
يعتبر سلاح الغواصات إحدى الركائز الاستراتيجية في الحروب البحرية الحديثة. وتبرز أهميته الأساسية في قدرته على التخفي تحت سطح الماء، ليقوم بعدة مهمات من الاستطلاع والمراقبة والردع والدفاع والهجوم.
تاريخ اختراع الغواصة يعود إلى أزمنة بعيدة، وهناك من ينسب اختراعها إلى العديد من المخترعين، أو واضعين أول تصميم لها مثل ليوناردو دافينشي وغيره. وقد مر سلاح الغواصات من مراحل متعددة، وصولا إلى الغواصات النووية الحديثة. لكن أول ظهور لها بشكل قوي واعتبارها سلاحا أساسيا في الحروب، كان في بداية الحرب العالمية الثانية.
حين أعلنت بريطانيا وفرنسا، في 3 شتنبر سنة 1939م، الحرب على ألمانيا لمواجهة أطماعها التوسعية في وسط وشمال غرب أوروبا، بعد احتلالها بولندا وهولندا وتشيكوسلوفاكيا، مما يعتبر البداية الفعلية للحرب العالمية الثانية.
وكانت بريطانيا بالأساس تعتمد على تفوق أسطولها البحري، الذي كان يمكنها من السيطرة على المحيط الأطلسي والبحر المتوسط وغيرهما من البحار والمحيطات، إضافة إلى الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.
أما ألمانيا فكانت في هذه الفترة تملك أسطولا بحريا حديث التكوين والتأسيس، محدود العدد، بسبب معاهدة فرساي التي أنهت الحرب العالمية الأولى في سنة 1919م، وقيدت التسلح الألماني والإنتاج الحربي في أعداد محددة، إثر هزيمتها في نهاية الحرب.
لذلك اعتمدت ألمانيا على التوسع في حرب الغواصات، تعويضا عن عجزها في القضاء على الأسطول البريطاني، أو على الأقل منافسته فوق سطح البحار والمحيطات.
بعد عشر ساعات فقط من إعلان بريطانيا الحرب على ألمانيا، انفجرت كبرى السفن الإنجليزية للنقل «أثينيا»، وهي في طريقها إلى نيويورك، وتم إغراق 112 ضحية من بينهم 28 أمريكيا.
وسارعت الدعاية الالمانية النازية إلى توجيه الاتهام إلى رئيس الوزراء البريطاني، وينستون تشرشل، بتعمد إصدار الأوامر لإغراق السفينة، مع علمه بوجود مسافرين أمريكيين على متنها، لغاية إدخال الولايات الأمريكية في الحرب مع الحلفاء ضد ألمانيا. واتضح في ما بعد أن غواصة ألمانية هي التي كانت وراء إغراق السفينة الإنجليزية.
كانت السفن البريطانية خلال بداية الحرب العالمية الثانية تتعرض بطريقة غامضة للتدمير والإغراق، في أماكن متفرقة من البحار والمحيط الأطلسي، ووصل الأمر إلى حد تدمير ست سفن بريطانية دفعة واحدة وفي مصب نهر التايمز نفسه، وكذلك تعرضت البارجة الضخمة نيلسون لعملية تفجير ألحقت بها أضرارا جسيمة.
ويُروى أن الأميرال وقائد البحرية الإنجليزية قد دخل على رئيس الوزراء، تشرشل، في مكتبه، وقال له بغضب: «إن الألمان يملكون سلاحا سريا خطيرا يكاد يقضي على سفن الأسطول الإنجليزي، ومن المستحيل تكليف السفن الإنجليزية بأي مهام، ما لم يتم التوصل إلى اكتشاف هذا السلاح ومعرفة حقيقته».
استمرت حرب الغواصات الألمانية ضد الأسطول البريطاني الحربي والتجاري بكل ضراوة، وأصبح من الواضح أن الأمر يتعلق بحصار بحري شامل أداته الفاعلة سلاح الغواصات. ولحماية سفنها التجارية، اضطرت بريطانيا إلى أن تصاحبها البوارج البحرية والطرادات المسلحة، ورغم هذا الاحتياط المكلف ماديا لسلامة النقل البحري والتجاري كانت الغواصات الألمانية تواصل تدميرها بشكل متلاحق، بحيث استطاعت خلال السنة الأولى للحرب تدمير أكثر من 114 سفينة.
لكن انطلاقا من سنة 1943م بدأ التوازن يميل لصالح الحلفاء، بفضل استخدام الرادار والسونار وتوظيف سلاح الطيران في ملاحقة الغواصات، وكشف مواقعها الخفية وتدميرها. وساهم هذا المعطى المستجد في الحرب العالمية الثانية في زيادة خسائر الغواصات الألمانية، وفقدت بالتدريج سيطرتها الاستراتيجية على المحيط الأطلسي وحصارها البحري والتجاري، مخلفة الآلاف من الأرواح والضحايا.
وكانت المواجهة البحرية بين ألمانيا وإنجلترا قد أظهرت أن أهمية سلاح الغواصات في الحروب البحرية لا تقل عن السلاح البري والجوي، وساهمت في تغيير مسار تاريخ الحروب الحديثة.





