
وأنا في القطار المتجه من مدينة موستار، جنوب البوسنة والهرسك، إلى سراييفو، كانت الذاكرة مشدودةً إلى محطتين مفصليتين من التاريخ، وبينما كانت عيناي تتتبعان المشاهد المتبدلة خلف النافذة، جبالا شامخة، وغابات وارفة، وبحيرات ساكنة كالمرايا، وقرى صغيرة تتناثر على السفوح، كان الذهن يغوص في الماضي، يغرف من صمته، ويصغي إلى همس الأزمنة التي عبرت من هنا وخلفت أثرها في الحجر والبشر.
يتعلق الأمر أولا باغتيال ولي عهد النمسا، الشرارة التي سببت اندلاع الحرب العالمية الأولى، حسبما شرح لنا أساتذة التاريخ خلال مرحلة الثانوية. تلك المأساة التي أخذت حياة ملايين الجنود والمدنيين في مختلف الدول. ثم يعود الفكر إلى حصار سراييفو على يد القوات الصربية، كأطول حصار في التاريخ الحديث، واستمر أكثر من أربعين شهرا، ولم ينته إلا بتوقيع اتفاقية دايتون للسلام أواخر عام 1995. كانت حربا قاسية شهدها العالم عبر الشاشات، وأثارت احتجاجات في شوارع أغلب مدن العالم، وأنتجت أغان تندد بالعنف والدمار، وأفلاما ووثائقيات توثق الحدث.
محطتان تفصل بينهما عقود من الزمن، لكنهما تلتقيان في الدلالة والألم الذي تركاه داخل الذاكرة الإنسانية. وبعد نحو ساعتين على متن القطار، بدأت ملامح سراييفو تظهر.
بوصول القطار اتجهت بسيارة أجرة إلى الشقة التي حجزتها عبر أحد المواقع المتخصصة. كان البيت يضم شقة فسيحة في الطابق السفلي تسكنها العائلة في هضبة تطل على المدينة، وشقتين للكراء في الطابق العلوي. استقبلتني السيدة بابتسامة ودودة وسلمتني المفاتيح، ثم دار بيننا حديث طويل أغنتني خلاله بالنصائح والملاحظات والأماكن التي يجب زيارتها وتلك التي يستحسن تفاديها.
ورغم الإرهاق، تغلب الفضول على التعب. خرجت لأكتشف مدينة طالما جمعت بين جمال المكان الذي تحيط به الغابات والمرتفعات من كل جانب، وتلال خضراء وثقل التاريخ. في أولى جولاتي قادتني الخطوات دون تخطيط إلى القنطرة القريبة من موقع اغتيال وريث العرش النمساوي وزوجته. للوهلة الأولى بدا المكان عاديا فلا شيء يكشف عن أهميته. واللوحة المثبتة على جسر اللاتين، أو «لاتينسكي موست» كما يسمونه، تكاد تخلو من الإشارة الواضحة إلى الحدث. معظم الزوار يكتفون بالتقاط الصور ثم يمضون سبيلهم، أما أنا فحاولت التوقف عند المعنى قبل المشهد. زادت غرابتي اللوحة الشاهدة التي تتحدث عن تاريخ البناء وإعادة البناء لأسباب طبيعية.
وقفت أتأمل الجسر الصغير فوق نهر ميلياتسكا، محصورا بين شارع وحديقة نسبيا مهمشة. وعلى الضفة المقابلة يقع متحف سراييفو، فدخلته بحثا عن سرد أوضح. كان المتحف هادئا وشبه خال محدود المساحة، لكنه غني بالمحتوى، وثائق تاريخية، صور، قطع أثرية، أثاث تقليدي، وأدوات من الحياة اليومية، إلى جانب عرض مفصل لوقائع اغتيال الأرشيدوق.
حين سألت مسؤولة المتحف عن غياب المعلومات في اللوحة التذكارية بموقع الحادث بدا عليها شيء من الحرج. شعرت أن ثمة رغبة في طي صفحات الماضي والسعي إلى بناء هوية جامعة تتجاوز الانقسامات العرقية، وتؤسس لبلد يضم مواطنيه بمختلف معتقداتهم وقناعاتهم الفكرية والسياسية، مما دفعهم إلى إقرار نظام رئاسي فريد من نوعه مبني على الرئاسة المشتركة بثلاثة رؤساء في الوقت نفسه.
على مقربة من هناك زرت مقر مجلس المدينة والمكتبة الوطنية والجامعية، وهو صرح معماري يجسد الصمود الثقافي وحفظ الذاكرة، ويؤدي في الوقت نفسه دورا علميا يخدم الطلبة والباحثين، فضلا عن كونه معلمة سياحية. تصميمه مستطيل متماثل يعكس ثراء التراث البوسني وتعدديته، ويجمع بين التقنيات الأوروبية والطراز الموريسكي والزخارف الإسلامية التقليدية، مع أقواس كبيرة وسقف خشبي مزخرف من الداخل، ونوافذ زجاجية ملونة وأسقف مرسومة.
واصلت بعدها زيارة بقية متاحف المدينة، حيث يكاد كل ركن يحمل أثرا من تاريخ هذا البلد. جدران ما تزال مثقوبة بالرصاص، تروي بصمت فصول الحصار. سراييفو، بجمالها الخجول وهدوئها الظاهر، ليست مدينة للراحة أو السياحة الهادئة، إنها مدينة تدفعك إلى التفكير وتستحضر فيك كل ما قرأناه وسمعناه وشاهدناه عن تحولات التاريخ وأوجاعه وآلامه.





