
يسرا
ولد محمد المختار السوسي في قرية إلغ سنة 1900، لأسرة عرفت بالزهد والورع والتقوى، فوالده علي بن أحمد كان هو شيخ الزاوية الدرقاوية بإلغ، وأمه رقية بنت العربي الأدوزية، كانت فقيهة وعالمة ومربية. كانت إلغ إبان ولادة العلامة قرية بئيسة تقاوم صروف حياة تقوم على الندرة في كل شيء، ومع ذلك كان أهلها يملكون أنفة وكبرياء رضعوها من الماضي المجيد لإلغ، حين كانت حاضرة مزدهرة ومركزا تجاريا هاما، يسيطر على أحد المفاصل الكبرى للتجارة العابرة للصحراء. ضعفت إلغ، بل انهارت اقتصاديا، لكنها حافظت على ثراء روحي وديني وثقافي. ولو أن التعليم الرائج فيها آنذاك، وفي كل مناطق سوس، كان تعليما عتيقا، يقوم على حفظ واجترار متون بعينها، فإنه، ومع تحجره وانفصاله عن حاجيات العصر، حافظ لمرتاديه على مقومات الشخصية المغربية في ارتباطها بالأرض وبالقيم. تيتم العلامة مبكرا، وبتتابع غريب لظروف معينة سيتمكن، في رحلته لتحصيل العلم، من أن ينهل بشكل متتالٍ من أهم المراكز العلمية المغربية. سيدرس في جامعة بن يوسف بمراكش، هناك سيلتقي بأحد رواد الحركة السلفية المغربية في بعدها الوطني: أبو شعيب الدكالي، أيامها سيسمع أفكارا حول تجديد الممارسة الدينية، من خلال الرجوع للمنبع الأول للدين، والتحرر من كل ما علق به في عصور الانحطاط. بعد مراكش سينتقل إلى فاس التي كانت آنذاك منهمكة في تشكيل الخلايا الأولى للحركة الوطنية. مقام العلامة في فاس كان حاسما في مساره الديني والفكري والسياسي، هناك سيخالط رموز الحركة الوطنية الكبار: علال الفاسي، محمد غازي، وأحمد بلافريج ومحمد مكي الناصري حين يأتيان من الرباط إلى فاس. في هذه المدينة، وفي جامعة القرويين، كان العلامة يستمع لدروس شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي، الذي لم يكن أستاذا فقط، بل كان ملهما في الكفاح الوطني. بعد فاس سينتقل العلامة إلى الرباط وسيأخذ العلم من أهم رجالاتها أيضا، حين انخرط محمد المختار السوسي في العمل الوطني من أجل تحقيق الاستقلال كان يعرف جيدا ما ينتظره، فالسلطات الفرنسية تراقب كل شيء، وقد شهد واقعة إغلاق المدرسة التي كان يديرها محمد غازي، والتي كانت في الأصل مقرا للزاوية الناصرية.
بعد اكتمال تكوين العلامة، سيعود إلى مراكش وسيشرع في تحويل زاوية والده بالرميلة بباب دكالة إلى مدرسة تعلم الصبيان، فاشتهرت، وصارت قبلة للطلبة والمثقفين وخصوصا القادمين من سوس. لم تغفل السلطات الفرنسية وباشا مراكش عن نشاط المدرسة، وعرفت بأن وراء الدروس والمواعظ فكرا وطنيا يمارس السياسة والتعبئة تحت قناع التربية، فنفت محمد المختار السوسي إلى إلغ، تسع سنوات كاملة كانت مؤلمة للعلامة على الصعيد الشخصي، لكنها كانت منة للثقافة المغربية، فقد قضى العلامة تلك السنوات منقبا وباحثا ومجمعا ومدونا للتراث السوسي في كل مناحيه، وما أنجزه بمفرده، وبوسائل شبه منعدمة، وفي ظروف قاسية، تعجز مؤسسات أكاديمية مرفهة عن إنجازه اليوم.
بعد تجربة المنفى التي شكل فيها أساس أهم كتبه: المعسول (عشرون مجلدا)، سوس العالمة، خلال جزولة (أربعة مجلدات)، إلغ قديما وحديثا، حول مائدة الغداء،… وغيرها مما مازال مخطوطا، سيعيش تجربة السجن في أغبالو نكردوس، والتي سيدون تفاصيلها في كتاب «سجن الصحراء».
تقلد العلامة بعد الاستقلال مناصب هامة حيث سيعين وزيرا للأوقاف، ثم وزيرا للتاج، ورغم مكانته حافظ على زهده وتقشفه، بل حافظ على كل تفاصيل ذلك السوسي الذكي والمرح الحذر من الدنيا ومباهجها، والذي يعرف أنه ليس في صراع مع العالم وإنما حربه الضروس ينبغي أن يخوضها، وبلا هوادة، ضد النفس..





