلاص، شعارات أخلاقية عامة ومزايدات إيمانية تُغطي فراغ البرامج الاقتصادية والاجتماعية. وحين اصطدمت هذه الشعارات بواقع الحكم، تهاوت بسرعة، لأن إدارة الدول لا تُنجز بالنيات الحسنة وحدها.

السياسة، ببساطة، ليست درسًا في العقيدة ولا حلقة ذكر جماعية. السياسة فن الممكن، وعلم المصالح المتعارضة وآلية لاتخاذ قرارات صعبة تحت ضغط الواقع. هي مجال للمساءلة، للأرقام، للميزانيات، للقوانين ولتوزيع الموارد النادرة بعدل نسبي. أما الدين فهو فضاء روحي وأخلاقي، علاقة فردية وجماعية بالقيم والمعنى، يزدهر في الضمير لا في صناديق الاقتراع. حين نخلط المجالين، نظلمهما معًا: نُفرغ الدين من سموه ونُعطل السياسة عن وظيفتها.

المغالطة المنطقية الأخطر في هذا الخلط هي الادعاء بأن من يعارض «السياسي المتدين» يعارض الدين نفسه. هكذا تُصادر السياسة باسم القداسة، ويُخَوَّن الخصوم أخلاقيًا بدل مناقشتهم سياسيًا. يصبح النقد كفرًا، والمحاسبة تشكيكًا في النيات والفشل ابتلاءً إلهيًا لا نتيجة خيارات بشرية خاطئة. هذه ليست حماية للدين، بل استغلال فج له، لأن الدين حين يُستدعى لتبرير السياسات العمومية يتحول إلى درع يمنع المحاسبة.

في السياق المغربي، لا يحتاج المرء إلى كثير عناء ليجد مثالًا صارخًا. سياسي يقود حزبًا إسلاميًا، يرفع خطاب الزهد والتقرب إلى الله، بينما يستفيد من تقاعد سمين راكمه من سنوات السلطة. يخطب في الناس عن الأخلاق والتجرد، ثم يتعامل مع السياسة باعتبارها مسارًا مهنيًا مريحًا يضمن الامتيازات. المفارقة ليست في تصريح السياسي الذي يدعي أنه يمارس السياسة تقربا إلى الله، ولا في الخطاب الذي يُلبس المصالح الشخصية لبوس التقوى، ويطلب من المواطن أن يصدق أن كل هذا «عبادة».. بل في القرارات السياسية والاقتصادية لهذا الرجل الذي قاد حكومة ساهمت في تكريس مستويات الفقر، عبر تحرير غير مدروس للأسعار. نعم، لقد كانت حكومة رأسمالية حلال خالية من الكحول.

الخطير في هذا النموذج أنه يخلط بين الأخلاق كقيمة عامة، والدين كعقيدة والسياسة كإدارة. الأخلاق مطلوبة من الجميع، متدينين وغير متدينين، لأنها أساس الثقة العمومية.. لكن الأخلاق لا تعني احتكار الفضيلة ولا تخويل صكوك الغفران السياسية. الدولة الحديثة لا تُدار بالإيمان الشخصي للحاكم، بل بقوة المؤسسات، واستقلال القضاء، وشفافية القرار وربط المسؤولية بالمحاسبة.

إن الفصل بين الدين والسياسة لا يعني العداء للدين، كما يحلو للبعض أن يروج.. بل هو حماية له من التوظيف النفعي وحماية للسياسة من الشعبوية الأخلاقية. الدين حين يُترك في مجاله الطبيعي، يصبح مصدر إلهام أخلاقي حر، لا أداة ضغط انتخابي. والسياسة حين تتحرر من القداسة، تصبح قابلة للنقد والتصحيح، وهذا جوهر الديمقراطية.

والأدهى أن هذا التداخل المفتعل يخلق مواطنًا مشوشًا: يُطلب منه أن يقيس السياسات بمعيار الحلال والحرام بدل الجدوى والإنصاف. فيصبح السؤال عن فرص الشغل، والصحة والتعليم، ثانويًا أمام اختبار النوايا. هكذا تتراجع النقاشات العمومية إلى مستوى الوعظ، وتُهمل التفاصيل التقنية التي تصنع الفارق في حياة الناس. ومن هنا تنشأ خيبة الأمل، لأن الواقع لا يرحم الخطاب، ولأن الأزمات لا تُحل بالخطابة مهما كانت مفرداتها مطمئنة.

ثم إن استدعاء الدين في السياسة يُقسّم المجتمع أخلاقيًا، لا سياسيًا. بدل اختلاف البرامج، نصبح أمام مفاضلة بين «مؤمنين» و«غير مؤمنين»، بين «أنقياء» و«مفسدين». هذا التقسيم مدمّر للنسيج الاجتماعي، لأنه يحوّل التعدد الطبيعي إلى صراع هوياتي، ويغلق إمكان التعايش السياسي. الديمقراطية تقوم على الاعتراف بالاختلاف، لا على ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة.

إن التجارب الحديثة، داخل المنطقة وخارجها، تُظهر أن الدول التي نجحت في تحسين شروط عيش مواطنيها لم تفعل ذلك عبر تديين السياسة، بل عبر عقلنتها. حكم القانون، وتكافؤ الفرص وسياسات عمومية مبنية على معطيات، لا على خطب. أما الدول التي راهنت على القداسة السياسية، فغالبًا ما انتهت إلى الاستبداد أو الفشل، لأن من يعتقد أنه ينفذ إرادة السماء لا يقبل بسهولة بمساءلة الأرض. وذلك درس لا يجب تجاهله اليوم أبدا.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى